الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / نائب مدير عام صندوق النقد الدولي : تساهم أسواق التمويل العقاري بدور مهم في نقل السياسة النقدية وتساعد الاقتصادات على التكيف مع الصدمات المعاكسة

نائب مدير عام صندوق النقد الدولي : تساهم أسواق التمويل العقاري بدور مهم في نقل السياسة النقدية وتساعد الاقتصادات على التكيف مع الصدمات المعاكسة

برلين ـ “الوطن”:
قال مِن زو، نائب مدير عام صندوق النقد الدولي في مؤتمر البنك المركزي الألماني ومؤسسة البحوث الألمانية وصندوق النقد الدولي الذي عقد في ألمانيا مؤخراً: إن الإسكان قطاع أساسي من قطاعات الاقتصاد، لكنه كان مصدر مواطن الضعف والأزمات أيضاً، فبالرغم من أن التعافي الذي حدث مؤخراً في أسواق المساكن العالمية يمثل تطوراً جديراً بالترحيب، فإننا نحتاج إلى اتقاء نوبة جديدة من الانتعاش غير القابل للاستمرار في هذه الأسواق .. ولا يزال رصد التقييم المبالغ فيه في أسواق المساكن يتم باعتباره فناً أكثر منه علماً .. ومن الممكن الحصول على فكرة أولية من خلال المقاييس العامة المتوافرة، مثل نسب سعر المسكن إلى إيجاره، لكن التحليل المفصل والحكم الاستنسابي مطلوبان لاتخاذ قرار بشأن التقييم المفرط.
ولا تزال مجموعة السياسات المعنية بإدارة حالات الانتعاش العقاري قيد الإنشاء، وقد تم استخدام طائفة
متنوعة من الأدوات لهذا الغرض وتشير الأدلة إلى تحقيق بعض النجاح على المدى القصير .. لكن القيام بمزيد من التحليل وتبادل الخبرات بشأن ما يصلح وما لا يصلح يظل أمراً مطلوباً، والمؤتمرات من هذا النوع تفيد في زيادة رصيدنا المعرفي في هذا الخصوص.

دور قطاع الإسكان
وأشار إلى أن أفصِّل هذه النقاط، بداية بدور قطاع الإسكان، والغذاء، والكساء، والمأوى، وقد درجنا على اعتبار هذه الأمور احتياجات إنسانية أساسية؛ ومن ثم فإن قطاع الإسكان يلبي احتياجا ضرورياً، كما أن الإسكان مكون مهم من مكونات الاستثمار، وفي كثير من البلدان، يمثل الإسكان أكبر مكون في الثروة، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تمثل العقارات حوالي ثلث الأصول الكلية لدى القطاع الخاص غير المالي، وتميل معظم الأسر المعيشية إلى حيازة ثرواتها في شكل منازل أكثر من حيازتها في شكل أصول مالية، ففي فرنسا على سبيل المثال، أقل من ربع الأسر المعيشية يمتلك أسهما ولكن قرابة 60% منها يمتلك منازل.
وللإسكان أدوار أساسية أخرى، فمثلا، تساهم أسواق التمويل العقاري بدور مهم في نقل السياسة النقدية، ويمكن أن يؤدي الإسكان الملائم إلى تيسير انتقال العمالة داخل الاقتصاد ويساعد الاقتصادات على التكيف مع الصدمات المعاكسة، وباختصار، يمثل قطاع الإسكان الكفء مقوما حيويا من مقومات صحة الاقتصاد ككل، ومع استمرار تطور الاقتصادات، نتوقع حدوث زيادة موازية في عمق أسواق الإسكان ودرجة نموها .. غير أن سوق الإسكان، رغم أهميته، لم يحظ باهتمام كاف من خبراء الاقتصاد الكلي، وكما أشار إد ليمر ذات مرة، كثيراً ما وجدنا الكتب المرجعية الرئيسية في هذا المجال خالية من أي ذكر لقطاع الإسكان، وقد تغير كل ذلك منذ “الركود الكبير” بطبيعة الحال، ففي أعقاب انفجار الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة، حدث أعمق هبوط عالمي منذ “الكساد الكبير” وهنا تذكر الناس الأضرار الجانبية التي يمكن أن تحدثها انهيارات سوق الإسكان .. فعلى مدار التاريخ، كانت فترات الانتعاش والكساد في سوق الإسكان مضرة بالفعل في أغلب الأحوال بكل من الاستقرار المالي والاقتصاد العيني، وقد ارتبط كثير من فترات العسر المصرفي الكبير بدورات الانتعاش والركود في أسعار العقارات، وقد أظهرت بحوث الصندوق أن ما يزيد على ثلثي الأزمات المصرفية النظامية التي بلغ عددها 50 أزمة تقريبا في العقود القليلة