السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءات في هوية النص الثقافي .. رؤية نقدية للإنتاج الأدبي العماني

قراءات في هوية النص الثقافي .. رؤية نقدية للإنتاج الأدبي العماني

مسقط ـ العمانية:
أحمد بن سعود السيابي:

إن التطورات المذهلة التي تشهدها الشعوب في مختلف مناحي الحياة التي عرفها العالم المعاصر، أدت إلى استحداث مناحٍ متعددة لدراسة الظاهرة الإبداعية في مجالاتها المتعددة، الثقافية عامة أو الأدبية واللغوية والتاريخية والاجتماعية بشكل خاص. وهذه المناحي بحاجة إلى تكثيف الدراسة والتحليل والقراءة بهدف الوصول إلى أعماقها وتأويلاتها.
ويأتي كتاب “الثقافة وهوية النص في عمان” ثمرة من ثمار البحوث التي قدمت في الدورة الثالثة من ملتقى الجامعة العربية المفتوحة (مسقط) بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء (9-10 مايو 2013م). وقد صدر الكتاب في العام 2014م عن بيت الغشام للنشر والترجمة وجاء الكتاب في 470 صفحة. وقد سعت البحوث المقدمة في الدورة الثالثة من ملتقى الجامعة العربية المفتوحة (مسقط) بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، إلى الكشف والتحليل والقراءة لتلك النصوص الثقافية بتنوعها العام والخاص؛ بغية الكشف عن أسئلة الهُوية الثقافية التي تتميز بها تلك النصوص تأثيراً أو تأثراً بالهُوية المجتمعية الخاصة في سلطنة عمان عبر نصوصها التي أبدعها أبناؤها في حقبها التاريخية المتنوعة، كل ذلك ستتم مناقشته في الملتقى الذي تم تخصيصه لهذا الغرض والذي عُنون بـ (الثقافة وهُوية النص في سلطنة عمان).أما محاور الملتقى فهي: الهُوية اللغوية في النص العماني (الكتابي والمرئي)، وثاني النص السردي في عمان وسؤال الهُوية، أما المحور الثالث فبعنوان: الهُوية المجتمعية والثقافة في عمان. والمحور الرابع: النص الشعري في عمان وسؤال الهُوية.
كما ضم الكتاب كلمات المكرمين في الملتقى وهما سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي والشاعر سيف الرحبي. ونجد ان الشيخ السيابي يقول: “ولعلي من خلال طرحي في كتاباتي عبر مؤلفاتي وبحوثي ومحاضراتي وأحاديثي التي تنوعت بين الفقه والفكر والأدب والتاريخ، أكون قد ربطت بين ثقافتي الاسلامية وبين النص الذي انطلقت منه، سواء كان نصا دينيا، قرآنا وسنة كنص أصيل للثقافة الإسلامية بكل مكوناتها، أو نص تبعي كالمأثورات الفقهية والفكرية والتنظيرات العقدية المعروفة بعلم الكلام، أو كان النص قولا أدبيا نثرا أو شعرا، أو معلومة تاريخية، مستنتجا من كل ذلك رأيي الخاص بي”.
في الفصل الأول الذي حمل عنوان “الهُوية اللغوية في النص العماني (الكتابي والمرئي)” ضم عدة أوراق قدمها كل من أ.د عبد الحليم محمد حامد، والباحث معطي بن سالم المعطي، والدكتور خالد بن عبدالله العبري. جاءت ورقة الدكتور عبد الحليم محمد حامد بعنوان “الهُوية في النص اللغوي العماني” حيث تناول موضوع “الهوية اللغوية في النص العماني” في النقاط الآتية: مفهـوم “الهوية” وأصل المصطلح، ثم يلقي نظرة تاريخية عامة على موضوع الهـوية اللغوية، ويستخلص شرائطها الأساسية التي بمقتضاها تتحدد هوية الشخص أو الأمـة. وبعد ذلك يتجه إلى مناقشة بعض الأمثلة من النصوص اللغوية العمانية، والوقوف على مدى قربها أو بعـدها من شرائط الهـوية. ويفصل الباحث في الموقف من تلك النصوص والحكم عليها في ضوء المعطيات التي تنتجها المناقشات. ويختم بحثه بخلاصة الموضوع ورأي الباحث. ويتجه الباحث معطي بن سالم بن سعيد المعطي في بحثه المكتوب باللغة الإنجليزية إلى دراسة انقراض اللغة الشحرية في جنوب سلطنة عمان، حيث يؤكد على أن اللغة الشحرية هي لغة شريحة من المجتمع العماني يأتي أسمها من مصطلح (شّحِر) بشد الشين وكسر الحاء. هذا المصطلح تقابله مفردة “جبل” في اللغة العربية أو كما أورد الآخرون المنطقة الجبلية التي يصل إليها موسم الخريف. أطلق هذا الاسم بناء على اللغة المستخدمة لسكان المناطق الجبلية، الذين يعدون جزءا لا يتجزأ من الوطن، نفتخر بعاداته وتقاليده ولغته وموروثه الغني.
