الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

هل جزاء الإحسان إلا الإحسان

علي عقلة عرسان

أرى الإحسان والصَّدقة صنوان، وليسا بصنوين، لما بينهما من فروق طفيفة، في المباني والمعاني والمقاصد. ولا أرى رأي من يذهب في فهم هذا القول: “اتّقِ شرَّ من أحسَنتَ إليه”، على أنه نوع من الدعوة إلى الامتناع عن الإحسان، وقاية مما قد يُلحقُهُ المُحْسَن إليه، بالمٌحسِن من أذى، نتيجة لخبث نفس، أو رد فعل على أذى، قد يلحقُه المٌحسِن بالمُحْسَن إليه، حين يٌتبع ذلك بِمَنٍّ وأذى.. لأن المضمون، والغاية، والدِّلالة، في القول المُشار إليه..

كل عام وأنتم بخير..
غدا يقف ملايين من المسلمين في عَرَفَة، “والحجُّ عَرَفَة”، كما قال الرسول محمد، صلى الله عليه وسلَّم.. واليوم يتطلع المسلمون إلى الحجيج، من أنحاء الأرض، وقلوبهم تطلب رحمة ومغفرة وهداية من الله تعالى، للجميع. ونحن اليوم، نعيش كلنا هذا الوقت العظيم، الغني بكل المعاني والأبعاد والدلالات.. فكل لحظة عامرة بالدعاء والرجاء، وغامرة بفرح العباد وهم يلبون دعوة خالقهم لطلب المغفرة، وتقبُّل الطاعة. وبعد غد يكون عيدنا الكبير، عيد الأضحى المبارك، عيد المسلمين كافة.. فهل نتذكر أن من حق كل نفس أن يكون لها فرح ونصيب من عيد، وأن من حقها أن تنتظر مغفرة من الله، وإحسانًا منه يسخِّر لها عبادًا من عباده؟! في بقاع وطننا العربي الكبير، وفي بلدان المسلمين، مَن يتطلع إلى الأمن، وإلى ظل وطنه وبيته، ليكون له تفكير بالفرح، وهذا شأن سوريين، وعراقيين، ويمنيين، وليبيين، من بين العرب، على وجه التخصيص.. ومنهم من تقسو عليه الطبيعة، لدرجة لا يبقى له، ولا من حوله، ما يقيم أوده، وما يسدّ رمقه، فالجفاف الممتد لسنوات جعل صوماليين، وأريتريين، وموريتانيين، وسودانيين، ومن في حكمهم، ممن لا يجدون الماء ولا الظل، وتموت أنعامهم عطشًا وجوعًا.. ومن من يستهدفهم القَتلة، ويصبحون وقودًا للحقد الطائفي، والفتنة العمياء، كما في حال الروهينجا، ومن تأكلهم نار الفتنة الدينية، والمذهبية، والعرقية في بلاد منها بلادنا.. ويعيشون سنوات من التهديد، والتشرد، والمُعاناة التي ليس عليها من مزيد. كل أولئك، وسواهم مما لا يعلم أوضاعهم إلا الله سبحانه، يحتاجون إلى نظرة فيها العدل والتقوى والرحمة، ليعيشوا بأمن من جوع وخوف، ومن ثم ليكون لهم أمل في عيد، هو من حق الإنسان، عندما يحين يوم عيده، وأينما كان.
وربما لهذا وسواه، من أمور تستدعي الإنسان لأخيه الإنسان، ومشاركة المسلم، لأخيه المسلم، بمناسبة كبرى، كموسم الحج، والعيد الكبير، عيد الأضحى المبارك.. يجب أن تكون صَدَقة، ويكون بذل، ويكون إحسان.. وحيثما بحثت، وتقصيت، وقرأت، وتقرَّيت، بكفيك أو بعينيك، وبحواسك الأخرى، تجد من هدي الله سبحانه، ونعمته، ما يطلب إليك ذلك، ويدفعك إليه، ويعدك بخير الجزاء عنه، ويذكِّرك بأنه من صالح الأعمال، ومن ذلك قوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّـهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٧٧﴾ – سورة القَصَص. ومن خير ما نعمل، ونحن في موسم الرحمة، وعلى أبواب العيد، أن نتذكر أولئك الذين يحتاجون إلى ما يعيهنم على ما هم فيه، مما يعرف ويذكر ويوصف، ومما لا تفيه العبارات حقًّا، ولا يعلمه إلا الله.. والحج موسم ربَّاني، واعد بالرحمة، وفيه تغنى النفس بالعطاء، ويغنى الفرد بالجماعة، وفيه فضل لمن أراد الفضل والإحسان، وابتغاء وجه الله في العطاء والدعاء.. ومن مظاهره، مظهر بهاء لا يُضاهى، هو عون الإنسان لأخيه.
وأود بهذه المناسبة، وقبل أن أدلُفَ إلى مقاربة فهمٍ مغلوطٍ، في مجال الإحسان، ينطوي على سلبية، أو يقود إليها، وهو القول الشائع: “اتقِ شرَّ من أحسنتَ إليه”.. أود قبل ذلك، أن أسأل الله تعالى، أن يتقبل من حجاج بيت الله الحرام، طاعتهم، ويغفر لهم، ويرحمهم، ويهديهم إلى ما فيه خيرهم، وخير غيرهم من الناس. وأبارك لهم حجَّهم، وأهنئَهُم، وكل المسلمين، بعيد الأضحى المبارك.
وبعد، فـ”اتقِ شرَّ من أحسنتَ إليه”، يقتنع به كثير من الناس، ويأخذونه بتصديق، ويعززون فهمهم له، ومواقفهم تلك، منه وفيه، بحوادث وقعت. وهذا القول أولًا، ليس حديثًا للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يُقال، وإنما هو مما يدخل في باب المثل، أو القول السائر، أو الحكمة التي اكتسبت انتشارًا ورسوخًا لدى أناس. وأردت من توقفي عنده اليوم، أن أدفع إلى الإحسان بالحُسنى، وأُن أسحب ذرائع قد يتخذها البعض منا، موانع تسوِّغ التقتير والتقصير، وما في هذا الباب من فعل قد يستحلب الشر ويمنع البعض من فعل الخير.. ونحن بأمس الحاجة إلى الإحسان، لا سيما في هذا الأوان، نظرًا لما له بحد ذاته من فضل، ولكثرة من يحتاج إلى المساعدة والعون، والإحسان بإحسان، في هذه الأوقات العصيبة التي يعاني فيها ملايين العرب والمسلمين، من جراء الحروب والفتن والمجاعات والأوبئة، وأشكال العدوان والامتهان. لا سيما في بلدان تمر بأسوأ الظروف، منذ سنوات، مما أشرت إشارة عابرة إليه.
وأتوقف عنده في يوم عرفة، وعند بوابة العيد، ليكون فيهما، وفيما بعدهما من أيام، إحسان بكرم يتماشى مع فضل الإحسان والمحسنين، ومع شدة حاجة المُحتاجين، إلى مساعدة القادرين.
أرى الإحسان والصَّدقة صنوان، وليسا بصنوين، لما بينهما من فروق طفيفة، في المباني والمعاني والمقاصد. ولا أرى رأي من يذهب في فهم هذا القول: “اتّقِ شرَّ من أحسَنتَ إليه”، على أنه نوع من الدعوة إلى الامتناع عن الإحسان، وقاية مما قد يُلحقُهُ المُحْسَن إليه، بالمٌحسِن من أذى، نتيجة لخبث نفس، أو رد فعل على أذى، قد يلحقُه المٌحسِن بالمُحْسَن إليه، حين يٌتبع ذلك بِمَنٍّ وأذى.. لأن المضمون، والغاية، والدِّلالة، في القول المُشار إليه.. كل ذلك ينصرف إلى تحذير ضمني “داخلي” بين المرء وذاته، ولا ينصرف إلى حديث يشيعه المُحسن بين الناس، يشي بما فعل من معروف، وقد يصل إلى درجة التشهير، من بعض وجهات النظر، فيكون أن تذهب الحسَنة من جهة، لأنه تبعها مَنٌّ وأذى، وبذلك لا يبطل مفعول الإحسان فقط، بل قد ينقلب إلى الضد.. ومن جهة أخرى، غالبًا ما يثير هذا الفعل حفيظة المُستَهدَف به، فيكون من ذلك إيذاء له، معلن أو مستتر، يستنفره ويستفزُّه.. وفي أيٍّ من ذينك شر.
وما أراه أن التحذير “اتقِ…”، ينصرف إلى بعض التكوين البشري، وإلى معطيات تشكل بواعث ودوافع، وذاك يكمن في نفوس كثيرين من البشر.. حيث يجد، من هم من هذه الصِّبغَة والتربية، أن مَن ساعدَهم، وقدَّم لهم، وأحسن إليهم.. شخص يفوقُهم، ويده فوق أيديهم، وقد يضمِر تعاليًا عليهم، وقد يُمنِّنهم بفعلِه الذي قام به حيالَهم.. فينفرون من ذلك، ويقومون بفعل استباقي للرد عليه، مفترِضين حدوث ما خَمَّنوه، عاجلًا أم آجلًا.. ولذا يبادرون إلى إيذاء المُحسن إليهم، والنيل منه، سواء أكان ممن يمنُّون على الناس، أو ممن يفهمون الإحسان ويقومون به، إيمانًا وتقوى وفهمًا لمعاني الإحسان ومراميه ومبانيه.
ولمَّا كانت النفس “أمَّارة بالسوء”، في الكثير من الحالات والأحيان والأشخاص، فإن النفوس المثقَلَة بإحسان غيرها إليها، تجد أنها مدعوَّة للتخفف مما يَثقُل عليها، ويجعلها في مرتبة أدنى من المُحسِن، وما يشعرها بأن يدها كيده، وليست يده هي العليا، ولا تريد أن تكون هي الدنيا، أو أن توصف بأنها كذلك، أنَفة وكبرًا، فتنقُم، وتضرب بنقمة.. وقد قال تعالى في إشارة إلى هذا النوع من الناس: ﴿يَحلِفونَ بِاللَّـهِ ما قالوا وَلَقَد قالوا كَلِمَةَ الكُفرِ وَكَفَروا بَعدَ إِسلامِهِم وَهَمّوا بِما لَم يَنالوا وَما نَقَموا إِلّا أَن أَغناهُمُ اللَّـهُ وَرَسولُهُ مِن فَضلِهِ فَإِن يَتوبوا يَكُ خَيرًا لَهُم وَإِن يَتَوَلَّوا يُعَذِّبهُمُ اللَّـهُ عَذابًا أَليمًا فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ وَما لَهُم فِي الأَرضِ مِن وَلِيٍّ وَلا نَصيرٍ ﴿٧٤﴾ – سورة التوبة.
وعلى غير هذا تمامًا، يكون تصرُّف المجبولين على التواضع، والعرفان بالجميل، والمتقين لله حق تقاته، والعارفين أفضال الناس، ويشكرونهم، على ما يفعلون.. إذ ينحون منحى مختلفًا تمامًا، يناقض الاتجاه السلبي الذي أشرنا إلى أنه يسكن نفوس كثرة كاثرة من البشر.
من هنا، ومن أمثال الفريق الأول، من البشر المُحْسَن إليهم، جاء تحذير المحسنين الواعين، بالقول “اتق شرَّ من أحسنت إليه”، ليكون في ذاكرتهم، وفي وعيهم وإدراكهم، أمران:
- الأمر الأول يتصل بما قد تقوم به الأنفس الضعيفة، المجبولة على شيء من الشر، وعلى الإنكار والغطرسة والاستكبار وحتى الافتراء، والإساءة إلى من يحسنون إليها. ليكونوا على بيِّنة من تصرف الأشخاص الذين من هذا النوع، ومن سلوكهم. فيحسنوا التَّدَبُّر والتصرّف، اتقاء لأي فعل استباقي من هذا النوع، تقوم به تلك الأنفس المعطوبة، تجاه من يحسنون إليها. وقد نصح أبو عمرو بن العلاء التميمي البصري، بعض أصحابه، بالقول: “.. كن من الكريم على حذر إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العاقل إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا رحمته، ومن الفاجر إذا عاشرته، وليس من الأدب أن تجيب من لا يسألك، أو تسأل من لا يجيبك، أو تحدث من لا ينصت لك”.
- أمَّا الأمر الثاني، فينطوي على تنبيه للمحسِن، الذي قد يُلحِق إحسانه بمَنٍّ وأذى، ويتكلم عمَّا فعل، ذاكرًا من أحسَن إليهم، أو مُدِلًّا بفعلِه عليهم… تنبيهًا له، وتحذيرًا، من ردّ فعلهم، الذي لا بدّ من أن ينطوي على الإساءة إليه. فيحذر، ويتحاشى الكلام، وكل ما قد يُفهَم منه، على أنه استفزاز، أو مما ينطوي على استفزاز، حتى النظرة إن كانت مستثيرَة.. هذا، إذا كان ممن يَمُنون على الناس بإحسانهم. وتحذيره من الأذى الذي قد يلحَق به، من جراء ذلك.
وأرى أن الإحسان المقصود، بهذين “التحذير والتنبيه”، ليس الصَّدقَة بالدرجة الأولى، وإنماء تقديم العون والمساعدة وتلبية الحاجة، وكل ما يتصل بطلب شخص لمثل هذه الأمور، وسعيه للحصول عليها، أو لتسهيل الحصول عليها، حيث يقصدون أشخاصًا لهذه الغاية، ويطلبون منهم، فيستجيبون لطلبهم. فتلك هي الحالة الأقرب، معنى ومبنى ومرمى، للقول المُشار إليه، من الصَّدقة وفعل الخير الذي يقوم به مُحسِنٌ تجاه من يعرض نفسه محتاجًا، أو من يقدِّم إليه صدقة من دون أن يطلبها، لكنه يضع نفسه في موضع المحتاج إليها، والمستحق لها. وفي حالات كثيرة من هذا النوع، قد لا يَعرف المُحْسَن إليه، الشخصَ المُحسِن، إذ قد يمرّ به مرورًا عابرًا.. هذا عدا أولئك المُتَعفِّفين، الذين بهم حاجة، ولديهم حياء يفوق الحاجة، وعرفان بقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴿٦٠﴾ – سورة الرحمن.
إنَّا مندوبون إلى الإحسان، ذاك الذي لا يفعله، بتقوى، إلا الإنسان المؤمن، بأنه يعطي مما أعطاه الله، وأنه لا يبتغي في عطائه سوى وجه الله ورضاه.. وهو بالمقابل إحسان لا يحتمله بمعناه ومرماه، إلّا إنسان، يعمل بقوله سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
ويطيب لي، في هذا المجال، أن أختم بقول الشاعر
أبي الفَتْح البُسْتي، علي بن محمد بن الحسين، العربي، “العبشمي”، المُتوفَّى عام 400هـ/ 1010م، في قصيدته التي مطلعها:
زيادة المرء في دنياه نقصان
وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له
فإن معناه في التحقيق فقدان
حيث قال:
أحسن إلى النَّاس تستعبد قلوبَهم
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وكن على الدهر معوانًا لذي أملٍ
يرجو نداكَ، فإنَّ الحرَّ معوانُ
وإنْ أساءَ مُسيءٌ فلْيَكنْ لكَ في
عُروضِ زَلَّتِهِ صَفْحٌ وغُفرانُ

إلى الأعلى