الماضية كان مسبوقا بدورات انتعاش وركود نمطية في أسعار المساكن، ويمكن أن ينطوي حل أزمات الإسكان على تكلفة باهظة ـ ففي حالة ايرلندا، على سبيل المثال، تسببت العمليات التي أجرتها الحكومة لإنقاذ البنوك من انهيار سوق الإسكان في استنفاد 40% من إجمالي الناتج المحلي للبلد، وعلى عكس دورات أسعار المساكن، يُلاحظ أن احتمال حدوث أزمات مصرفية بسبب دورات الانتعاش والركود في أسعار الأسهم هو احتمال أقل بكثير .. وحتى في الحالات التي لا تترك فيها فترات الكساد في سوق الإسكان أثراً كبيراً على الاستقرار المالي، يمكن أن تؤثر على الاستقرار العيني، وتشير البحوث إلى أن احتمالات الركود الاقتصادي تزداد في بلدان “منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي” (OECD) عند ركود أسعار المساكن، وغالبا ما تكون فترات الركود الاقتصادي تلك أعمق بكثير وأكثر توليداً لارتفاع نسبة الباحثين عن عمل مقارنة بفترات الركود العادية، وباختصار، هناك أدلة كثيرة على أن دورات سوق الإسكان يمكن أن تهدد الاستقرار المالي والاقتصادي الكلي، ومن ثم، فمن الضروري مراقبة التطورات الجارية في سوق الإسكان عن كثب حتى لا تتحول إلى دورة أخرى من الانتعاش والكساد.

رصد التقييم المفرط في أسواق المساكن
وتسأل : إذن ما هو الموقف في أسواق المساكن اليوم؟ هبطت أسعار المساكن وتراجعت الاستثمارات العقارية في كثير من البلدان في بداية “الركود الكبير”، ثم حدثت انتعاشة فيما بعد، وعلى وجه العموم، بدأت أسعار المساكن تعود إلى الارتفاع بالتدريج، فقد ارتفع مؤشر أسعار المساكن العالمية الصادر عن الصندوق طوال سبعة أرباع العام السابقة على التوالي، وعلى مدار العام الماضي، أظهر المؤشر ارتفاعا في أسعار المساكن في 33 بلدا من مجموع 52 بلدا مدرجة في المؤشر، وفي بعض الحالات بدأت أسعار المساكن تتعافى من تصحيح حاد شهدته فترة “الركود الكبير”.
وفي حالات أخرى، واصلت أسعار المساكن اتجاهها التصاعدي مع تسجيل انخفاض ضئيل فحسب أثناء “الركود الكبير” .. فهل أدت هذه التطورات إلى تقريب أسعار المساكن من المستوى المتوافق مع أساسيات الاقتصاد أم تسببت في زيادة ابتعادها عنه؟ هناك محاولة مبدئية شائعة للإجابة عن هذا السؤال، وذلك من خلال النظر إلى نسب التقييم على المدى الطويل، وتؤكد النظرية أن أسعار المساكن وايجاراتها وريعها ينبغي أن تتحرك بالتوازي على المدى الطويل .. وإذا خرجت الأسعار والإيجارات عن الخط العام، يبدأ الناس في التنقل فيما بين الشراء والتأجير، الأمر الذي يصل بالاثنين إلى الاتساق في نهاية المطاف، وبالمثل، لا يمكن لأسعار المساكن أن تبتعد كثيراً على المدى الطويل عن قدرة الناس على دفعها ـ أي أنها لا تتجاوز دخلهم، وهكذا يمكن أن تكون نسب أسعار المساكن إلى الإيجارات والدخول مقياسا مبدئيا لما إذا كانت الأسعار لا تتسق مع أساسيات الاقتصاد .. ما الذي توضحه الأدلة؟ في بلدان “منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي”، تظل هذه النسب أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية لأغلبية البلدان، وينطبق هذا على أستراليا وبلجيكا وكندا والنرويج والسويد، على سبيل المثال، وتقدم هذه الأدلة مؤشراً عاماً للتقييم في سوق المساكن .. لكننا لا نستطيع تحديد المبالغة في التقييم من خلال هذه الأدلة وحدها، فبينما تمثل العلاقات طويلة الأجل ركيزة عامة، غالبا ما تبتعد أسعار المساكن عنها ابتعادا كبيراً ولفترات طويلة، ويؤدي زخم الطلب إلى ارتفاع أسعار المساكن، ولاسيما في المواقف التي يتعذر فيها تعديل عرض المساكن بسرعة نظراً لقيود جغرافية وغير جغرافية، ومن ثم يتطلب الحكم على تقييم المساكن معلومات تكميلية، مثل نمو الائتمان، ومديونية الأسر المعيشية، وخصائص المقرضين، وطريقة التمويل.