وتناول البحث بداية اسم هذه اللغة وتعرض إلى مناقشة كونها لغة أو لهجة دارجة. ثم تم التعريج على المحاور التالية وهي: التاريخ الحديث لهذه اللغة والعوامل المؤثرة التي طرأت عليها. كذلك الأبحاث والكتابات التي سبق وتحدثت عن هذه اللغة والمتحدثين بها. من ثم تم شرح طريقة جمع البيانات التي أخذت من البحث الشيء الكبير حيث تعددت بين مقابلات واستبانات تم توزيعها بين المتحدثين بهذه اللغة.
ولخصت الدراسة على تأكيد انقراض هذه اللغة خلال الأعوام القادمة حيث يقدر العمر الزمني للغة في ظل المعطيات الحالية 100-70 عام. لذلك وجب الوقوف على هذا الموروث لكي يتم النظر من جديد للعديد من الأسباب والمسببات التي ربما تؤثر في انحسار هذه اللغة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

ويقدم الدكتور خالد بن عبدالله العبري في ورقته المعنونة بـ”الهوية المجتمعية في الرواية الشفهية العمانية” دراسة متخصصة في وصف لسان الأدب الشعبي وهو ما يسمى بـ”التحليل المورفولوجي” الذي يصف الرواية وفقا لمحتوى نطقها، وعلاقة هذا النطق بعضه ببعض، ثم علاقته بالمجموع على اعتبار ان المورفولوجيا بوجه عام يُعنى بدراسة الشكل. فبحث العبري يدرس شكل ومحتوى نموذجين من الروايات الشفهية العمانية بشقيها السردي والشعري. ويرمي البحث إلى الإجابة عن جملة من التساؤلات منها؛ إلى أي مدى تمثل الروايات الشفهية منتجا ثقافيا جماعيا يعبر عن الجموع بوصفها ذاتا تعكس هذه الروايات جانبها الوجداني من أشواق وأحلام وآمال؟ وإلى أي حد تلعب هذه الرواية بشكلها الفني المحدد دورا مؤثرا في تأكيد معتقدات الشعب العماني والكشف عن فلسفة ما لها علاقة بتجربة إنسانية عميقة ببعديها النفسي والاجتماعي؟ وذلك من منطلق أن الرواية سمة ملازمة للإنسان منذ القدم، وهي سمة يتطلبها نموه الفكري وتطوره، ويرتبط بها جانبه المعرفي.
وضم المحور الثاني المعنون بـ/النص السردي في عمان وسؤال الهوية/ عدة أوراق وهي:” النص المسرحي العماني والنظرة الاجتماعية للمسرح” للدكتورة آمنة الربيع، ورواية “أيوب شاهين” كمختبر للهوية للدكتور حسن مدن، و”الذات والباحث عن المطلق في القصة القصيرة العمانية” لعزيزة بنت عبد الله الطائية. و “الإحياء/ الغيبوبة / الانتحال: سُرّ الورد والكلمات في رواية ” الذي لا يحب جمال عبد الناصر” لسليمان المعمري.
وتتوقف الدكتورة آمنة الربيع عند النظرة الاجتماعية في النصوص المسرحية التي كتبها مؤسسو مسرح النادي الأهلي، حيث تعد تجربة مسرح النادي الأهلي من التجارب الطليعية في السلطنة (1960-1977). حيث وقع عبء تأسيس فعل مسرحي على هذا النادي الذي كان سابقا لعصره. وتقوم دراسة الدكتورة آمنة على قراءة ثمانية نصوص مسرحية قد تم تمثيلها ضمن الفعاليات المسرحية لهذا النادي. وقد وردت هذه النصوص ضمن الكتاب الذي نشر في عام 1983 ويضم 16 نصا مسرحيا، والكتاب من تأليف عبدالمنعم فضلون الذي جمع نصوص تلك المسرحيات وقام بعد ذلك بعمل مادة تحليلية وفنية عن تلك المسرحيات.
