الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات من دفتر الأحوال…( 2 )

كلمات من دفتر الأحوال…( 2 )

كاظم الموسوي

” لما عدت بعد ذلك الغياب الطويل إلى الوطن، سألت عن كل صديق لم أعرف عنه في المنافي العديدة. وعرفت من استشهد في السجون، ومن رحل بأسبابه، ومن بقي غريبا في وطنه.. أما المهاجرون فعرفت عنهم ولكل منهم قصته، في كل مغترب، أو في مكان ما تحت كل نجمة في سماء الله الواسعة.. حيث لأول مرة في تاريخ العراق يصبح العراقيون لاجئين في كل أركان المعمورة، كلما تذكر اسم بلد تسمع أسماء عراقيين فيه،”

أن تزور مكتبتك الشخصية في بيتك الأول بعد غياب أكثر من ثلاثة عقود عنها وتجد أغلب ما اقتنيته من كتب فيها، وتقف عند رفوفها المرتبة حسب الموضوعات، وأن تمسح التراب عنها، أمر يكشف قسوة البعد والمنفى، وفداحة الاغتراب، ليس عن المكتبة وحدها، فهي رمز معبر عن باقي القضايا والمواضيع الأخرى، والأبرز فيها طبعا الأحبة من الأهل والأصدقاء وما تركت من معرفة ومعارف، وما بقي منهم حيا أو أحياءً. ولكن هنا تظل المكتبة عنوانا متجددا، يسجل تلك الأيام التي ابتعدت تاريخيا وظلت راسخة في الذاكرة رغم اوجاعها، والغربة وتداعياتها، وظروف السنوات التي تقاطعت بين المحنة والألم، او بين القسوة والعذاب، رغم كل ما حملت أو جنت أو وفرت… فلها بالتأكيد ما لا يمكن نكرانه أو جحده أو بخسه..
تقلب بعض الكتب وتقرأ إهداء الأصدقاء المؤلفين لها وكلمات المودة والاعتزاز، تسأل عنهم، أو تعرف مصادر بعضهم، ماذا حل بهم؟، وأين هم الآن، الأحياء خصوصا منهم؟.. وهذه وحدها قصة جديدة.. رواية درامية متكاملة.. شخوصها أسماء معروفة مكانتهم ومواقعهم مشهود لهم بها، نجوم رصعوا سماء المشهد الثقافي في العراق، وفي شتى صنوف الثقافة، ومازالوا كذلك.. أين هم الآن؟!.. أما الراحلون فتظل لهم لوعة وحزن دفين، ليس لفقدهم وحسب، وإنما خسارة لأدوارهم في مجالات إبداعهم..
لما عدت بعد ذلك الغياب الطويل إلى الوطن، سألت عن كل صديق لم أعرف عنه في المنافي العديدة. وعرفت من استشهد في السجون، ومن رحل بأسبابه، ومن بقي غريبا في وطنه.. أما المهاجرون فعرفت عنهم ولكل منهم قصته، في كل مغترب، أو في مكان ما تحت كل نجمة في سماء الله الواسعة.. حيث لأول مرة في تاريخ العراق يصبح العراقيون لاجئين في كل أركان المعمورة، كلما تذكر اسم بلد تسمع أسماء عراقيين فيه، حتى البلدان التي لم تخطر ببال أحد او في الاحلام سابقا. وأصبحت للعراقيين مقابر وشواهد تذكرهم بمن فقدوه، في أقرب المنافي وأبعدها.
أعود الى المكتبة وأقرأ في بعض كتبها، ثمة كتب مفقودة، وكانت تحتل رفوفا منها، وقبل السؤال عنها، وقف أخي ساردا القصص، كيف اضطروا إلى حرق أو إتلاف عدد من تلك الكتب لأسباب كثيرة، ولماذا نقلوها إلى الدور الثاني. كان زوار الفجر يمرون عليهم ويعبثون في ممتلكاتهم بهدف الازعاج والتخريب والإلحاح عليهم بالتهديد والإكراه والعواقب الكريهة ومختلف أنواع الضغط عليهم للوشاية بي وعني، متى آخر اتصال كان معي وهل يرسل لكم مساعدات ما، وماذا يفعل بهذا البلد او ذاك؟، وغيرها من الأسئلة الروتينية التي باتت معروفة لكل من ابتلى بهم.. وثم اجبارهم للمرور على الدائرة للتوقيع على أوراق مكتوبة لا يسمح لهم اكمال قراءتها، فقط العنوان والامضاء، وتتكرر هذه القصة كل فترة، وربما كل شهر، حسب فراغ مدير الدائرة وجلاديه، والذي هو لسخرية القدر زميل دراسي لي ويعرفني جيدا، انتماء وقناعة ويعرف العائلة جيدا ومكانة الوالد الغالي.
هكذا تُلفت بعض من تلك الكتب التي كنت امزح مع الوالد الغالي وهو يصلي في الغرفة التي كانت تلك المكتبة تغطي جدارين كاملين فيها، بأنه يصلي وأمامه هؤلاء أصحاب اللحى الكبيرة، التي تساءل عنها الشاعر نزار قباني من الشاعر شوقي بغدادي مرة وهو يزوره ويشاهد الصور معلقة في مكتبه، الا تخاف من هذه اللحى؟!. واذا كان القباني يمزح ايضا مع بغدادي فهذه الكتب ترعب اركان تلك السلطات المغتصبة لمواقعها والمراهنة على القمع والعنف والاضطهاد اساليب لبقاء السلطة بأيديهم أو لإطالة أعمارهم فيها.
لم تعد قصة الكتب رئيسية فتعويضها ليس صعبا، لاسيما الآن حيث أصبحت منشورة على الانترنت، وبسهولة يمكن تحميلها وقراءتها لمن يرغب بها. ولكن الصعب في كل ما جرى وحصل هو تعويض الأرواح التي فقدت، والأضرار النفسية والجسدية التي تكبدها اخوتي واخواتي ومن يرتبط بي عائليا او اجتماعيا. وتلك محنة السياسة والفكر في بلدنا وغيره، والأحزاب التي حكمتها، والتي فضحت تناقضاتها في كل شيء، فلا شعاراتها طبقت ولا برامجها أو وثائقها المنشورة تجسدت في أعمالها وحكمها ونظامها.. محنة لا تزال تعيد نفسها كما هو الماء في نواعير عانة او حماه او دواليب ألعاب الأطفال في الحدائق العامة. ما الذي أفقد العقل والحكمة والعبرة والدرس في هذه البلدان؟!. ولماذا تتكرر الأخطاء والخطايا دون حساب او عقاب؟!. ومتى يصبح الإنسان وحقوقه أثمن رأسمال ويصبح خليفة الله فعلا على الارض؟!!.
تذكر الكتب والمكتبات في العراق في تلك الأيام له قصصه ومروياته ايضا، فليس كل كتاب مسموحا، وليس كل مطبوع ممنوحا. ثمة كتب تصل البلاد من دور النشر العربية من بيروت او القاهرة او دمشق او دار التقدم بموسكو وغيرها وتحجز عند دائرة الرقابة، رقابة المطبوعات التابعة رسميا لوزارة الإعلام أو الثقافة حسب وجودها، وفعالياتها تمارس فيها عقلية الغستابو الالمانية/ الأوروبية أو المكارثية الأميركية.. ولكن هناك من يسرب بعضها فيودعها بصفقات مع بعض المكتبات التي تبيعها حسب معارفها واتجاهاتهم وزبائنها الدائمين. ومن بين تلك المكتبات كشك عند زاوية من ساحة التحرير، يملكه بائع الكتب المعروف/ المخضرم بناي، والذي كان يبيعنا الكتب بالدين، وينتظر رأس الشهر ليحاسبنا على حقوقه المالية. ولأننا زبائنه المعروفين عنده جيدا ومثل اصدقاء اوفياء له، فلا يبخل علينا بها. وكنا نتبادلها كما هو معروف بظروفها وحدودها واحيانا نكتب عنها ونشير لها في مقالات تنشر في بغداد، دون أن ينتبه لها من حضرها او منعها او طلب منه ذلك، باجتهاد او بغباء سياسي وثقافي، كما هو معلوم ومتداول ايضا.
نشرت مجلة ثقافية تصدر في بيروت دراسات مهمة عن أوضاع العراق السياسية، بعد الطفرة النفطية ودخول مليارات الدولارات الخزينة العراقية، وكانت من بينها دراسة ميدانية، عن أحزمة الفقر حول العاصمة بغداد، والمدن الأخرى، بالارقام والاحصائيات ولم تمنع هذه المجلة فتناولناها بسرعة قبل التوصيات والتقارير، وقبل وصول التقارير إلى المشترين ايضا، واتذكر انها تحولت إلى منشور سري يتبادلها المثقفون بحرص وانتباه، وكانت أشبه ببيان سياسي معارض يحرض على السلطات التي تجلس على كل تلك الخزائن والأموال ويعيش آلاف اذا لم يكن ملايين من السكان تحت خط الفقر المدقع. ويتحدث أركان السلطة ومثقفوها عن الاشتراكية والحرية والجماهير والقضايا العربية الأخرى. أي بؤس عربي هذا؟!!

إلى الأعلى