ومن بين كل هذه المؤشرات المحتملة لمخاطر حدوث دورة انتعاش وركود، تشير بحوث الصندوق إلى ما تكتسبه مراقبة نمو الائتمان من أهمية خاصة. ونرى أن هناك سمة مميزة للانتعاش العقاري تتحول إلى سمة “سيئة”، وهي التزامن بين الانتعاش العقاري والزيادة السريعة في الرفع المالي وتعرض الأسر المعيشية والوسطاء الماليين لمخاطر القروض، ففي أثناء الأزمة المالية العالمية، انتهى الأمر بوقوع أزمة مالية أو هبوط حاد في نمو إجمالي الناتج المحلي مقارنة بالأداء السابق على الأزمة في معظم البلدان التي شهدت “انتعاشا مزدوجا” في سوقي العقارات والائتمان ـ وهي 21 بلدا من مجموع 23 بلدا تم تحليله.
وفي المقابل، لم تقع أزمة نظامية إلا في اثنين من السبعة بلدان التي شهدت انتعاشا عقاريا وليس ائتمانيا، وكان الركود في هذين البلدين بسيطا نسبيا في المتوسط .. ومن هنا بدأ خبراء صندوق النقد الدولي يولون اهتماما متزايداً لنمو الائتمان، إلى جانب عدة سمات أخرى ذات خصوصية قُطرية تتميز بها سوق المساكن، وفي الشهور الأخيرة، قدم خبراء الصندوق تقييمات مفصلة بشأن أسواق المساكن في أستراليا وكندا، وكلها بلدان تتميز بارتفاع المقاييس العامة لتقييم الأسعار، كذلك أجرينا تقييمات لكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية حيث لا يزال نمو التمويل العقاري قويا وأسعار المساكن مرتفعة، كما تشير أسعار المساكن في المناطق الحضرية إلى دخول الاقتصاد في نوبة من النشاط المحموم.
وفي بعض الحالات، تشير هذه التحليلات الأكثر تفصيلا إلى أن التقييم المفرط أقل بكثير مما تشير إليه نسب أسعار المساكن إلى الدخل وأسعار المساكن إلى الإيجارات، ففي بلجيكا على سبيل المثال، خلص الصندوق إلى أن مخاطر التصحيح الحاد في أسعار العقارات تبدو محدودة رغم نسب التقييم المرتفعة .. وتشير هذه العوامل القُطْرية المتعلقة بدورات الإسكان إلى أن إجراءات السياسة لا يمكن أن تكون إجراءات موحدة تناسب الجميع.