وقد رصدت الباحثة ملامح التحولات الاجتماعية التي برزت في ثمانية نصوص مسرحية انتقتها الباحثة من بين 16 نصا مسرحيا، وتجسدت في هذه النصوص التحولات الاجتماعية الطارئة على المجتمع الخليجي فيما بعد ظهور النفط في المنطقة، إذ غير النفط الكثير من المفاهيم المتعلقة بمفاهيم وقيم المجتمعات بما في ذلك التركيبة الاقتصادية والقبلية والقيمية للمجتمعات الخليجية في فترة الخمسينات والستينات.

وتسعى ورقة الدكتور حسن مدن لاختبار سؤال الهوية، كسؤال فردي محض، وكسؤال جمعي عن موقع الذات ضمن الجماعة، من خلال قراءة في رواية الكاتب العماني سالم آل تويه: “أيوب شاهين”، التي تستحضر ذاكرات مكانية وإنسانية متنوعة، وتحيل على سياقات من التاريخ العماني، كأن الذات وهي تطمح لوعي نفسها تسعى لفهم مجتمعها وتاريخه، وكأن المجتمع وهو يسعى لفهم نفسه لا يجد مفراً من الوقوف على سير ومصائر الذوات فيه، مع ما يثيره ذلك من أسئلة عن الحدود التي تتماهى فيها “الأنا” مع الآخر الجمعي، وعن تلك الحدود التي فيها يفترقان.
أما ورقة الدكتور محمد زروق “سرد الهوية: نظر في بناء خطاب الهويّة الروائي في السرد النسائي” فقد سعت إلى النظر في سرْدنة الهويّة، وتحويلها إلى موضوع ينبني عليه السرد، ذلك أنّا لاحظنا في الأعمال الروائيّة العمانية توجّها إلى الاهتمام بمكوّن الهويّة في مستواه الذاتي والجمعي، غير أنّها هويّة حاضرة أحيانا ومبحوث عنها أحيانا، وغائمة أحايين كثيرة.
وركَّز الباحث في دراسة هذه القضية على مدوّنة تتكوّن من ثلاثة أعمال نسائيّة، لأسباب أهمّها أنّ المرأة تجنح في سردها إلى إثبات ذاتها، من حيث هي كائن يُنظَر إليه في عالمنا العربي نظرة لم تستقر اجتماعيا لحدّ الساعة، ومن حيث هي إرث تاريخي وحضاري متحقّق في فضاء قد يضيق حدّ الاختناق. وهذه الأعمال هي الطواف حيث الجمر لبدرية الشحية، وسيدات القمر لجوخة الحارثية والأشياء ليست في أماكنها لهدى الجهورية، ذلك أنّ هذه التجارب تحوي ارتباطا واضحا بالذات وقدرة على إثارة المسكوت عنه، اجتماعيا وثقافيا، إذ تعمل الرواية، وهي الخطاب المفضوح المكشوف على ملامسة الجرح الحيّ الذي تئنّ الهويّةُ به ولا تعلنه. فالمرأة بسردها توجِد مجالا للكون وصوتا تُعليه قد لا تقدر على البوح به في غير الخطاب المكتوب. والمرأة ذاتٌ تعمل على التحقّق من جهة وإثبات هويّتها داخل مجتمع يراها رتبة ثانية، ومحتوى فارغا من جهة ثانية.
أما الباحثة عزيزة بنت عبدالله الطائية فتشير إلى أن مبحث الذات من المباحث الدقيقة والمتشعبة، التي تتباين فيها المفاهيم، وتتفاوت التحديدات؛ لذا سأحاول في هذا البحث رصد ماهية الذات، كما تبدّت في النَّص القصصي العماني الحديث. بهدف تبيان ملامحه وهويته. وإذا كان كتَّاب القصة العمانيون قد ركَّزوا في معظم قصصهم على تحديد ملامح الأزمة الحياتية، التي يعيشها إنسان العصر، بكل ما فيه من تناقضات ساعدت على تعميق هذه الأزمة، بغية الخروج من دائرتها، وفتح أبواب الأمل الإنساني المشرق، ولتوليد طاقات جديدة للإنسان داخل بنية المجتمع، تساعده على التفاعل، فإن بعض القصص قد ركَّزت على تسوير الذات الإنسانية، وقولبة الأزمة بمفهومها المطلق داخل نفس الإنسان.
