الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “برقع وَبَحر ورمال” رؤية نقدية في المجموعة القصصية ” روزيشيا ” لإشراق النّهدية

“برقع وَبَحر ورمال” رؤية نقدية في المجموعة القصصية ” روزيشيا ” لإشراق النّهدية

أحمد بن إبراهيم  سوسة:
بكل فرح ألتقي من جديد بإبداع آخر للكاتبة العمانية إشراق النهدي في مجموعتها القصصية الجديدة – روزيشيا- الصادرة في 2017، هذه المجموعة تحتفي بروح الخصوصية العمانية بكيان روحي عطر، تتجسد فيها الأصالة والمعاصرة والحداثة.
روزيشيا خطوة  نوعية ثانية وثابتة لإشراق دون القطيعة مع بعض ” ملامح ” مجموعتها الأولى وهي الأحمر، العنوان “روزيشيا” هو أسم لمرض جِلدي. إذ يصبح جِلد المريض أحمرا. يقول الكاتب التونسي نصر سامي في تقديم الكتاب على العنوان الذي سرى ” احمراره ” في عروق هذه المجموعة القصصية أيضا، كما لاحت ملامحه في أفكار حياتية: لا يهمّ إن حضر السرد في حياتنا مثل – ال – روزيش يا روزيشيا تبدو جمالا لمن يراها من بعيد، لكنها في الأساس مرض، هل تعتقد الكاتبة إشراق النهدية أنّ كل انسان هو مريض بروزيشيا، وأنّ دواءه الوحيد هو الكتابة؟ تساؤل ربما يظل باقيا لنهاية الكتاب وبعد الانتهاء منه أيضا.
نعلم كلنا أنّ مريض ال (روزيشيا) لا يموت، ولا يتعطّل، ولا ينكره الناس، بل ربما وجدوه جميلا مثل بطل قصتها ” روزيشيا ” لكنّه يعرف أنه مريض، ووعيه بذلك يشقيه ويجعله يقيم في الوجع.
الإهداء : إلى ميزون. نوال. ليلى. وفاندنا. إلى من جعل لي أملا داخل كلّ نفق كان مظلما، إلى من نحبهم ويجهلون ذلك، إلى من توارت تحت ألسنتنا أسماؤهم، فاكتفينا بهم في ذاكرتنا واتخذناهم قلما لنكتب بهم، إلى كلّ من نحبهم ولا يسعنا ذكرهم، حتى الإهداء ظهر متحفظا بحمرة الخجل والحياء، إذ أن الكاتبة ذكرت اسماء قلة، ثم أخفت أغلبها في جوف الذاكرة، مدعية بأن البعض دافع كتابة لها، فهل الكتمان يصبح سببا للكتابة.
يقول نصر سامي في تقديمه لهذه المجموعة روزيشيا :يشعر القارئ في بعض الأقاصيص أن القصة لم تكتمل فيندمج فيها. وربّما حاول هو أيضا أن يصبح كاتبها، جرّبت ذلك في أقصوصة ” انعكاس ” ، جرّبتُ أن أكون مرآة ليوم واحد، فكاد يكسر عنقي، وآلمتني رقبتي، وأنا أرى الوجوه البشرية القبيحة التي كانت تمرّ بي، لم يمرّ عليّ أيّ كلب يومها ولا نملة ولا زرافة. شعرتُ أن المرآة روح صقيلة لا تدرك العمق الخفي للوجود، بل تدرك ظاهره. حين جرّبت أن أكون خاتما كما في قصة ” الالتفاف حول الإصبع ”  أيضا تعبت، كتبت في الحقيقة قصتي الخاصة من واقع الأصابع التي لبستني، والمشاعر التي مرّت أمامي، والألم الذي رأيته وأنا أصهر من جديد، ويعاد تدويري على شكل حدوة في حافر حصان أمير في خرافة من خرافات الجنّ، مهم جدّا أن تأخذنا القصص إلى التخييل والحركة، وقصص هذه المجموعة فيها تلك القوة المضيئة التي تلهم النفس، هكذا افهم القراءة، وإشراق النهدية مفتونة بالتأليف، محبّة للكتابة، مريدة في محرابها، بإمكانها أن تواصل سنّ أدواتها القديمة، واكتساب أدوات جديدة، مع الحفاظ على روح المحاربة الناعمة التي تسري في نصوصها..”
