السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة التشكيلي التونسي سليمان الكامل

قراءة في تجربة التشكيلي التونسي سليمان الكامل

هوامش اليومي…طريق لتشّكل الرؤيا

عندما تكون للفنان التشكيلي قاعدة ثقافية ومكتسبات تراثية ومعرفية وتفاصيل اجتماعية دقيقة وخاصة كما مواقف محددة من العديد من القضايا، يفيض خزان الذاكرة بالظواهر الجمالية التي تصبح جزء لا يتجزأ من عناصر الحياة اليومية، حيث يصبح الفن بمقتضاها مكون من مكونات العملية الاجتماعية ككل. فالممارسة الفنية لدى الفنان التشكيلي التونسي سليمان الكامل هي عبارة عن أداة لتحليل الواقع البسيط واليومي جماليا وبصريا، بمعنى تصبح رسما لمعالم وانماط شعب ما جماليا وفق فلسفة ورؤى خاصة ومبدعة، تنئى بالظواهر الاجتماعية عن اعتبارها أدنى من أن تقدم رؤى جديدة بل وتكسر نظرية ان الفن معزول عن العالم وانه في مكان ارفع وماوراء المجتمع.
فحقل التشكيل لديه مبني على قوى التعارض بين المتداول والمنشود في الفن وحوله فهو يتخلي بصريح العبارة عن السائد من اساليب التعبير المعلبة المتفشية بين الاغلبية،ويستخدم الأداة الاهم لتطوير أفكاره وإبتكار اسلوب جديد للابداع ككيان ومشروع فني خاص، هذه الأداه هي الإلتقاط، إلتقاط جماليات الهوامش التي تحيط بأعراف وتقاليد وثقافات المجموعة، للتحرر من خلالها من الجاهز وهذا التحرر يشمل أسلوب المعالجة التقنية من خلال التعاطي مع اللون والشكل والخط والنقطة…والتحكم في المساحة المصورة من خلال البناء والتكوين كما العناصر والادوات المنتقاة بكفاءة من الواقع والتي كانت نتيجة لعملية الالتقاط تلك.
جمالية الهوامش…إعادة إنتاج لليومي
يقدم سليمان الكامل من خلال لوحاته مجموعة من الاساليب التقنية والتي تبرز ذلك الشغف الكبير بأدق التفاصيل من خلال نمط تجاور النقاط واللطخات والخطوط التي تخلق مشهدية صاخبة وحيّة ما بين المعتاد والغرائبي، يلتقط من خلالها الفنان جماليات اليومي اللامرئية ويعيد انتاجها وتصميمها وفق رؤاه الخاصة فتتشكل من خلال تلك النقاط الصغيرة المتجاورة والخطوط العبقرية واللمسات واللطخات اللونية أجساد بشرية في وضعيات مختلفة تحس دائما أن هناك شخصية رئيسية تأتي بحجم أكبر لها وضعها الخاص و تدور حولها الاحداث وتنسج من خلالها شبكة علاقات بصرية يشارك فيها الحيوان والمصابيح القديمة وأجزهة التلفاز والراديو والعربات اليديوية و الحيوانية…وكاني بالفنان يستدعي عناصرا كان في علاقة حميمية معها وفي ارتباط شديد بطفولته من ناحية وعناصر أخرى ربما كان في حالة صدام معها لتشكلا معا ملامح الاعمال لديه. والتي تنبئ للوهلة الاولى بتشابه كبير فيما بينها ولكنها تخفي في الحقيقة اختلافات وتفاصيل واحداث كثيرة وجب التدقيق بين ثناياها لاكتشاف الكثير من نزعات الفنان ونزواته الجمالية الشخصية جدا والتي لا حدود لها، فمن الواضح جدا اختلاف نمط تفكير الفنان ومعالجته لما يحيط به ويعيش بداخله فهو يعبر عن أرائه من خلال اعماله فلا يخفي الاجتماعي والسياسي والديني …الذي يتستر كله تحت التعبير الجمالي، فيخرج من خلاله الى الوجود جماليات الهوامش اليومية، وما عايشه الانسان في الماضي والحاضر ليكون الاثر بمثابة أيقونة للمستقبل أو هو رؤيا واتصال مباشر بينه والمتلقي، وكأني بالنظام الاجتماعي يعمل لمصلحة الفنان فيخلص الشيء الموضوع من ماديته نحو نظرة جمالية خالصة ونقية وفق ذلك النمط الذي تبناه الفنان منذ نعومة أضافره والتصرف بناءا على مؤشرات وأنظمة إدراك تم التقاطها وفرزها واستيعابها أثناء فترة النمو والنشئة في محيط ريفي له وسط ثقافي شعبي متميز بعينه. هذه الاخيرة شكلت القاعدة للطابع الفني الخاص بسليمان الكامل والتي تفصح عن نفسها من خلال تذوقه للشعر والادب والحكايا الشعبية وبالتالي التمكن من اللغة والثقافة البصرية الثرية التي شكلت جزءا متكاملا من الاسلوب الفني لديه، حيث أصبحت كل المواد البصرية التي تقدمها الحياة اليومية ووسائل التواصل السمعية والبصرية مادة حية للتفاعل معها واستثمار مكوناتها لانتاج حقل فني مستقل.
الفضاء البصري… حقل فني مستقل
يعيد كما سبق وذكرنا الفنان سليمان الكامل انتاج اليومي والهوامش من حوله من خلال ايماءات مجنونة جانحة عن المتعارف فرؤيته الجمالية خاصة، فحين يضفي قيمة فنية على صورة ديك او خروف عديم القيمة الفنية ظاهريا هو يستهلك تلك الاشكال المختلفة في الثقافة الاجتماعية التي يرى فيها استقلاليته الفنية، وكأنه يعيد انتاج الاستثناءات من خلال تحفيز القيم البصرية والفكرية التي يمكن اكتسابها من خلال الملاحظة الحسية والمعايشة الفعلية، ويمر من خلالها الى تغيير الاحتمالات البنوية للشخوص والحيوانات والاشياء المصورة كما العلاقات فيما بينها على سطح المحمل بمثابة تركيب واقع جديد لها، وتصور الشخوص والحيوانات والاشياء والملابس كما تبدو من خلال زاوية نظر الفنان التي تحدد النظام العام للتحويل البصري الذي تمر من خلاله الى نظام علاقات جديد يبدعه وتشارك فيه كل العناصر الملتقطة لتغرق في التجريد، والتجريد هنا اعمق من ذلك الذي يبتعد كليا عن المشاهد الحسية او يحولها الى اشكال هندسية او لطخات لونية…فسليمان الكامل هنا ليس بصدد تجريد الاشياء عن أشكالها بل من خلال نظام العلاقات البصرية فيما بينها.
ففي العلاقة البصرية بين عناصر الاثر الفني يمر الشيء المرسوم بتحولات مستمرة اثناء تحركه في الفضاء وتغير موقعه من لوحة لاخرى ورغم هذه التحولات يظل من الممكن تمييز الشيء على أنه ذاته، وبذلك تكتسب عناصره قدرتها على التحول من حقيقة كونها تندرج في اطارات متعددة من المرجعية ومع ذلك تظل بشكل يمكن التعرف عليه-الشيء نفسه مع مظهر متغير.
فالفضاء البصري لدى الفنان فضاء تفاعلي ديناميكي حق حيث يوفر الارضية الاساسية لتفسير كل مظهر جزئي للشيء، فلكل شيئ او شخصية عمق وخلفية رغم غياب المنظور الفعلي تحس ان لها حياة داخلية وسيرة شخصية تعمل كواقع متطور عبر الزمن وما حظورها في اللوحة سوى زمنها الحاضر.
حيث يصلنا احساسها في اللوحة من خلال تصوير حيواتها الداخلية منعكسة في اشكالها الخارجية في حركات وتعبيرات ووضعيات، كما تصوير الخلفيات التي تبنى فوقها الحيوات والاحداث والعلاقات مع التكوين الجمعي، وضع مضطرب جماليا، الكلب مساو للحصان او اكبر منه حجما، أجساد طائرة حينا على نفس المستوى مع الطيور والطائرات وفي علاقة ابدية مع جهاز التلفاز في العديد من الوضعيات الاخرى اما بحمله او الخروج منه او متابعته حتى ان جل اللوحات وكانها نوافذ على عالم من الهلوسة، قطع موصولة ببعضها حينا ومنفصلة حينا أخر، ربط الساحة الامامية بالخلفية مرسلا اطراف كل شيء نحو سطح اللوحة، كما يستخدم الفنان الضوء والظل بحرية من خلال ادراج القيم الضوئية لخلق ايقاع لوني معقد وليس لتمثيل الاشياء. ويستعمل اللون كعنصر خلاف بحد ذاته من دون اي صلة بخصائص الشيء المصور من خلال مزج أشياء حقيقية مع رسومات تمثيلية لاشياء مستقاة من تركيباته كان يحيط جسد الانسان او الحيوان بخريطة من النقاط ويرسم حدودها ومنعرجاتها بدقة كما يستعمل كثيرا التباينات اللونية وقوة تدرجات اللون الواحد، كما يكسر وحدة المظهر من خلال المزج بين شخصيات واشياء متباينة الاحجام والتقنيات والالوان من سياقات مختلفة بحيث يحس المتلقي وهو بصدد اعماله بزلزال بصري وجمالي يجتاح مكونات الحياة اليومية، ليقدم الاثر الفني من خلال وسائل جمالية وابتكارات اسلوبية وادراك حسي ومعرفي وسائل للاستفزاز الاحساس الجمالي للمتلقي، لاثارة التساؤولات وتحريك اليات ذاكرته ودعوته بالحاح للتفكير في كل ما يحيط به وفي امكانية انتاج الخطاب الجمالي من خلال اليومي المكتسب، حيث تصبح الجماليات اللامرئية للحياة اليومية مواد خام لعملية جديدة ومعارف جمالية بديلة وتبرز بالتالي قدراتها المخفية على النفاذ والتجديد بما هي الاكثر حرية من خلال ذلك التجريد الادراكي الذي يولده الفنان والذي لا يمثل من خلاله العالم بقدر ما يبتكر اخر جديد خاص به.
الاثر الفني لدى الفنان سليمان الكامل حقل فني مستقل قادر على جعل العملية الحسية المعاشة تخلق نمط وجود جديد مع العالم، لأنها تخفي في صلبها ذلك الخيط الرفيع ما بين الجمالي والاثر الفني حيث تتسع بمقتضاها شبكات المعنى وتصبح الكيانات الثقافية المتنوعة المشارب كيانات حيوية، حيث يمزج الفنان من خلال ما انتقاه والتقطه من خلالها بعالم التشكيل لاكتشاف اوجه تشابهها واختلافها. وبالتالي فان الاثر الفني هو ثمرة من ثمار جماليات القيم الثقافية والشعبية والهوامش اليومية التي نتبناها وتترسخ بفعل الزمن في ذاكرتنا ويصبح من خلالها عملية صنع المعنى ذات معنى، المرور من المعنى اليومي نحو المعنى الفني.
عرضت اعمال الفنان مؤخرا في جنوب افريقيا turbine art fair ، وهو بصدد المشاركة في معرض في لندن 1.54art fair london ، واخر في باريس akaa art fair.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى