الإثنين 19 نوفمبر 2018 م - ١١ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: عناوين التضحية

باختصار: عناوين التضحية

زهير ماجد

ينطبق اسم هذا العيد على الواقع العربي برمته، فعل التضحية ملازم ليومياته، هنالك دموع حتى لدى الأجنة التي لم تولد بعد .. مشروع الحزن العربي قائم منذ السنوات الأخيرة لكنه مبتل بما هو أكثر حزنا حين يتذكر فلسطين التي تحضر دائما وكأن مأساتها حصلت البارحة وكل يوم.
يسرق الصغار قليلا من البسمات أمام أهل إعجز من أن يبتسموا . لا يستطيع الأطفال تفسير السبب الذي نزحوا من أجله أو مات أهلهم أو تشردوا، هم يركبون أية موجة تحملهم إلى بر الأمان .. الخطر يشعر به الصغير والكبير، الصغير يشاطر الكبير أفعاله لأنه أعجز من أن يفهم الواقع برمته.
البارحة، وفي يوم العيد، تعدد المشهد العربي، ففي حين فرح الأطفال في أماكن هادئة، كانت عصية على الفرح في أماكن أخرى .. مرة قال لي فلسطيني وأنا أعايده بأن “عيدنا يوم عودتنا” طأطأت رأسي وقبلت لأني أعرف أن ما من عيد يمر على الفلسطيني إلا وتحضر بلاده أمام عينيه، وحتى تلك الأجيال التي لم ترها، فمن باب التخيل والامتزاج بروحها الدفينة فيها تكاد تراها على حقيقتها.
الكبار هم خزان الحزن الأبدي .. رغم أن الصغار سيصبحون كبارا وسينضمون إلى حزن أهاليهم، كل شيء بالوراثة كما نعرف. لا شك أن الكبار لا يعرفون بماذا يجيبون أطفالهم عن مواعيد السلام والعودة إلى الديار، لكن الواضح أن هؤلاء الصغار عندما يرسمون، فإما أن الرسمة علم بلادهم، أو أي نوع من السلاح. تدخل ثقافة الواقع حياة الجميع، فيفسرها كل حسب خبرته وثقافته.
منذ سنين لم يبتسم العراقي مثلا والذي صلبوه صغيرا، وها هو كبر، لكن ظل الصلب ظل مسامير في يديه. وها هو الطفل السوري يحن إلى نظام حياة كان في ماضيه الصغير، يقولون له عن المستقبل، يحدثونه عن الآتي، يريد أن يصدق لكن انفجار قنبلة ولو من بعيد يأخذه إلى تفكير عميق بأن كلامهم هباء. إيانا أن نكذب عليهم، مناخ الصدق يجب أن يسود، كلام الحقيقة يجب أن يعيش في الوجدان، مثلما يكون فعل تربية الصغار يكبرون عليه، فهي هندسة شخصياتهم التي ستدخل مثل كل الشباب في معنى مرحلتها لتشكل جزءا من أعمدة المستقبل.
نحن إذن نضحي في عيد التضحية، جيوشنا تنظف أسلحتها فما زالت معاركها متعددة، رسامونا في أيديهم فراشي هي أسلحتهم أيضا، كل فرد له موقعه في التضحية، أنبلهم ذلك الجندي والمقاتل لأنه يحمل روحه على راحته كما يقول الشاعر إبراهيم طوقان. ولربما أيضا هنالك الأميز وهو العامل الذي تتراكم جهوده من أجل أن تمر العواصف، هو البناء الذي لولاه لجعنا وعطشنا.
ما أجمل في يوم كهذا اليوم أن يمتزج الوطن بالذات كما هو قول في مقطع رائع للشاعر العراقي بدر شاكر السياب بقوله “أحببت فيك عراق روحي أو حببتك أنت فيه”، أو بما أشمل وأوسع كقول شاعر العروبة سليمان العيسى الذي ينطبق علينا اليوم “الآن أبتدئ النزال بأمتي .. وتشع دنيا كالضحى عرباء”.
نحن إذن نمارس فعل التضحية منذ زمن، وكلما انتصرنا فيه كان هو عيدنا، فكم مرت انتصارات وكم أثمرت دماء ودموع، وكم ارتسمت بسمة حقيقة على شفة طفل حين عرف سرا من أبيه.

إلى الأعلى