الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / حتى النخاع .. حينما تتملكك (الأناروكسيا)
حتى النخاع .. حينما تتملكك (الأناروكسيا)

حتى النخاع .. حينما تتملكك (الأناروكسيا)

تتنوع الاضطرابات النفسية والعصبية من حولنا، من حيث مضاعفاتها وأعراضها وطرق معالجتها، من بين تلك الاضطرابات التي تصنف بالخطيرة، يظهر لنا مرض “الأناروكسيا”، عصاب عدم الأكل أو فقدان الشهية المزمن، وهو متعلق بالأكل والشرب ويسبب الانخفاض الشديد في وزن الجسم لحامله، ويصاحبه قلق شديد وخوف من زيادة الوزن. فيرفض المريض الأكل، حيث يقوم بتجويع نفسه طوعيا ويمارس الرياضة بإفراط، إلى أن يصبح ضعيفا جدا وتصل مضاعفات المرض الى الوفاة.
وتحقق الأناروكسيا “أعلى معدلات وفيات بين الأمراض النفسية، حيث تتراوح نسبة المتوفين المصابين بهذا الاضطراب من 5% إلى 20% من أصل المصابين به” وذلك وفق ما ورد بموقع “Usa Facts”.
بالتأكيد النساء هن الأكثر إصابة بهذا المرض، فهن يهتممن بمظهرهن الخارجي وأجسادهن أكثر من الرجال. يقول الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى بالأكاديمية الطبية في مصر لجريدة اليوم السابع المصرية :” إن عارضة الأزياء من أكثر الشخصيات المعرضة للإصابة بالأناروكسيا بسبب اهتمامها بجسدها ومظهرها بشكل مبالغ فيه، فينقص جسدها كثيرا حتى الوصول لمرحلة يظهر فيها شعر أصفر على طول العمود الفقرى، وعندها يبدأ العد التنازلى لحياة هذه المريضة التى تنتهى بالحجز فى المستشفى والوفاة كخطوة أخيرة”.
عرفت السينما الأمراض الناتجة عن الاضطرابات النفسية والعصبية الـ”سيكو دراما”، منذ قديم الأزل وعالجتها وصاغتها على شاشتها الفضية فهي “مرآة المجتمع”، وذلك في العديد من اعمالها عبر مئات الشخصيات المصابة، التي مازلت محفورة في أذهاننا حتى اللحظة، كـ”جون ناش”، الممثل راسل كرو في عقل جميل أو ” A Beautiful Mind” وهو يناقش مرض الانفصام، “ريموند بابيت” العالم المصاب بالتوحد والذي جسده داستن هوفمان في رجل المطر أو ” Rain Man” ولن ننسى بالتأكيد ” ريزفان خان” نجم بوليوود الممثل شاروخان في دوره المميز بفيلم اسمي خان أو ” My Name Is Khan” والذي كان يعاني من مرض التوحد أيضا.
اتجهت هوليوود مؤخرا نحو إبراز تلك الأمراض العصبية والنفسية، التي بدأت تغزو البشر في العصر الحديث، واليوم نحن على موعد مع مرض الأناروكسيا، بمعالجة جديدة في إطار رومانسي خفيف.
حتى النخاع (To The Bone) : فيلم درامي اجتماعي في قالب نفسي، قامت بتأليفه وإخراجه مارتي نوكسون، الحاصلة على جائزة نقابة الكتاب الأميركية لأفضل مسلسل درامي رجال ماد أو “mad men” عام 2010.
يرجع سبب اختيار نوكسون لهذا النص، أنها كانت لديها تجربة مماثلة مع هذا الاضطرب العصبي وعانت بشدة، فأرادت معالجته عبر إبرازه بالشكل الصحيح من خلال الشاشة الفضية، فكثيرون وأنا من ضمنهم لا نعرف الكثير عنه.
ونفت نوكسون تماما أن يكون المقصود من العمل زيادة معاناة مرضى الأناروكسيا، وذلك بعد ان تعرض الفيلم لجدل كبير وانتقاد لاذع، ووصل الامر الى تحذير خبراء الصحة النفسية بعدم مشاهدته، حيث اعتبره البعض ترويجا ودعاية للمرض، ووصف بحافز محتمل لتقليد ابطاله الذين وصلوا لحد الإصابة بمايسمى “اضطراب السعرات الحرارية”، وهو يشكل أعلى درجات الخطورة من المرض. كما وصفه آخرون بالحاد، فهو تم انتاجه مع أشخاص عانوا من اضطرابات الشهية بالفعل، وقد تضمن مشاهد حقيقية قد تكون حادة فعلا لبعض الجماهير.
يحمل معاني فلسفية ومفردات تظهر لنا خلال متابعة أحداثه، ابرزها حب الحياة والرغبة في الاستمرار بها، فالطبيب يخبر الحالة المرضية أمامه انه لن “يعالجها إن كانت غير مهتمة بالبقاء حية”.
المعنى الآخر في الفيلم هو “العائلة” فهي تعني لنا كل شئ، البطلة برغم المعاملة الحسنة التي تتلقاها من زوجة أبيها وأختها “غير الشقيقة”، الا انها عانت الكثير مابين هجر والدها لامها التي اختارت أن تشذ عن القاعدة وتحرف سلوكها، وتركتها تصارع المرض وحيدة كما فعل والدها أيضا الذي لم نره طيلة ساعة واربعين دقيقة تقريبا مدة عرض الفيلم.
الشريط من بطولة الممثلة الأميركية صاحبة الـ28 عاما، ليلي كولينز، التي تألقت في تجسيد دور الفتاة “أيلين” المصابة بمرض فقدان الشهية، عبر أداء شجاع جدا مبهر وصادق تمكنت فيه ببراعة تقديم مأساتها مع المرض ونجحت في نقل الألم والوجع للمشاهد، والاضطرابات المصاحبة للمرض. الجدير ذكره أن كولينز فقدت بالفعل 20 رطلاً لكي تلعب الدور.
يشاركها البطولة كل من الممثل كيانو ريفيز في دور الطبيب المعالج “بيكهام”، الممثلة كاري بريستون وتقوم بدور زوجة ابيها “سوزان”، وعدد آخر من الممثلين الذين قاموا جميعا بأداءات جيدة كل على حسب مساحته في العمل.
عرض الفيلم على شبكة نتفليكس ” Netflix” التي فرضت نفسها على الساحة، كواحدة من أهم الإنجازات المتعلقة بالمتعة والترفيه عبر الانترنت. فهي تغطي حاليا نحو 190 دولة حول العالم، بعدد مشتركين يصل حوالى 93 مليون مشترك.

