الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في البطالة السياسية

في البطالة السياسية

عادل سعد

تماثل البطالة السياسية في التوصيف العام البطالة المقنعة التي هي في الحقيقة حلقات وظيفية زائدة قائمة على الهدر وتجميد الإمكانات في غير مواقعها المطلوبة، وهي غير البطالة التقليدية بالصورة الشائعة، أي العطالة وفقدان فرص العمل التي لا أعتقد أن العالم سيخلو منها في يوم من الأيام وإن كان الحال بنسب متباينة من بلد إلى آخر.
وإذا كانت البطالة المقنعة بالنسخة الإدارية والاقتصادية تمثل ضياعًا واضحًا للترشيد وتفريطًا بالاختصاص الدقيق فإنها بذات الوقت مصدر استنزاف للإنفاق الحكومي والأهلي، ويمكن القول هنا إن البطالة السياسية تضاهيها في الهدر وإن اختلف المضمون بين الجانبين.
إن البطالة السياسية هي واحدة من مولدات الفوضى وفساد الأصول، ومحاولات الدخول على الحدث، أي حدث بدون مبرر إلا من أجل إشعار المتلقي أن هذا السياسي أو ذاك هو في الميدان، وأن له الحق أن يملي آراءه في أية قضية من القضايا بغض النظر عن الناتج الكارثي لمثل تلك المواقف خاصة إذا ارتبطت بمصير سيادي وطني، وفي كل ذلك أن البطالة السياسية هي واحدة من الظواهر التي تؤشر إلى كثرة المتلاعبين بالمواقف الوطنية على الرغم أن هذه المواقف تقتضي الحكمة والتبصر والشعور بالمسؤولية في عدم تناول مواضيع ينبغي أن لا يتناولها سوى ناطقين رسميين على معرفة بما يجري، وعمومًا إن ظاهرة البطالة السياسية تحصل عندما يتزاحم العديد من الطارئين على الوظيفة السياسية في محاولة لإثبات الذات ليس إلا على حساب مواقف وأحوال كان يجب أن يكون هناك حرص على عدم خوضها بصيغ مفتوحة خالية من ضمانات الحذر.
ولعل من المناسب أن نشير إلى أن بعض البلدان العربية التي ابتليت بالبطالة المقنعة نتيجة التوظيف بضغط المحسوبية وتكوين الحاشيات في هذا المرفق الحكومي أو ذاك فإنها أيضًا تعاني البطالة السياسية التي بدأت تشهد ارتفاعًا في معدلاتها خلال السنوات الأخيرة لأسباب تتعلق بتسارع الأحداث والتدخلات الأجنبية، وكذلك توظيف عناوين طائفية وعرقية ومناطقية على حساب وحدة الموقف السياسي الوطني المطلوب، ونستطيع أن نتبين واجهات للبطالة السياسية في بعض البرلمانات العربية أو بالنسبة لعدد المستشارين لهذا الوزير أو ذاك، وكذلك لعدد المستشارين في مراكز سياسية معينة، فضلًا عن ما تعتمده بعض الكتل السياسية في استخدام نخب من المثقفين مروجين باسمها.
ولا شك أيضا أن أصحاب البطالة السياسية يميلون إلى التجريب واستبدال الوسائل إذا شعروا بأي انكماش لوجودهم، وهم بالخلاصة لا يملّون من الضجيج أسوة بما يفعله الطائر (صافر) الذي ضرب العرب مثلًا به لأنه لا ينقطع عن الصفير الدائم لكي لا يؤخذ غيلة، فقد قالوا (أجبن من صافر).
لقد فاقت البطالة السياسية بالنسخة العراقية الكثير من رديفاتها في الدول الأخرى خاصة مع تسارع الأحداث منذ عام 2003، وقد تأكد بما لا يقبل الشك أن أغلب وسائل الإعلام التي نشأت في العراق منذ ذلك العام وحتى الآن، من فضائيات وصحف وإذاعات ومواقع إخبارية إلكترونية قد تم استحداثها بتمويل البطالة السياسية، الأمر الذي جعل الخصومات بينها على قدم وساق.
ولعل من ظواهر البطالة السياسية أيضًا، التنافس غير الشفاف بين الكتل السياسية في محاولات تسجيل المواقف، خاصة إذا ارتبطت هذه المواقف بالحصول على مغانم معينة.
ويحضرني هنا أن نشير إلى ظواهر البطالة السياسية في ما نراه من مساعٍ يومية تتصدر المشهد العام على حساب المنطق والحاجة الوطنية ووحدة المجتمع، وبذلك تحولت إلى عنصر تخريب للأمل والتضامن والتواصل لأن أصحابها لا يجيدون حالهم إلا بمهاجمة الآخرين وادعاء العصمة والحرص على نظافة اليد.
إننا أمام (بطالة) لا يمكن انتزاعها من البلاد إلا بإعادة هيكلة الضمير الاجتماعي على أساس إنقاذ العراق، وتلك معضلة تستدعي تدوير القناعات الأخلاقية فحسب لصالح الصدق العدالة والتضامن.

إلى الأعلى