الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : جامعات وكليات للحياة

رحاب : جامعات وكليات للحياة

أحمد المعشني

من وقت لآخر أقوم بإجراء حوارات مع شباب من مختلف الأعمار، لكي أكتشف الطريقة التي يفكرون بها بشأن مستقبلهم ومجتمعهم وماذا عليهم وماذا لهم؟ أكتشف أن أغلبهم ينشغلون إما بالدراسة الجامعية أو البحث عن وظيفة بعد تخرجهم مباشرة؛ كما لو كانت الوظيفة هي مصدر الرزق الوحيد! ما يثير انزعاجي أن نسبة 95% من الذين أجري معهم مقابلات استطلاعية عابرة غير مقيدة بمكان أو وقت محدد؛ ينتظرون الظروف الخارجية أن تتحسن، ويواظبون على قراءة الجرائد والإعلانات الالكترونية لعل أعينهم تقع على إعلان عن مقابلات أو تقديم طلبات توظيف. هذا معقول ومنطقي، لكن الشيء غير المنطقي وغير المقبول أن أغلب هؤلاء يفتقرون إلى قدرات التفكير بالحلول والقيام بخطوات جريئة لإحداث تغيير في حياتهم، إذ إن أغلبهم يتحدثون عن تدني الفرص ويربطون ذلك بالأزمة المالية العالمية نتيجة تدني أسعار النفط، وقليل جدا منهم يتحدثون عن مسؤولية الخريج في حل مشكلته وخلق فرصة عمل لنفسه بطريقة أو بأخرى حتى تأتيه الفرصة. فليس من المنطق أبدا أن يجلس الخريج أو الخريجة عالة على الأسرة والمجتمع بانتظار فرصة التوظيف. الملفت للنظر أن جميع الذين قابلتهم من غير الخريجين، بل إن بعضهم لا يحمل أي مؤهل ولم يلتحق بمدرسة طيلة حياته، من بين النماذج التي تفكر خارج الصندوق شاب لا يحمل مؤهلا أبدا، لكنه يمتلك سيارة بيك أب صغيرة، يعمل عليها في نقل البضائع والأثاث بين المنطقة الصناعية وبين المناطق والأحياء الأخرى، وأحيانا ينقل إلى ثمريت، ما يميز سامي أنه متواضع جدا، قنوع، يعمل بضمير ويتمتع بقدرة كبيرة على العمل لساعات طويلة، يستمتع بما يعمل، لا يفاجيء زبائنه بتحديد الرسوم، يقبل كل ما يحصل عليه وهذا ما يدفع الزبائن إلى منحه مبلغا أكبر مما يتوقع لأنهم يعجبون بأمانته وإخلاصه. ذات مرة نقل هذا الشاب بعض المتعلقات من مخيم المهرجان بسهل إتين بصلالة إلى منطقة عوقد، فأعطاه صاحب الأغراض مبلغ عشرين ريالا، فما كان من سامي إلا أن رفض ذلك المبلغ قائلا بأن المكان الذي نقل إليه الشحنة ليس بعيدا، وهذا مبلغ أعلى بكثير من الأجرة التي يتقاضاها نظير هذا المشوار. ولكن صاحب الشحنة أخبره بأنه أعطاه هذا المبلغ لإعجابه بأمانته وقناعته ووفائه بوعوده والتزامه بالوقت. إن هذا الشاب الذي لم يذهب إلى مؤسسات تعليم نظامي استفاد من مدرسة الحياة أكثر بكثير مما استفاده الخريجون من جامعاتهم وكلياتهم، لأن مؤسسات التعليم لا تزال تعلم طلابها للبحث عن وظيفة. إذا أردنا أن نوفر آلاف فرص العمل، علينا أن نغير طريقة التفكير التي يفكر بها الشباب، فالطالب الجامعي ما يزال يفكر بعقلية أن على الحكومة أن توفر له وظيفة، ويغيب عن ذهنه أن يفكر بطريقة أنني كمواطن متعلم يجب أن أخلق فرص توظيف لنفسي ولغيري. إن تراثنا العماني عملي جدا، فالأسرة تعد أبناءها لشغل حرف ومهن الآباء، وهذا يساعد الشباب أن يبدأوا مرحلة الانتاج قبل البلوغ. بل أحيانا يبدأ انتاج الشخص من سن مبكرة جدا ويكتمل البلوغ الاقتصادي مع البلوغ الجنسي. فالشاب يصبح منتجا وقادرا على الزواج وفتح بيت وهو دون العشرين، لأن مرحلة نشاطه وانتاجه تبدأ مبكرا. أعتقد بأن الحل لمثل هذه المشكلة يقع على عاتق مؤسسات التعليم والتدريب بأن تتحول إلى جامعات للحياة، تكتشف حاجات طلابها ومنتسبيها وتعيد ترتيب مناهجها وأساليبها ومختبراتها ومرافقها بما يعيد بناءهم وإعدادهم وتدريبيهم للحياة قبل إعدادهم للتفكير بالوظيفة.

إلى الأعلى