وعلى مستوى الشّكل كان الإيقاع عنصرا دراميا ثابتا في أقاصيص هذه المجموعة.. (إيقاع نفسي / مادي ) إن كان على مستوى السطحي أو العميق.  وذلك في تضمين العنصر البلاغي  : الرؤية / الرؤيا.. وهذا العنصر ملازم تقريبا كل خبايا الحبكة ونسيجها، يتجلى هذا الإيقاع خاصة في القصة الأولى  الطبل أو ( الرّقص كعنوان توأم – لأن من يلعب الطبل في اللهجة العمانية يعني الرقص )وفي تعريفه للرقص يقول الباحث الأميركي جون درايدن : الرقص هو الشعر الخاص الذي تنظمه أقدامنا ”
من بداية القصة لامسنا ثنائية الحياة / الموت- ( الأخذ / العطاء) …الموت كقضاء وقدر. والحياة كرحلة جديدة ظهرت على شاكلة “حلم” ربما يجوز لنا أن نقول “رقصة حلم” يعمل الأب على تحقيقه (مثل دين ما عليه إلا أن يوفي به  بما أنه وعد زوجته طفول بحسن رعاية طفلتهما سارة .. ثمّ ماتت الأم طفول بعد الولادة مباشرة ).
بداية القصة (ص15) أطلقت عليها اسمها بمجرّد ولادتها، وتوفيت متأثرة بمضاعفات الولادة،
، طفول والدة سارة، عرفت بقامتها الممتلئة المائلة إلى الرشاقة، بالرّغم من طولها المتوسط، إلا أنها كانت أبرع من يلعب (يرقص) الطبل في حلبات الرقص، طفول كانت تحسب أنّ كل من تحمل اسم سارة تكون مميّزة ومختلفة عمّن هم سواها، وكلّ مراهناتها مع ذاتها صدقت، ورأت تمام النور.
بهذا المشهد الدرامي  (في إيقاعه المفارق . المفرح / المبكي ) بدأت القصة، الأم ” طفول ” توفيت بمجرّد أن أنجبت ابنتها الوحيدة سارة، تنتقل سارة للعيش مع والدها خارج مسقط رأسها، تكبر سارة وتتعلّم الكثير من ” أسرار الحياة ” في صمت .  تعود سارة إلى مسقط رأسها ” تربتها الأصل، وهنا تبرع الكاتبة في الاحتفاء بالمكان” وهذا من مزايا الحبكة، (سياق التحوّل). بمعنى من هنا ستعود لتذكّر الأهل والأصحاب بميزة أمّها ” طفول ” .. أي ذاك التميّز إن كان على مستوى الجمال الجسدي أو البراعة في الرقص (الطبل) هل الحياة رقصة؟ تستقبلها خالتها، البطلة سارة  تعانق ملامح طفولتها بحميمية، وهذا معناه حضور للذاكرة النشطة، تقول الكاتبة (صـ17): ” أنهكها الجمال المثالي. الشوارع المرتّبة. المناظر الأنيقة المكتملة بلمسة فنّان ينحتها بدقة بالغة. يصوغ الجمال المدهش كما يحلو له.لكن سارة سئمت من هذا كلّه. ينتابها الملل من كامل الأشياء المصطنعة. وجمالها. فقط جُل ما ترغب فيه الآن. هو أن ترعى في الطبيعة وتسرح في الجبال. تبني قلعة طينية على البحر. وتقيم عليها علم أحمر ( وهنا نذكّر بمجموعتها القصصية الأولى عنوانها الأحمر ) عندما تهدّم الموجة الكبيرة قلعتها الطينية تبني أخرى. تود لو تجري وراء الفراشات وتلتقطها..الخ..”
كل هذه ” الخطيّة ” ما هي إلا علامات تكشف لنا خفايا شخصية سارة. قوّة الشخصية. تعلّقها بماضيها. الرغبة في العمل.
الخالة وبناتها يخبرنها بموعد زواج أحد الأقارب. يطلبن منها الحضور. توافق.. علمت سارة ب (طقوس) هذا المحفل، أن يجب عليها أن ترقص (الطبل) سمعت عن هذه الرقصة المخصوصة. لم يسبق لها أن رقصتها.تقول (ص23 ) : حاولت سارة أن تلعب (ترقص رقصة الطبل) أمام المرآة في غرفتها. لم تكن الأمور ميسّرة كما حسبت. لاحظت أن الحديث النظري سهل. ولكن التطبيق العملي صعب جدا.. ” (ذكرت” المرآة ” هو في نصوصها مفردة ديناميكية، شخصية درامية، وهذا يعتبر امتدادا وإتقان في التواصل أنظر نص انعكاس) تقول الكاتبة ( ص 23 ) :” سابقا كانت تشاهدها – الرقصة – وتستمتع بها من بعيد، ولكن الآن أصبحت هذه الرقصة همّها الأعظم، العرس بعد اثنتي عشر يوما، لا تظن أنها ستتقنها خلال هذه الفترة الوجيزة.
قرّرت أن تعتذر وتبلغ الخالة أنها لن تشارك في العرس. ستكتفي بالمشاهدة مثل كلّ مرّة. ولكن الخالة تعتقد أنّ أحدا لن يفكّر في خطبتها. إن هي ظلّت تهمل هذا الجانب.ولا تلعب الطبل. وتبرز نفسها في المجتمع..” بدأت مراسم الزفاف، دخلت العروس إلى القاعة..تعالت الأغاني. أغاني الأعراس في عُمان. –  ظفّار – . يعني الخصوصية على مستوى الأغنية والطقوس التي تصاحبها وتؤكّدها..
تقول ( ص25) : تحمّست سارة. وقرّرت أن تتجه إلى الحلبة، وتستعرض رقصها، قامت وأشارت إلى خالتها التي ساعدتها في خلع شيلتها (غطاء الرأس) الذهبية. ورتّبت لها خصلاتها الطويلة الشاردة، واتجهت الأنظار إليها وهي تتقدّم نحو الحلبة، كانت تبدو مثل حورية خرجت لتوّها من قاع البحر، غارقة بالحسن والجمال، وتحت عدسة الاضواء والعيون المسلطة عليها. وثقل الاكسسوارات والملابس التي لم تتعوّد عليها، لم تنتبه في مشيتها، غلبها القلق والتوتر والخجل، تعثّرت بطرف ثوبها بوذيل  المخمل (لباس خاص في ظفّار طويل مسترسل من خلف) وقعت على الأرض متألمة، حذاؤها كان عاليا بما يكفي ليلتوي كاحلها لأبسط حركة تقوم بها. هرعت إليها خالتها وبنات خالتها، بينما سادت همسات مختلفة المكان كله : من الحلوة هذي. من ملكة الجمال هذي، تشبه طفول المرحومة. وراها (ماذا بها) كذا ما تعرف تمشي وتقزح (وضعية بها ثبات وشموخ ) مثل الناس ؟ ”
نعم سقطت سارة حين حاولت رقصة الطبل..أعتقد أن الظاهر من هذا السقوط (السطحي) يخفي الثبات العميق، الأصل الصحيح، هو أن سارة واقفة  في ثبات ( غير مفتعل ) في عيون الحاضرات في العرس، هي فتاة جميلة، حلوة،  وكأنها جاءت  إلى تربتها على جناح حلم ، تحقق حلمها بأن تكون أصيلة ومميّزة ..
ربما تتقابل الأسئلة حول الأبعاد الرّمزية لهذا النصّ  وربما تتنافر، كيف يمكن أن نرى تجربة سارة من خلال هذا النصّ.. ماذا تمثل شخصية سارة. ما علاقتها بالواقع المعاش أسئلة عديدة  ستثري النص وستكون الإجابات متنوّعة ومختلفة ولاشكّ في ذلك.. 
الواضح على مستوى ” الشكل ” أن الكاتبة أحسنت نسج حبكتها مستغلة بعض الظواهر التراثية العمانية منها اللهجة واللباس والأماكن، كلها عملت على إثبات عنصر التشويق ليرتفع ” العالم ” الجمالي للنص ويفرض حداثته.
القصة الثانية التي اخترت التعليق عليها هي قصة ” سقوط – ص 42″ هذه القصة تصوّر حالة طفل شغوف بالنّط والقفز.. لعبته المفضلة..يسقط ذات مرّة. تأخذه أمّه إلى العيادة..ومن هنا تنطلق الأحداث..أحداث في شكل ” منولوج باطني ” على لسان الطفل المصاب..
ما يمكن الوقوف عنده في هذا النص هو عنصرا ” الإنغلاق / الصمت ” كدلالة رمزية تكشف أبعاد الشخصيات في علاقتها بمحيطها، المكان عيادة الطبيب، الصمت يعمّ المكان وكذلك الإنارة. الطفل ممدّد على السرير، تكسرت له أربعة أصابع ، أمه تجلس على كرسيّ قبالته. الطفل يخبرنا عن علاقته بأمه التي لم تنهاه عن لعبته المفضلة النط والقفز. ان كان في المنزل أو في ساحة المدرسة، إنه على عكس أقرانه الذين ينوعون في ألعابهم ومرحهم.. يقول على لسان أمّه وهي تحذّره : “أتذكرها كانت تقول لي : احذر دائما. واعتبر نفسك تمشي على أرضية زلقة مغطاة بالماء والصابون. ثمّ تصمت قليلا لتضيف بعدها : الحياة أرضية زلقة. قد تقع في أيّ لحظة. لهذا توخي الحذر دائما..” هل السقوط على أرضية مغطاة بالماء والصابون هو دعوة للتجربة من ” خسارة معركة ” والتطهر من الأخطاء خاصة التي تثبت قلّة التجربة ؟
. يقول الطفل في نفسه. ص ( ص43)  ” كل أصدقائي مثلي تماما. إلا أنهم محظوظون أكثر مني. حيث يسهرون لوقت متأخر من الليل كما يشاؤون. فعائلاتهم متساهلة كثيرا. ويسمح لهم بالسهر واللعب بألعاب الفيديو. بينما في بيتنا يمنع عني ذلك بشدّة. لأنه كما يقولون يسبب الصرع والعنف. ولم أكن أعرف معاني هذه الحالات. إلى أن بحثتُ عنها في جوجل. ولكن هذه الألعاب بالطبع لن تشكّل فرقا معي.لأني عنيف من الأساس. وكثيرا ما كنتُ أفتعل العراك مع الجيران. وأخوض في قتال قصير مع زملائي في المدرسة. إلى أن أنهي العراك خوفا من الإنذار أو إبلاغ والديّ بذلك. فأحرم من المدرسة أو أعاقب بالفصل المؤقت. وأنا في قرارة نفسي أحب المدرسة كثيرا. لأقابل أصدقائي فيها وألعب معهم..”
نعم تنتهي هذه القصة بأصابة أربعة أصابع للطفل..لم تذكرهم الكاتبة..لنقل مثلا أنّ السبابة بقيت سليمة..وبدون تسرّع أو قفز أو نطّ أدعوكم معشر القراء الكرام لمصافحة هذه المجموعة القصصية الشيّقة ” روزيشيا للكاتبة إشراق النهدية.

إلى الأعلى