الخميس 18 أبريل 2019 م - ١٢ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مراحل تكوين وبناء السياسة الخارجية العمانية( 3-3)

مراحل تكوين وبناء السياسة الخارجية العمانية( 3-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” يمكن التأكيد على أن الصورة الذهنية الثالثة والتي أراد جلالته أن يوسم بها السياسة الخارجية العمانية هي سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين ورفض أي تدخل في الشأن العماني . ( حيث بني السلطان احترامه لهذا المبدأ على ضرورة احترام الدول للمواثيق العالمية والإقليمية التي تنص على ضرورة احترام سيادة الدول الأخرى وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ).”

مرحلة التوسيم ( 1974- 1980 )
الصورة الذهنية الثالثة : الرفض المطلق للتدخل والتأثير في الشأن الوطني العماني :
أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله- رفضه لأي شكل من أشكال التدخل او التأثير في الشأن الداخلي العماني , سواء كان ذلك فيما يتعلق بسياسات وتوجهات ومرئيات السلطنة الداخلية او الخارجية . وهو ما أكده بقوله : ( ان سلطنة عمان ستقف الى جانب جميع الدول التي تعتزم المحافظة على حريتها والتي تعارض تدخل أي بلد في شؤون البلد الآخر ).
وقوله كذلك في خطابه بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة لمؤتمر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجية بمسقط بتاريخ 25/نوفمبر/1976م : ( نؤكد ان سلطنة عمان ليست ضد أية دولة كانت, بصرف النظر عن النظام السياسي القائم فيها ما دام هذا النظام يتلاءم ورغبة الشعب في كل دولة, بل تؤمن بالتعايش السلمي مع كل الدول بشرط عدم تدخلها في شؤونها الداخلية ). على اعتبار ان هذا التوجه هو ثابت من ثوابت السياسة الخارجية العمانية وليس مجرد توجه مؤقت يقتصر على زمن او قضية معينة. وهو ما أكده جلالته في خطاب بناء المبادئ المؤسسة للسياسة الخارجية العمانية في العام 1972م .
لذا يمكن التأكيد على ان الصورة الذهنية الثالثة والتي أراد جلالته ان يوسم بها السياسة الخارجية العمانية هي سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين ورفض أي تدخل في الشأن العماني . ( حيث بني السلطان احترامه لهذا المبدأ على ضرورة احترام الدول للمواثيق العالمية والإقليمية التي تنص على ضرورة احترام سيادة الدول الأخرى وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ).
الصورة الذهنية الرابعة: السير على طريق عدم الانحياز :
الصورة الذهنية الرابعة والتي أراد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أن يرسمها ويوسم بها السياسة الخارجية العمانية هي سياسة عدم الانحياز ولكن هذا الخيار ليس بالمطلق او ان تصبح السلطنة دولة سلبية منعزلة حيال القضايا الإقليمية والدولية. بمعنى آخر : أنها لا تعبر عن رأيها بكل مصداقية وشفافية تجاه تلك المتغيرات والتحولات العابرة للحدود الوطنية , حتى وان كان ذلك سيتعارض مع مصالح الاخرين . او ان تقوم بدور ايجابي من وجهة نظرها , حتى وان كان ذلك كذلك تم النظر اليه من وجهة نظر الاطراف الاخرى بانه تحيز او محاباة لطرف على حساب اخر .
وهو ما أكد عليه جلالته حفظه الله صراحة بقوله : ( عمان حضرت مؤتمر عدم الانحياز وساهمت فيه , وعمان تحبذ الحياد …… ولكن اعيد كلمة قلتها قبل قليل . بان لكل واحد اصدقاء ).. وبالتالي فان المصالح السياسية العليا للبلد كما هو حال جميع الدول الموجه الرئيس للسياسة الخارجية العمانية.
على ضوء ذلك الوعي بالمتغيرات الجيوسياسية وسرعة التقلبات السياسية وحتمية حساب ومراعاة المصالح الاستراتيجية نجد ان خيار عدم الانحياز او الحياد المطلق هو مجرد نظرية او فكرة سياسية واهمة وحالمة بعيدة كل البعد على الواقع السياسي . حيث ان الحقيقة التي اثبتها التاريخ والواقع. انه لا يوجد حياد بالمفهوم المطلق , فحتى في ظل هذا الخيار تكون الدولة التي اختارته في قمة انحيازها لطرف على حساب اخر , بل ان من الافضل ان نقول ان سلطنة عمان اختارت ما يطلق عليه بالحياد الإيجابي. وهو ما أخذ به الفكر السياسي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه.
وقد انتهجت سلطنة عمان هذه السياسة منذ بواكير النهضة المباركة وأكد على الالتزام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم في توجهات ومرئيات السياسة الخارجية العمانية بهدف تحقيق هدفين أساسيين. هما ( الأول تأكيد استقلاليتها في اختياراتها ومنهجها في السيطرة على شؤونها ومواردها وعلاقاتها مع دول العالم …… والهدف الثاني وراء التزام سلطنة عمان بمبدأ الحياد هو الرغبة في تأكيدها لمواقفها في مواجهة الصعاب والتحديات التي لم يكن اقلها الأعمال التخريبية في جنوبها, الأمر الذي سيسمح لسلطنة عمان بتوسيع دورها خاصة على المستوى الإقليمي , كما أن الحياد سيعطي للمؤسسة السلطانية مركزا دوليا يؤهلها لفرض نفسها كقوة سياسية وحيدة).
الصورة الذهنية الخامسة: تبني فكرة الانفتاح السياسي على العالم الخارجي .
يقصد بذلك العمل على بناء علاقة من التبادل والتداخل والتقارب والاتصال بين الداخل الوطني العماني والخارج الإقليمي والدولي , وفي مختلف الجوانب. خصوصا الجانب السياسي منها . وفي إطار منهجي سليم ومدروس يحكم ذلك التوجه والهدف وتلك العلاقة العابرة للحدود الوطنية . وهي من أهم التوجهات السياسية التي عمل على بنائها وتوسيمها حضرة صاحب الجلالة – حفظه الله – للسياسة الخارجية العمانية منذ بداية بواكير النهضة المباركة بهدف فك أطواق العزلة السياسية والبعد عن سياسة الانغلاق والتقوقع كما سبق واشرنا.
وكان هذا الهدف هو واحد من أهم وابرز أهداف بناء أسس وركائز السياسة الخارجية العمانية بوجه خاص وواحدة من تلك الصور الذهنية التي أراد جلالته ان تتسم وتوسم بها . وفي هذا السياق يقول جلالته : ( إن سياسة الانغلاق لم تعد تلائم العصر وأصبحت المصالح متشابكة وازدادت الحاجة الى العلاقات الطيبة والانفتاح على العالم).. وقد ( اعتمد السلطان قابوس بن سعيد في تأكيده لسياسة الانفتاح والتعاون انطلاقا من الحفاظ على هوية سلطنة عمان العربية والإسلامية ).

إلى الأعلى