……………………………..
أحداث
بعد ما تفشل رحلتها العلاجية في أحد المراكز المختصة، تقرر الفتاة البائسة إيلين ذات العشرين عاما، والمصابة بمرض فقدان الشهية المزمن “الأناروكسيا”، حتى صار جسدها هزيلا جدا ، العودة لمنزل والدها وزوجته سوزان وابنتهما كيلي المقربة منها والتي تحبها.
ثمة اشتراط بين سوزان وإيلين حول إقامة الاخيرة في منزلها وهو أن تستمع لكلامها بخصوص متابعة حالتها المرضية، فهي تخاف عليها وتعاملها كابنتها تماما، عكس والدها الذي يعتذر دوما عبر الهاتف، عن الحضور الى أي مناسبة أو حتى رؤية ابنته المريضة ، ووالدتها الحقيقية جودي التي فضلت العيش مع صديقتها “الشاذة” على الطريقة الريفية داخل الخيام وسط الجبال والرمال، وتخلت عن رعاية الفتاة المسكينة.
تقرر سوزان إصطحاب إيلين الى طبيب متخصص يدعى ويليام بيكهام، الذي يقوم بمعالجة مرضاه بطريقة غير اعتيادية.
بيكهام يحب حياته التي وهبها لمساعدة مرضاه وهو عمل يستمتع به ويفضله عن الزواج والانجاب، وهو مايجعله يصر أن تلتحق الفتاة ببرنامجه العلاجي الذي يتضمن الاقامة مع 6 مرضى آخرين داخل منزل مخصص للعلاج، تديره ممرضة تدعى لوبو. سنكتشف فيما بعد أن بيكهام يداوي مرضاه روحانيا “نفسيا” أولا، بعدها تتم مرحلة شفاء الأبدان.