وتناولت الطائية في دراسة هذه القضية نصوصا حديثة من النصوص القصصية العمانية، وقدمت وجهات نظر مختلفة عن صياغة الذات والهوية الثقافية، هي: وهج اللحظة الدفين لمحمد القرمطي، وأرجوحة العاطل لمحمود الرحبي، ورفرفة لبشرى خلفان، ولعبة حمقاء للخطاب المزروعي، وابتسامة سمية لسليمان المعمري، والتحدي لعبد العزيز الفارسي، وسعت الورقة البحثيّة التي قدمها حمود الشكيلي في دراستها لنص روائي من الأدب العماني الحديث أن تبيّن القيمة الفنية للرواية الأولى للقاص سليمان المعمري، من خلال محاولة كشف القيمة الفنية للرواية، ناظرة في العموم إلى النص بوصفه مادة أدبية، وثيمة موضوعية، لكنها تقصد التعمق في الأدوات الفنية التي استعان بها الكاتب؛ لتجعله يسرد ما يريد من مواضيع، طارحة الأسئلة حول البعد الفني، وقيمة الفعل، وهو العنصر الأساسي لأي عمل سردي؛ إذا لا تكون للنص الروائي أي قيمة إن جافه الحدث. إذن ما الأحداث؟ وما أزمنة وقوعها؟ وما مدى قابلية الحكاية للوقوع من عدمه؟ كما أن البحث يطرح سؤالا حول هل يجوز عد هذه الرواية رواية حدث؟
وتركِّز الورقة إذن على المحكي من خلال بيان القيمة الفنية لفعل الإحياء، إحياء الزعيم العربي جمال عبد الناصر؟ فما القيمة الجمالية لهذا الحدث؟ وما سر تغييب ” محمد بسيوني سلطان” الشخصية الرئيسية في الرواية؟ وماذا أضفى فعل التغييب في النص؟
لن تعتمد ورقة البحث منهجا تحليليا معينا، إنما قد تستفيد من عدّة مناهج نقدية؛ كي لا تسقط في النص المدروس منهجا بعينه، على أن تقارب الدراسة الشخصيات الراوية، مظهرة الصورة الإنسانية للشخصيات الراوية في تعاملها مع الشخصية الرئيسية، تلك التي كانت بؤرة الحدث في الرواية، مقارنة علاقتها بالشخصية المسرودة، كل هذا وغيره سيكون من خلال معاودة النظر في الأفعال، حدثا، خاصة تلك التي انبنى عليها قيام النص فنيا. وجاء الفصل الثالث من فصول الكتاب بعنوان: /النص الشعري في عمان وسؤال الهوية/ وضم عددا من الأوراق العلمية وهي: الهوية في نصوص ديواني (هذا الليل لي وديوان أول الفجر) للدكتور محمد بن سالم المعشني، والغناء في المنزل القديم هوية عمان المنثورة لمحمد العباس، أما ورقة الدكتورة شيخة المنذرية فقد حملت عنوان /هوية النص بين جمالية الإبداع والتلقي في ديوان (هذا الليل لي) لهلال الحجري.

وحاولت دراسة الدكتور محمد بن سالم المعشني الإجابة عن جملة الأسئلة وهي: ما ملامح ومحددات الهوية الوطنية كما وردت في نصوص الديوانين المدروسين؟ وهل تعكس سمات مشتركة لكل مناطق عمان وأقاليمها؟ هل تظهر النصوص المدروسة وعيا متساويا بهذه الهوية؟ هل للبعد القومي حضور في هوية الإنسان العماني؟
وبعد استنطاق النصوص المدروسة خلص الباحث إلى أن هذه النصوص تعبر عن هويات متعددة؛ منها ما يمكن تسميته هوية فردية، وهوية جماعية، وهوية وطنية، وهوية قومية، وهوية إنسانية، وهوية كونية، وهوية جزئية، وهوية شاملة، وهوية نفسية، وهوية فكرية، وهوية مادية ثابتة، وهوية متحركة مفتوحة، وهوية حديثة، وهوية قديمة. وهذا يدل على التنوع والتعدد الثقافي والفكري لدى الإنسان العماني المعاصر، وتأثره بما حوله وما يجري في العالم، وتطور نظرته وتفكيره إلى ذاته وإلى غيره، مع عدم انفصاله التام عن ماضيه وتراثه.
وتطرق محمد العباس في ورقته إلى الهوية العُمانية المنثورة، يشير إلى أن في منجز قصيدة النثر العمانية تتراءى القرى العمانية كأطياف متلألئة من بعيد، لتنزرع في مفاصل النصوص على شكل منصات استرواحية، إلا أن حضورها اللامرئي أو اللامتشكّل أكبر وأوسع وأكثر شاعرية، لأنها بمثابة الأماكن المغادَرة، المرحول عنها، التي يتم تأملها من مطّلات إغترابية والتغني بها من مختبرات مكانية وثقافية نائية. فهي طرف الدليل إلى الهوية التي تنتجها النخبة المتمثلة هنا في شعراء قصيدة النثر، وتمتحفها في قوالب رثائية. فالمكان هو بمثابة مدخل لفهم جانب من سحرية الوجود العماني، ووقاية الذات العمانية من النسيان، أي إيلاء الذات الشاعرة مهمة حفظ الكينونة المتوّلدة من رحمه. وهنا مكمن التئام ملامح الهوية التي تنطرح في نصوص الناثرين العمانيين وخارجها كصيغة ثقافية دائمة التشكُّل، حيث يتعايش فيها القديم والجديد، الواقعي والمحلوم به. إذ لا هوية للعماني خارج مكانه أو بمعزل عن قريته المسماة أحياناً في النص. وتلك هي أبرز وجوه المرجعية السوسيولوجية لقصيدة النثر العمانية. فكل نص يستبطن رغبة للتصادم مع كافة أشكال الاغتراب، بالقدر الذي يحمل فيه بذرة التأريخ الشخصي أو الجمعي، أي تشكيل هوية قوامها الوقائع الفردية والاجتماعية التي يتم رصفها في لعبة النص، مقابل ما يفصح التاريخ العاطفي من الصيغ النصية، الواقعية أو المتخيلة.
هذا ما تحاوله قصيدة النثر العمانية، أي الالتصاق بالحدث المكاني حد التشبُّه به، واستقراء التاريخ الثقافي بنفسٍ شعري يغلب عليه النحن الجمعي. حيث حاول معظم شعراء قصيدة النثر استنتاج هوية ذات مرجعية مكانية، تقر من خلال عرض شفرات الطبيعة الأخاذة التي تتسم بها عمان بالبنوة للتاريخ. وعليه، يغدو النص النثري توسيعاً للأنا وتوريطاً لها حتى في الأيديولوجي بحيث تنمسح الحدود ما بين الذاتي والموضوعي، مع الإبقاء على حركية الحدود ما بين الحيزين.
هوية النص بين جمالية الإبداع والتلقي في ديوان (هذا الليل لي) لهلال الحجري/ تنفتح القراءة النصية التي قدمتها الدكتورة شيخة المنذرية على تقصي هوية النتاج الفني الشعري لهلال الحجري في ديوانه (هذا الليل لي)، حيث تمثلت الهوية النصية في بعدين: النسق الدرامي: بمشاهديته الترابطية بين الذات وتفاعليتها مع امتداد مساحة الحدث، من الواقع، والمجتمع، والزمكان. وقد ظهرت هذه التفاعلية بشقين الإيجابي الذي يرسم الأمل وتجدد الحياة، بهوية الدينامية الفاعلة بالحب والانتماء. والشق الثاني الذي يرتسم في الجانب السلبي الذي تفقد فيه الذات فاعليتها الروحية، وتتلذذ بالشعور بالاغتراب، والتبعثر، والهروب، والتمزق، مع امتداد وحشة الليل التي قرنها الشاعر بملكيته الخاصة (هذا الليل لي)، ولعل هذه الممازجة الحزينة هي التي مثلت الجانب الأكبر والأعمق من نتاجاته الشعرية، في ثنائية الذات والآخر بالامتداد من الصورة الفردية وتخطيها وتقويضها إلى مشاركة الآخر، بالصوت الجمالي الفني الذي يمزج الإبداع، وعمقه، في ملامح هوية الشاعر هلال الحجري.
أما النسق التقنعي: يرتبط هذا النوع بحركة شاعرنا الشعورية، ويمثل القيمة الجمالية في نتاجاته من جدته في الشعر العماني الحديث، حيث ترتبط وتتلاحم الذات لتبرز مكونها بالتخفي والتقنع، وهنا تكون ملامح الهوية مقنعة تضم المفارقة، والوحدة، والتكثيف، في شخصيات تراثية أو تاريخية أو أسطورية.
وجاء الفصل الرابع من الكتاب بعنوان: /الهُوية المجتمعية والثقافة في عمان/ وضم أوراقا لكل من أ. د محمد حبيب صالح، والباحث عوض اللويهي.
وتناول الدكتور محمد حبيب صالح دور التاريخ والمرجعية التراثية في الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية، في ورقته البحثية دراسة موضوعية لدور التاريخ والمرجعية التراثية في الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية وفقا لما يأتي : أولا: مشكلة الهوية الوطنية العمانية ( البعد التاريخي ) حيثُ يعالج تحت هذا العنوان البعد التاريخي لمشكلة الصراع مع الهوية الوطنية باعتبارها مسألة متأصلة ولها عمق في التاريخ نفسه فقد تعودت العقلية الغربية أن تطرح نفسها نقيض العقلية الشرقية وبخاصة العربية والإسلامية بما فيها العمانية مع ملاحظة الفرق بين ما كان يطرحه الغرب سابقاً وما يطرحه الآن فطروحاته اليوم تأخذ طابعاً تشويهياً خطيراً يطال ليس فقط العادات والتقاليد والقيم الخلقية بل حتى الثقافة والتراث ويتنكر لدورنا التاريخي في تطور الحضارة الإنسانية.
ثانيا: التحديات التي تهدد الهوية الوطنية العمانية: تتناول هذه الفقرة التحديات التي تواجه الهوية الوطنية العمانية على جميع المستويات وبخاصة الثقافية والفكرية منها. ثالثا: دور التاريخ والوعي التاريخي في الحفاظ على الهوية الوطنية العمانية، وتنطلق دراسة هذه الفقرةَ من حقيقة أن التاريخ يعبر دائماً عن وجود قوي يفرض ذاته، وبالتالي فإن ما يصنعه يكون صلباً عنيد الوجود ويفرض عادات وتقاليد تعزز الحياة الفكرية والنفسية للجماعة وتبعث ثقافتها. وبالتالي نسعى من خلالها إلى إثبات أن التاريخ الحقيقي يمكن أن نعيشه الآن من خلال ما يقدمه من قيم وأخلاق كمرجعية تراثية. كما وركزت ورقة أ. عوض اللويهي على تقديم قراءة في كرامات الإمام ناصر بن مرشد اليعربي (ت 1059هـ). حيث تشكل نصوص الكرامات في الثقافة العربية في جانبها المدون عنصرًا كاشفا لاشتغال المخيال عن صاحب الكرامة. كما أن هذه النصوص تحوي على حمولات دلالية تتعدى الجانب التبجيلي لصاحب الكرامة إلى جوانب أخرى. وتسعى الورقة إلى النظر إلى كرامات الإمام ناصر بن مرشد اليعربي لعدة أسباب منها، أولا: أكثر الكرامات تدوينا مقارنة بكرامات الأئمة والعلماء الآخرين. ثانيا: أنَّ هذه الكرامات لم تدون في عصر واحد، فكل مؤرخ أو كاتب يضيف في عصره ما سمعه أو وصل إليه وآخر هذه الإضافات كانت عند الإمام السالمي(ت1332هـ). ثالثا: عند الحيث عن الإمام ناصر في المدونة التاريخية العمانية يأتي الحديث عن جوانب عدة منها: فتوحاته وأعماله السياسية، ومن ثم كراماته وهذا ما يندر أن نجده عند الحديث عن غيره من العلماء والأئمة. وتؤكد ورقة اللويهي أن سيرة الإمام ناصر بن مرشد التي دونها ابن قيصر في 1050هـ خلت تماما من أي إشارة إلى هذه الكرامات، فهذه الكرامات بدأت بالظهور على يدي الخراسيني (ت بين: 1101-1111هـ) صاحب كتاب فواكه العلوم، مع الأخذ بالحسبان أن هناك الكثير من المؤلفات العمانية المتعلقة بحقبة اليعاربة مازالت مخطوطة أو في حكم المفقود. وتهدف هذه الدراسة إلى تتبع تلك الكرامات وترتيبها وتصنيفها كخطوة أولى، ثم بعد ذلك قراءتها لفهم كيفية تكون المتخيل الجمعي العماني عن الإمام ناصر بن مرشد، ثانيا تسعى الدراسة إلى استنطاق هذه الكرامات والتعامل معها كنص تاريخي يمكن أن يضيء جوانب من حياة الإمام ناصر بن مرشد حيث مازالت هناك الكثير من المعلومات حول هذا الإمام لم توثق ولم تبحث بشكل دقيق.

إلى الأعلى