إنشاء مجموعة أدوات للسياسة
قال مِن زو، نائب مدير عام صندوق النقد الدولي : أما دور السياسات في احتواء فترات الانتعاش العقاري فأود الإشارة إلى أن هذا جزء من مناقشة أوسع نطاقا تتعلق بالدور المناسب للسياسة النقدية في الوضع “المعتاد الجديد”، وبينما تظل جوانب كثيرة في هذا الدور قيد المناقشة المستمرة، هناك أمر واضح، وهو أن السياسة النقدية ينبغي أن تولي اهتماما أكبر للاستقرار المالي، ومن ثم أسواق المساكن، مقارنة بما كانت
عليه من قبل، فقد انتهى الآن عهد “التجاهل الحميد” لطفرات أسعار المساكن .. غير أن تنظيم قطاع الإسكان ينطوي على مجموعة سياسات معقدة وللحيلولة دون ذلك يجب اللجوء إلى السياسات الاحترازية الجزئية، التي تهدف بالطبع إلى ضمان صلابة كل مؤسسة من المؤسسات المالية، وهي سياسات ضرورية لسلامة النظام المالي ولكنها قد لا تكون كافية، فمن الممكن أن تتسبب الإجراءات الملائمة على مستوى المؤسسات المنفردة في زعزعة استقرار النظام ككل، ومن ثم فنحن إلى السياسات الاحترازية الكلية الرامية إلى تعزيز صلابة النظام ككل .. وقد كانت الحدود على نسب القرض إلى القيمة ونسب الدين إلى الدخل ومتطلبات رأس المال القطاعي هي أهم أدوات السلامة الاحترازية الكلية المستخدمة لاحتواء طفرات أسواق المساكن، وتُعيِّن حدود نسب القرض إلى القيمة مستوى أقصى لحجم القرض العقاري بالنسبة لقيمة الملكية العقارية، فارضة في الواقع حدا أدنى لمقدَّم الثمن، وتحصر حدود نسب القرض إلى الدخل حجم القرض العقاري فيما لا يتجاوز مضاعف ثابت لدخل الأسر المعيشية، ونأمل أن يؤدي ذك إلى احتواء الزيادات الباهظة في ديون الأسر المعيشية، ولا تزال مثل هذه الحدود مستخدمة منذ وقت طويل في بعض الاقتصادات، ففي منطقة هونغ كونغ الصينية الإدارية الخاصة، يتم استخدام الحد الأقصى لنسبة القرض إلى القيمة منذ أوائل تسعينات القرن الماضي وتم استحداث حد أقصى لنسبة الدين إلى الدخل في عام 1994، وفي كوريا، تم استحداث حدود القرض إلى القيمة في عام 2002 وحدود الدين إلى الدخل في عام 2005، وأثناء الأزمة المالية العالمية وبعدها، بدأ أكثر من 20 اقتصادا متقدما وصاعدا على مستوى العالم يحذو حذو هونغ كونغ وكوريا .. وتشير الأدلة حتى الآن إلى أن هذه المقاييس فعالة إلى حد ما في تخفيض أسعار المساكن ونمو الائتمان على المدى القصير، فهي تستطيع كسر آلية المعجِّل المالي التي تولِّد تأثيرات مرتدة موجبة فيما بين طفرات الانتعاش الائتماني وطفرات أسعار المساكن .. لكن الأمر يتطلب مزيدا من التنقيح لهذه المقاييس. فمقاييس السلامة الاحترازية الكلية ينبغي أن تأخذ في الاعتبار قدرة الأطراف المشاركة في السوق على الالتفاف على بعض حدود الرفع المالي .. وعادة ما يتم في بعض البلدان، مثل كندا، التمييز بشكل مفيد بين تمويل العقارات المملوكة لقاطنيها والمستخدمة لأغراض الاستثمار .. وهناك أداة أخرى للسلامة الاحترازية الكلية وهي فرض متطلبات رأسمالية أكثر صرامة على القروض المقدمة لقطاع محدد مثل القطاع العقاري، وتفرض هذه الأداة على البنوك حيازة قدر أكبر من رأس المال في مقابل القروض، مما يثنيها عن التعرض الشديد لمخاطر هذا القطاع، وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة، مثل ايرلندا والنرويج، تمت زيادة أوزان مخاطر كفاية رأس المال على القروض العقارية التي تتسم بارتفاع نسب القرض إلى القيمة، وقد تم استخدام متطلبات رأس المال القطاعية أيضا في عدد من الأسواق الصاعدة مثل استونيا وبيرو وتايلند، وتشير الأدلة إلى أن قدرة هذه الأداة على كبح النمو الائتماني متباينة بالرغم من أنها تعزز الصلابة بفضل الهوام الوقائية الإضافية، وتشير بعض دراسات الصندوق إلى أن زيادة متطلبات رأس المال على مجموعات معينة من القروض العقارية تحقق بعض النجاح في كبح نمو أسعار المساكن في بلدان مثل بلغاريا وكرواتيا واستونيا وأوكرانيا، وهناك عدد من الأسباب يفسر احتمال أن تكون زيادة متطلبات رأس المال أقل فعالية في احتواء النمو الائتماني.
أولا، حين تحوز البنوك رؤوس أموال أعلى بكثير من الحد الأدنى التنظيمي، قد لا يحتاج المقرضون إلى إجراء أي تغيير إزاء زيادة أوزان المخاطر، وغالبا ما يحدث هذا أثناء الطفرات التي تشهدها أسواق المساكن حين يأمل صناع السياسات في أن تكون الأداة على أعلى مستوى من الفعالية.
ثانيا، حين تشتد المنافسة بين المقرضين للحصول على حصص في السوق، قد يعمدون إلى استدخال تكاليف متطلبات رأس المال الأعلى بدلا من فرض أسعار فائدة أعلى على القروض.
وقد لا تكون أدوات السلامة الاحترازية الكلية فعالة أيضا في استهداف طفرات أسواق المساكن المدفوعة بنقص العقارات السكنية أو زيادة الطلب عليها من التدفقات النقدية الأجنبية الداخلة التي لا تمر بوساطة ائتمانية محلية .. وفي مثل هذه الحالات، يتطلب الأمر استخدام أدوات أخرى. وقد فرضت هونغ كونغ وسنغافورة، على سبيل المثال، رسم دمغة لتخفيف تصاعد أسعار المساكن فيهما، وتشير الأدلة إلى أن هذه الأداة المالية أدت بالفعل إلى خفض الطلب من الأجانب الذين كانوا خارج الحدود التنظيمية لنسبة القرض إلى القيمة ونسبة الدين إلى الدخل، وفي أمثلة أخرى، يمكن أن تكون أسعار المساكن المرتفعة انعكاسا لاختناقات في العرض، ومن ثم قد تكون فعالية الأدوات التي تركز على الطلب محدودة، وفي مثل هذه الحالات، ينبغي أن تعالج جوانب عدم الاتساق معالجة جوهرية من خلال تدابير لزيادة عرض المساكن.
والى جانب سياسات السلامة الاحترازية الجزئية والكلية، نحتاج إلى السياسة النقدية، وكثيراً ما يقال إن استخدام أسعار الفائدة هو أداة غير فعالة في احتواء طفرات أسعار المساكن، ولكننا نجد، كما أشرت آنفا، أن الطفرات في أسعار المساكن كانت تقترن في الغالب بطفرة معممة في الائتمان الخاص، ويشير هذا إلى أن السياسة النقدية يمكن أن تكون أداة مهمة في كثير من الحالات لدعم سياسات السلامة الاحترازية الكلية .. لكنه صحيح أن أسعار الفائدة الرسمية ينبغي أن تظل منخفضة في كثير من الحالات الراهنة ذات الصلة حتى تدعم تعافي الاقتصاد.
وأشار إلى إن خصائص الانتعاش في أسواق المساكن تختلف باختلاف البلدان والفترات الزمنية، والشائع أن الكساد إذا حل بالأسواق، فإنه يضر بالاستقرار المالي والاقتصاد العيني في الغالب الأعم من الحالات، ولا تزال أدوات احتواء حالات الانتعاش في أسواق المساكن قيد الإنشاء، وقد بدأ تراكم الأدلة حول فعاليتها
منذ فترة قصيرة فحسب. ويمكن أن تكون التفاعلات بين مختلف أدوات السياسة معقدة .. ولكن كل ذلك ينبغي ألا يكون مبرراً للسلبية، فالاستخدام المتضافر لأدوات متعددة قد يتغلب على النواقص في أي أداة منفردة، ونحن بحاجة إلى الانتقال من “التجاهل الحميد” إلى منهج يأخذ في الاعتبار “كل ما سبق ذكره” من خيارات السياسة المتاحة.
ولن يتحقق لنا الفهم العميق لكيفية استخدام السياسات في احتواء فترات الانتعاش في سوق المساكن إلا بإقامة حوار مفتوح مستمر حول هذه القضايا، والتنسيق الدولي ضروري أيضا، لأن الانتعاش الذي تشهده سوق المساكن في أحد البلدان يمكن أن تغذيه تطورات سوق الائتمان خارج هذا البلد، ويعتزم صندوق النقد الدولي القيام بدوره في هذا الصدد .. فكما ذكرت آنفا، بدأنا ندخِل تقييمات أسواق المساكن ضمن تقاريرنا القُطْرية بصورة منتظمة، كما أننا نتناول هذه الأسواق ضمن مطبوعتين رئيسيتين ـ هما تقرير آفاق الاقتصاد العالمي وتقرير الاستقرار المالي العالمي ـ وكذلك في تقارير أخرى تقدم إلى مجلسنا التنفيذي، ونعمل حاليا مع جهات أخرى لتحسين إحصاءات الإسكان.

إلى الأعلى