……………………………..
ماض مؤلم

تبدأ رحلة إيلين العلاجية، ومع مرور الوقت، نتعمق في حياتها الشخصية وماضيها، لنجد أن حادثة وفاة إحدى معجبي رسوماتها التي عبرت فيها عن حالتها المرضية، وعن سخطها على الحياة ورسومات سوداوية اخرى منشورة على تمبلر “منصة تدوين اجتماعي”، تقود تلك المعجبة الى الانتحار في النهاية، بالاضافة لأسباب أخرى كـ”تشرذم عائلتها”، جميعها تسبب عقدة نفسية مزمنة تلازم إيلين وتؤثر فيها طيلة الوقت.
تلك الرسومات أيضا كانت السبب في شهرتها بين أوساط مرضى يعانون نفس الحالة، فحين تصل الى المنزل العلاجي، تلتقي بـ”لوك” وهو الشاب الوحيد بين 5 فتيات يقيمون هناك، يصارحها أنه معجب برسوماتها وانها كانت مصدر الهام له وظل يحلم بلقاء إيلين كثيرا.

……………………………..
حياة

برغم اصرار الفتاة على المضى نحو فقدان مزيد من الوزن، عبر ممارسة التمارين القاسية، بالإضافة لحساب عدد السعرات الحرارية لكل طعام او شراب قبل تناوله، الا أنها تحرز تقدما جيدا، وتتقرب شيئا فشيئا من لوك في إطار الصداقة فقط، فهي تحمل هواجس ومعتقدات خاطئة بشأن العلاقات الاخرى، لكنها تتفاجأ حينما يفصح الاخير لها عن حبه لها، فتتراجع قليلا، فيما نجد حالتها الصحية تسوء بشدة، عندما تتعرض ميجان إحدى الفتيات الحامل في المنزل، لحالة إجهاض بسبب قيئها المتعمد وضعف جسدها، فتنهار إيلين على اثرها وتصبح على شفا الموت، ثم تتوقف عن العلاج ولاتجدي معها توسلات حبيبها لوك ، وتقرر الهرب الى لمنزل أمها التي تطلب منها السماح، متأسفة على مافعلته بها وتبدأ بإطعامها كالأطفال.
الحياة تدب مجددا في إيلين، حين تستيقظ سعيدة لأنها لم تمت بالفعل، وذلك بعد ان تتعرض لإغماءة مفاجئة في الصحراء، تهلوس خلالها بجسدها الهزيل يحتضر، بينما يقبلها لوك ويشد من أزرها ـ كما كان يفعل في الحقيقة ـ ويخبرها أن تقاوم مرضها الذي كاد أن يفتك بها، عبر إعطائها قطعة من الفحم لتبتلعها تعبيرا عن الشجاعة والاصرار.
تعاود إيلين الالتحاق بمنزل د.بيكهام لمواصلة علاجها بعد ان تخبر زوجة أبيها وأختها بأنها سوف تحتضن الحياة مجددا.
حتى النخاع .. شريط اجتماعي نفسي بامتياز، مبهر بأداء بطلته التي هزتنا حتى النخاع، فسرعان ماتجعلنا نتفاعل معها ونشفق عليها جراء معاناتها، بدخول عالمها المعقد الذي لن تفهمه من الوهلة الاولى وستظن أنه مجرد تفاهات.
هناك بعض المشاهد المؤلمة في الشريط، كتلك التي كشفت فيه البطلة عن منطقة أسفل ظهرها، حين يظهر نتوء شديد البروز من عمودها الفقري وكدمات سببتها التمارين القاسية التي تمارسها لتخسيس منطقة البطن. كما يطفو من ذراعيها “زغب الجنين” بكثافة، في محاولة ربانية لإبقاء الجسد دافئا عبر افراز المزيد من الشعر. بحسب كلام طبيب الفيلم. مشاهد القيئ المتعمد لعدم اكتساب الوزن، وتعرض ميجان للإجهاض من المشاهد الأخرى الحادة بالفيلم أيضا. وبرغم ذلك الا أنه سيبقى في مقدمة الأعمال التي عالجت القضية بنجاح وحرصت على المحافظة على جانبها العلمي دون إهمال لعنصر التشويق والكوميديا الخفيفة.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى