الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب: الملائكيون

رحاب: الملائكيون

أعرف صديقا حميما جدا يمارس التجارة الدولية، يغتنم الفرص، يبرم الصفقات، يتنقل بين البلدان، يتمتع بأخلاق عالية يدفع بالتي هي أحسن في جميع المواقف ومع جميع الجنسيات والثقافات، لا يناضل لكي يكون منتصرا، لا يتذكر الإساءة مطلقا، يتعامل مع خصومه بعفوية الأطفال، لا يحمل ضغينة، ولا يبقي على ذكريات سلبية كان متفوقا في دراسته أخبرني معلم رياضيات مصري يدعى محمد عبدالمقصود أنه كان يدرس مادة الرياضيات للصف الثالث الثانوي العلمي وكان سعيد طالبا في ذلك الصف وحدث أن أخطأ المعلم في مسألة من المسائل ولم ينتبه لذلك أي من الطلاب سواه، فقد اكتشف الخطأ الذي لم يكتشفه بقية الطلاب، فغض الطرف عن هفوة أستاذه ، وبعد انتهاء وقت الحصة، تبعه إلى غرفة المعلمين، ثم همس متسائلا بكل أدب : أستاذ ما رأيك بهذا الحل للمسألة التي عرضتها في الحصة ؛ هل هو صحيح ؟ فنظر المعلم في خطوات حل المسألة والنتيجة الصحيحة التي توصل إليها سعيد، ثم قال: عملك صحيح والطريقة التي عرضتها عليكم خطأ وفورا رجع المعلم إلى الصف وكتب الحل الصحيح على السبورة بنفس الخطوات التي اتبعها سعيد وبعد أن تأكد أن الطلاب استوعبوا أخبرهم بأن تلك الخطوات ليست من عنده وإنما أخبره بها زميلهم سعيد تخرج سعيد من الجامعة، وتفوق جدا في مساره المهني، لكنه تعرض في بواكير حياته إلى ظروف جعلته يترك الوظيفة مبكرا ويقبل على التجارة التي أقبلت عليه، لكنها لم تغير أخلاقه مطلقا يقود أفضل السيارات ويلبس أفضل اللباس ويجالس أعلى الطبقات ويأنس بالجلوس مع أفقر الناس ومن أي جنسية، ينفق كثيرا جدا، ويقابل في حياته مطبات يعتبرها البعض كوارث لكنه يعتبرها تنبيهات ودروسا عليه أن يستفيد منها. يحدث أحيانا أن يستدرجه بعض ممن يثق فيهم من شركائه أو موظفيه أو معارفه إلى صفقات وهمية تكبده خسائر باهظة، لكنه يتجاوز تلك الخسائر ويقفز عليها ويمسحها من تركيزه ويقتلعها من تفكيره، ويتابع صعوده بدون عناء أو تكلف عندما أتأمل في شخصية سعيد وأنماط الشخصية الشبيهة بشخصيته لأشخاص يقعون أحيانا في حبائل النصابين والمحتالين ويتجاوزونها، ثم يخرجون منها منتصرين؛ أتساءل : ما السر الذي يجعل هؤلاء ينتصرون على الواقع ويتجاوزون الغش والخداع بدون تدافع أو مناكفات؟ لا يبذل هؤلاء الملائكيون جهدا ولا يلتمسون تفسيرا لتلك المواقف لأنهم لا يحملونها في عقولهم، فهم يعيشون حياتهم باستمرار في مستوى وعي روحي راق جدا، وعي روحي يجعلهم يعرضون عن الجاهلين، وإذا ظلمهم الناس يسامحونهم، وإذا خدعوهم يتجاوزونهم ، وإذا فقدوا الكثير من المال لا يحزنون لأنهم يؤمنون بأن المال مال الله وأنه يأتي ويذهب ولو كان يبقى لما وصل إليهم أصلا ويعتبرهم الآخرون سذجا، وهم لا ينشغلون بتصنيف الناس لهم، لأن طاقتهم الروحية محفوظة ومتجددة الصلة بالله سبحانه وتعالى.

إن المستوى العقلي مكتسب بالتربية والتنشئة الاجتماعية على المنطق وأسلوب التفكير بالسبب والنتيجة، بينما يتحقق النضج الروحي لأشخاص يصطفيهم الله وهم لا يشعرون للحفاظ على القيم والأخلاق والمثل العليا، ومن خلال الحياة معهم نلمس فيهم أخلاق الأنبياء والأولياء والصديقين من عباده يعيش هؤلاء الملائكيون بيننا، لكنهم ليسوا معنا، لا يقيسون المواقف والأمور والمسائل وأمور الحياة بمساطر من يحسبهم الناس أذكياء.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى