الخميس 20 سبتمبر 2018 م - ١٠ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / علي سلطان في ورْد وأَروى

علي سلطان في ورْد وأَروى

علي عقلة عرسان

هذه هي مسرحية د. علي سلطان “ورد وأروى”، التي تعمق مشكلة حب، لتصبح مشكلة وطن، وتغرس جذورها في التاريخ وفي القلوب، لتورق وتزهر وتثمر، حتى في يوم الناس هذا، ألمًا وأملًا. ومن الواضح الجلي، إسقاط المؤلف أحداث مسرحيته على الوضع العربي وتمزيق الوطن، لا سيما في بلاد الشام والعراق، تنفيذًا لاتفاق سايكس – بيكو، تمهيدًا لتنفيذ وعد بلفور، وقيام الأنظمة العربية بتبني تركة الاستعمار المرة، والدفاع عنها بشراسة لا نظير لها.

د. علي بن محمد سلطان ” ١٩٣٣ -”، ولِد في مدينة السلمية، وتابع دراسته فيها، حصل على إجازة في التاريخ من جامعة دمشق عام ١٩٦٥، ودكتوراه في تاريخ العرب الحديث، من جامعة الجزائر عام ١٩٧٤، ودكتوراة في تاريخ العرب الحديث من جامعة اكس أن بروفانس عام ١٩٨٥- عمل مدرسا في مدارس السلمي والجزائر، ودرَّس مادة التاريخ في جامعات: قاريونس، وسبها، ومصراته. وهو ضابط سابق في الجيش العربي السوري. وعضو في اتحاد الكتاب العرب. ومن مؤلفاته: مؤلفاته المسرحية: ورد وأروى، مدينة بلاط الذهب، جزيرة الليل الأحمر، واحة حرية، دولة الشيطان، بين القلعة والسور. وله عدة مؤلَّفات في تاريخ سوريا، والدولة العثمانية.
تقع مسرحيته “ورد وأروى” في ثلاثة فصول، وتدور حوادثها في مكان واحد، هو مضارب عشيرتي قيس وعامر، في البادية العربية، وتحدث فصولها الثلاثة، في مراحل زمنية متباعدة، ولكنها تُغري الشعور بالتواصل، أو توهم به. وتبدأ تلك الحوادث عام ١٩١٢، ولا تكاد تنتهي في زمن محدد، إذ توحي بالاستمرار، وتتدفق في المستقبل.
وهي قصة حب، تذكر بتلك القصص التي عرفها العرب، من مثل: قيس وليلى، عنترة وعبلة، جميل وبثينة، كثيّر وعزّة، ولكن لهذه القصة طعْم بيئتها ومقومات فعلها، ونوع شجَنها.. وتكاد تنفرد بخاصية تجعلها تمتد، لتصبح معاناة عشاق في أمة، ومعاناة عشاق لأمَّة، مكتسبة، دون افتعال، بعدًا سياسيًّا، ينساب بشكل غير مباشر، ويمتد ليطغى، أو يبتلع كل ما عداه، أو ليسجن كل حدث في إطاره، ويوظفه لغايته.
ورد بن مدرك من قيس، يعشق أروى بنت عامر، من عشيرة بني عامر. وقد شاع خبر حبهما في الحي، وتناقلته الرُّكبان. ولا تجد أروى صعوبة في موضوع الاقتران بمن تحب، لا من أهلها ولا من أهله، فوالدها خين يعلم بقصة ابنته، لا يمارس دور “العزول”، ولا يستمع لكلام الوشاة، ويوافق على زواج ابنته من ورد، وأهل ورْد كذلك يوافقون.
ولكن المشكلة تبدأ من وجود ابن عمٍّ لأروى، هو عبيد بن وائل، الذي يريد ابنة عمه زوجة له، “حسب العوايد”، ولا يبدو أنه يكنُّ لها حبًّا، ويعرف أنها لا تريده، ولا تكن له حبًا هي الأخرى. لكن هذه المشكلة تبدو ضئيلة التأثير كغيرها من مشكلات.. فوالد عبيد لا يقف معه، وسوء خلق عبيد ومسلكه الشائن، يجعلانه منبوذًا، ولا يقنعه ذلك كله بالكف عن مطلبه الزواج من أروى، بل يضري عناده ومقاومته، ويجعله يلجأ إلى أساليب الدس والوقيعة، ومع ذلك لا يفلح، ويحاول أن يقتل عمه، وأن يستعدي الحاكم العثماني ومساعده. ولكن احترام ذاك العهد لشيوخ العشائر، ولعاداتها وتقاليدها، وكذلك تقصّي المسؤول في المنطقة لحقيقة الأمر، يبطل كل تحركات عُبيد الضارة، على الرغم من أنه استعمل المال وأغرى بالنساء.
وحين يحدَّد يوم زواج أروى وورد، يأتي تدخل الحكومة، في اللحظة الأخيرة، ليمنعه. حيث تُحاصر مضارب العشيرتين، لتأخذ الشباب للقتال، ولتأخذ الجِمال والأغنام لما تتطلبه أحوال الحرب العالمية الأولى، التي دخل فيها الأتراك العثمانيون في المحور، ضد الحلفاء. وفي أثناء غياب الشباب، ومنهم ورد وعبيد، في الحرب، يطعن عبيد وردًا، لكنَّ الطعنة لا تكون قاضية، ويعود عبيد إلى الحي، معتقدًا أنه قضى على غريمه في حب أروى. وقد جاء إلى مضارب العشيرة، حاكمًا، مخوَّلًا بتنفيذ كل ما يريد، بصفته مفوضًا بتأمين الرجال والأنعام للجيش. وقبل أن يبدأ مهمته القاسية تلك، بعجرفته المعهودة، يَسْمُرُ ويشرب مع فتاتين غانيتين في الحي، هما هند وقمر، اللتين سبق واستخدمهما لأغراض شتّى، ويخبرهما بمهمته ومكانته، على مسمع من أخٍ لهند مريض، يُدعى ” عون”، يمنعه مرضه من الدفاع عن نفسه، ومن وضع حد لسلوك أخته هند. ولا تتم لعبيد فرحتُه، ففي الوقت الذي يخبر فيه عمَّه وأروى وأمَّها، بأن وردًا لن يعود، وأنه دفنه بيده، وأنه هو المفوض اليوم بأن يفعل ما يشاء.. في هذا الوقت، يظهر ورد، ليكذِّب كل ما قاله عبيد، وليعلن عن انكسار الجيش، وعن عودة كل شباب الحي.. فيفرح كل مَن في الحي بعودة الغائبين، ويتقرر يوم عرس ورد وأروى، وتبدأ الاستعدادات لذلك اليوم. وفي ذلك الوقت يصل إلى “المضارب” المساعدُ القديم، الذي كان مع الحاكم العثماني، ومعه رجلان أوروبيان بزيِّهما الرسمي، وجمعٌ من الأشخاص، ويبدؤون قياس الأرض وتحديدها، في دهشة من الناس. ولا يلبث أن يدخل جنودٌ معهم سياجٌ شائك، يثبِّتونه حيث قاس الرجلان وحدّدا، ويقفون حرسًا عليه، يمنعون الناس من تجاوزه.. ونتيجة هذا التحديد، يقع ورد وأهله في جانب من “جدار الشوك”، وتقع أروى وأهلها في الجانب الآخر منه.. ثم يأتي من يعلن بأن الحي الواحد، والمضارب المشتركة، انقسمت إلى بلدين، وأن باريس ولندن اقتسمتا المسؤولية عن المناطق والناس، وأن “مستر اكس ومسيو غث” قد نفذا وعودًا أو حدودًا، وأن على كل أهل المنطقة أن يطيعوهما، وأن يلتزموا بها. وأن أي تواصل أو تنقل أو زواج، وحتى إرسال السَّمْن من حي إلى حي، لا بد أن يتم بموافقة، عبر باريس ولندن. وهكذا يتعطل زواج أروى وورد مرة ثانية، ويمتنع عليهما اللقاء، بعد أن كان متاحًا، وتصبح نجواهما كنجوى سائر الناس ولقاءاتهم، عبر الأسلاك الشائكة، وتحت أنظار الحراس. وبرغم ذلك، لا يفقد العاشقان دفق العاطفة، ولا الأمل بإتمام زواجهما. وتمر الأيام بعد الأيام، وهما على صمودهما: أروى تقاوم عبيدًا وأساليبه وتواطؤه مع المستعمرين، في حيها وبلدها، وضد أهله وعشيرته.. وورد يقاوم مثيلًا له، جاسوسًا، وُلِد في منطقتهم، هو مُهاجر الأعور. وتبلغ المعاناة حدود عدم الاحتمال، فيقتل وردٌ الجاسوسَ مهاجر، ويقتل أخو هند “عون”، في لحظة شجاعة ونضج وصحو كبير، كلًّا من عبيد وهند وقمر، الذين كانوا يفسِدون القيم في الحي، ويدنسون شرفه في بيته، ويسيئون إلى أهله وعشيرته، ولأروى التي يعزّها، ويمنعونه من الظهور بمظهر الكريم، والرجل الذي يليق بجُهينة، أخت ورد.
