الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل تُدَبِّر إسرائيل “انفصالًا” ثانيًا؟!

هل تُدَبِّر إسرائيل “انفصالًا” ثانيًا؟!

جواد البشيتي

لا شيء يمنع إسرائيل الآن من أنْ تَضْرِب ضربتها التاريخية الكبرى؛ فما كان يسمَّى، حتى الأمس القريب، “العالَم العربي” أصبح أثرًا بعد عَيْن؛ وحدود دوله (أو دويلاته وإماراته) الجديدة هي حدودٌ من دَمٍ تسفحه كل عصبية مذهبية وطائفية، ومن نفطٍ وغازٍ ومنعةٍ إسرائيلية أيضًا؛ والاقتتال العربي هو الآن، ولجهة دوافعه، يَخْتَزِن طاقة تدميرية هائلة، ويمكن أنْ يستمر زمنًا طويلًا، ويَهْزِم الوجود القومي العربي من الداخل هزيمة لا يقوى على إنزالها به ألف جيش وجيش من جنس “جيش الدفاع الإسرائيلي”. حتى ما يسمَّى “العالَم الإسلامي” شرع يسير في مسارٍ، هو نفسه، تقريبًا، المسار الذي يسير فيه العالَم العربي؛ وإنَّه لَوَهْمٌ قاتِلٌ (لأَسْراه) أنْ يُظَنَّ أنَّ “فلسطين” ما زالت قضية العرب الأولى، وشغلهم الشاغل؛ فكيف لها أنْ تكون كذلك والعرب أنفسهم، وبالمعنى القومي (لا اللغوي والديمغرافي والجغرافي) لوجودهم، ما عاد لهم وجود؟!
لقد اقتنص نتنياهو “الفرصة”، التي حلمت بها دولة إسرائيل زمنًا طويلًا، والتي (أيْ دولة إسرائيل) تشبهه الآن كثيرًا، فكرًا ونهجًا وسياسةً؛ وكانت هذه الفرصة مزيجًا من “الفشل” و”النجاح”: فشل كيري (وهو فشلٌ مريب) في التَّقْريب بين إسرائيل والفلسطينيين بما يسمح بالتوصُّل إلى حلول تفاوضية، ونجاح “الطَّرفين الفلسطينيين المتنازعين (في القطاع والضفة)” في إتمام المصالحة بينهما؛ ومُذْ تصالحا واتَّفَقا ونتنياهو يُبْدي حِرْصًا على تصوير “المصالحة” على أنَّها النهاية، أو بداية النهاية، لجهود ومساعي السلام مع الفلسطينيين، ومع السلطة الفلسطينية برئاسة عباس على وجه الخصوص. نتنياهو استجمع “الأسباب” للضربة الإسرائيلية التاريخية الكبرى؛ لكنَّه ظلَّ مُنْتَظِرًا “الذريعة”؛ ولقد ًأتته إذْ أُعْلِنَ اختطاف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية؛ وسرعان ما بدأ “التَّسْخين” الإسرائيلي.
“الإقليم” كله هو الآن في حروب “معابِر” و”حدود” و”انفصال”؛ و”الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة)” هي جزءٌ من هذا الكلِّ؛ ولا بدَّ لهذا الجزء من أنْ يصيبه ما يصيب الكل؛ وهكذا أغلقت إسرائيل كل المعابر مع قطاع غزة؛ ولم يبقَ إلاَّ “معبر رفح” الذي تَنْظُر إليه القاهرة الآن على أنَّه مَعْبَرٌ إلى الإضرار بالأمن القومي المصري من قطاع غزة إلى مصر؛ أمَّا “العقاب” الإسرائيلي لعباس والسلطة الفلسطينية فيمكن أنْ يبلغ حده الأقصى بإعلان إسرائيل “انفصالها” عن الفلسطينيين في الضفة الغربية، أيْ أراضي الضفة التي لا مصلحة للإسرائيليين في احتفاظهم بسيطرة دائمة عليها، مُضطرين هذه الأراضي وسكَّانها (الفلسطينيين) إلى التأسيس لصلات دائمة ونهائية مع الأردن، الذي هو الآن محاصَرٌ، وأكثر من ذي قبل، بضغوط “الجغرافيا السياسية”؛ فحدود المملكة مع سوريا مغلقة، وحدودها مع العراق توشك أنْ تُغْلَق؛ فهذه المحافظة العراقية المحاذية للأردن قد تغدو، عمَّا قريب، مسرحًا للحرب التي بدأت من محافظة نينوى العراقية الشمالية. ورُبَّما تَقَع اضطرابات وقلاقل في مناطق أردنية جنوبية (معان على وجه الخصوص) فتتعطَّل طريق التجارة بين ميناء العقبة الأردني وسائر المملكة، التي قد تجد نفسها مضطرة، عندئذٍ، إلى التأسيس لصلات تجارية واقتصادية قوية واستراتيجية مع إسرائيل وموانئها؛ وهكذا ترتبط الضفة الغربية (عن اضطرار) بالأردن، الذي يرتبط (عن اضطرار هو أيضًا) بإسرائيل.

إلى الأعلى