ويكبر “عون”، أخو هند، بنظر الحي.. وتأتي على أثر ذلك بشائر، لطرفي الحي تقول، إن العرب تغلبوا على المستعمرين الفرنسيين والإنجليز، وطردوهم من البلاد، وإن السور الشائك، والحراسات، سوف تُرفَع، وأن الناس سيعودون حيًّا واحدًا كما كانوا. فتنطلق الأهازيج، وترتفع الأصوات بها، وتُقام الأفراح، وينتظر الناسُ مَن يبادر إلى إزالة الأسلاك الشائكة وحراسها من الحدود. ولكن مسؤولَين من الطرفيْن في البلدين، يصلان إلى المضارب، ويخبران الناس بأن هذا الأمر سيتم حتمًا، “أي إزالة الأسلاك الشائكة، ولكن بعد وقت قصير، حيث لا بد من ترتيب الأوضاع. ويصبر الناس وهم يغصون بفرحهم، وينتظرون الأهل وأفعالهم المجيدة. وتمرُّ سنة ولا يحدث شيء، والعشاق والأقارب يتلاقون من بين الأشواك الحديدية، وتحت رقابات العساكر. ويهم الناس بإزالة الأسوار، ولكن لا يلبث أن يصل إليهم رجل يقول: إن جنودًا ومدافع تقترب منهم، فيرتج عليهم ويحَارون، ثم يتساءلون: هل يحتاج هذا السور الشوكي إلى مدافع لكي يُزال!! إنهم هم على استعداد لرفعه بسرعة قصوى، فلمَ الجنود ولمَ المدافع!! ولكنهم ينتظرون. ويصل الجنود، وتصل المدافع، وتُنصب متقابِلة على طرفي السور الشائك، وينتصب رجلان في طرفي السور، يتقابلان ويخطبان في جموع الناس، ويقولان كلامًا واحدًا، بحماسة متشابهة.. مفاده “مقاومة وجود السور، وأنهما ضد قيام السور، وأنهما سيزبلانه، وأن الخونة هم الذين يبنونه ويحمونه، وأن المدافع لا بد من أن تنصَب بوجه الأعداء، وأن الجنود لا بد أن يقفوا للعدو بالمرصاد..”، ويتطلع أهل الحي، من عامر وقيس، إلى بعضهم بعضًا دهشين، فقد أصبحوا هم، بنظر الرجلين، أعداء، وأصبحت المدافع تصوَّب، من الطرفين المتقابلين، لأبناء الحي الواحد، المنتشرين على جانبي السور. فأية عداوة بين العُشاق والأهل والأقارب، وأية أسوار تلك التي ينبغي أن تُحمَى، في الوقت الذي يُنادى فيه بأن الخونة وعملاء الاستعمار، هم الذين يقيمونها؟! ويصدِر الجنودُ الأوامر إلى الناس بألا يقتربوا من الحدود، وبألا يمسوا السور الشائك. وينتصب حراس الشوك الحديدي بكل يقظة على مشارف السور من الطرفين، واليد على الزناد. وتتراجع فرحة العروسين، وتغوص في أعماق الأعماق، ولكن شوقهما يستمر في الحياة. وتتكاثر أزواج العشاق الجدد، ومنهم جهينة وعون.. أولئك الذين يرنون إلى بعضهم من خلال السور، ويتناقل أبناء الحي الأخبار، ليطمئنّوا على بعضهم بعضًا، بعسر شديد ومشقَّة. وتصل أروى إلى حالة بؤس ومرض، تحس معها بأنها لا بد أن ترى وردًا، ولا تستمع لنصح والدتها ووالدها، اللذين لا يلبثان أن يرقّا لحالها، وأن يُساعدا ابنتهما أروى الذّاوية، لكي تصل إلى السور الشائك، الذي بدا وكأنه يتغذى من وقد روحها، ومن حرارة عشقها، فيزداد قسوة وصلابة ورسوخًا وارتفاعًا، ولتزداد هي وسواها من أبناء القبيلتين المتحابين، يأسًا وضعفًا ومعاناة. وتجلس أروى على الأرض، في جانب من السور الشائك، ويجلس في الجانب الآخر ورد، ويتبادلان النجوى، ثم يُنشدان قصيدة تتكامل وتتداخل، ويردّد فيها كل منهما كلام الآخر، وكأنه تماهى معه، وصارا كلًّا واحدًا.. وفي ذروة تألق الوجد وشدته، تسقط أروى الجالسة، تسقط أرضًا، فيندفع وردٌ إليها.. ومن الطرف الثاني يأتيه الرصاص ممن يحرسون السور القائم بين العشاق وأهل الحي، من عامر وقيس، ويرتمي ورد مضرجًا بدمه، ويده تقبض على سور الشوك. وعلى صوت الرصاص، وهول المشهد، تستيقظ أروى، وتندفع نحو ورد المدمَّى، فيعاجلها الرصاص هي الأخرى، من الحراس الأشداء الذين يرقبون الحركة عند السور، فتقع مضرجة بدمها هي الأخرى.. وربما لامست يدُها يدَ ورد على سور الشوك المدجج بالرصاص.. ويموت العاشقان، دون أن يتحقق حلمُهما، ودون أن تهدأ عواطفهما.. ولكنهما يتعزَّيان، أمامنا، يتعزيان بأن عشاقًا كثرًا قد ساروا على طريقهما، واقتديا بهما في حب صابر طاهر، وأنه تنتشر على جانبي السور عيون العشاق والأهل، الذين يعيشون على أمل أن يزول سور الشوك وحراسه الأشداء، لتتدفق المحبة والأخوة بين جانبي السور، وتعود لقاءات الأهل، وتكتمل الفرحة في القلوب.
هذه هي مسرحية د. علي سلطان “ورد وأروى”، التي تعمق مشكلة حب، لتصبح مشكلة وطن، وتغرس جذورها في التاريخ وفي القلوب، لتورق وتزهر وتثمر، حتى في يوم الناس هذا، ألمًا وأملًا.
ومن الواضح الجلي، إسقاط المؤلف أحداث مسرحيته على الوضع العربي وتمزيق الوطن، لا سيما في بلاد الشام والعراق، تنفيذًا لاتفاق سايكس – بيكو، تمهيدًا لتنفيذ وعد بلفور، وقيام الأنظمة العربية بتبني تركة الاستعمار المرة، والدفاع عنها بشراسة لا نظير لها.
إن الفكرة جيدة جدًا، والمعالجة تستوعب الفردي والجمعي، في تطلع للمماهاة بين الخاص والعام، وعشق الآخر وعشق الوطن. والمؤلف لا يفصل بين علاقات اجتماعية في حدود ضيقة في بادية عربية.. وعلاقات سياسية وقومية، تبدأ محليّة وترقى لقومية، حيث نقرأ تأثير المناخ السياسي العام فيها وعليها، وكل ذلك يتم من دون صراخ بالشعارات، ومن دون غوغائية وثورة في الانفعالات والتصرفات. الحوار في مقاطع منه ثقيل، وفي أجزاء منه يحمل روح تكلف، لا سيما المشاهد في الفصل الأول، بين أروى وورد، تلك التي تميل إلى تكلف الشعر والسجع، فتشي بتكلف أشمل.. وربما سعى المؤلف إلى تقديم روح العصر في ذلك الحوار، ولكن ذلك أثَّر على حيوية المشهد والحوار المسرحيين، وعلى تفاعل المُشاهد. وفي مواقع أخرى من النص، لا سيما في الفصل الأخير منه، يصبح الحوار رشيقًا وعميقًا ومؤديًا لأغراضه، ولا سيما ذاك الذي عبَّر عن مقولات السياسة، وما تبادله العُشّاق. وتشكو المسرحية من بعض الترهّل، ومن الاستطراد، والاستغراق في بعض التفاصيل، وفي الكلام “الحكي”، وذلك في القسم الأول منها، لكن حوارها يزداد عمقًا ورشاقة في القسم الأخير، كما أسلفت.
ويبقى هذا النص جديرًا بالاهتمام، ويمكن لإعداد مسرحي متمكن، أن يضعه بنجاح بين النصوص المسرحية الجيدة، والعروض المؤثرة المُشوِّقة.

إلى الأعلى