السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / بيت العربي الكريم

بيت العربي الكريم

لماذا نبني البيوت؟ الاجابة ببساطة : لكي تأوينا ، حتى من بين الحيوانات والحشرات، ما أدرك أهمية المسكن، فالنمل يبني بيته، وتؤسس الطيور أعشاشها، والحيوانات التي لا تبني تلوذ بالكهوف مأوى تحتمي بها من البرد والشمس الحارقة والأعاصير والأمطار، والانسان ومنذ البدء حين شعر بحاجته لمأوى شرع في تشييده طبقا للظروف المناخية والبيئية، فإن كان يعيش في منطقة تتسم بالحرارة الشديدة شيد بيته بطريقة تحميه من تلك الحرارة، وجعل الشوارع والطرقات ضيقة حتى تغرقها جدران البيوت بالظلال، والأمر ذاته إن كانت البيئة ممطرة أو شديدة البرودة أو تقع في نطاق الزلازل، ولقد فعل العرب ومنذ القدم ذلك، مراعاة الظروف المناخية عند تشييد بيوتهم، إلا أنه من اللافت أنهم راعوا عاداتهم وتقاليدهم وما يتسمون به من صفات اجتماعية وأخلاقية عند تصميم بيوتهم، فالعربي معروف عنه حرصه الشديد على خصوصيته وأفراد أسرته، وقد انعكس ذلك بجلاء عند تصميم بيته، الحفاظ على تلك الخصوصية.
فالبيت العربي يتجه نحو الداخل، وله صحن أو أكثر تتوجه نحوه الفتحات والشبابيك ومعظم الأبواب وتقام معظم نشاطات أهل البيت فيه أو حوله، والصحن في البيت العربي هو قلب البيت ومحوره، ويكون الصحن مربعا أو مستطيل الشكل يحيط به رواق ويتوسطه حوض ماء أو نافورة وربما قمرية، وطبقا لهذا التصميم لا يطل البيت على الجيران ولا يطل الجيران عليه. وتصميم المجاز يسمح للضيوف بالدخول بدون أن يقع نظرهم على البيت من الداخل.
المجاز والخصوصية
والمجاز أو الدهليز في البيت العربي التقليدي هو أول ما يدخل إليه من الشارع، وهو عبارة عن ممر غالبا ما يكون متعرجا أو منكسرا يؤدي إلى الصحن، وغالبا ما يفتح فيه باب للمجلس.
وللمجاز أهداف اجتماعية وبيئية، فهو من ناحية يعزل البيت عن الشارع، والشخص الواقف بالباب أو الداخل إلى المجلس لا يرى الصحن أو أي غرفة أخرى في البيت مما يوفر الخصوصية المطلوبة حتى ولو ظل الباب مفتوحا طوال النهار. كما أن الداخل إلى البيت يمكنه تحذير أهل البيت عن طريق النحنحة أو التسليم أو الدعاء بصوت عال.
كما أن ترك الباب مفتوحا يساعد على تدفق الهواء إلى البيت من الشارع لكون الحرارة أقل والضغط أعلى في الشارع الضيق منها في البيت.
تكييف طبيعي
أما غرف استقبال الرجال فنادرا ما تطل على الداخل بل تطل على الشارع، وغرف الطابق العلوي مغطاة إما بالمشربيات أو بتصاميم أخرى مشابهة تمنع الناظر من رؤية ما بداخل الغرف بالرغم من فتح الشبابيك والسماح للضوء والهواء بالدخول.
والصحن يمنح البيت حديقة خاصة بعيدة عن أعين الجيران والغرباء، ويسمح لأهل البيت التحرك بحرية بين الداخل والخارج مع الاحتفاظ بالخصوصية التامة، كما أنه يقوم بدور المنظم لدرجات الحرارة داخل البيت، حيث يحتفظ بهواء الليل البارد لساعات النهار الحارة .
بيت الكريم
ومن اللافت أيضا فيما يتعلق بالمعمار العربي ـ وهذا ما كشف عنه الباحث المصري الدكتور عبد الرحيم ريحان في دراسته حول معمارية البيت العربي القديم في كل من مصر والمملكة العربية السعودية واليمن ودولة الإمارات وسلطنة عمان، تأثير سجية الكرم التي اشتهر بها العرب على تصميم بيوتهم، حيث كان مكان استقبال الضيف هو العنصر الأساسى فى المنزل العربى، وقد اتخذ هذا القسم أشكالا وأسماء متعددة منها المجلس والمجلط والمسخن، ويشغل المجلس الدور العلوى من المنزل الشعبى القديم بالمنطقة الوسطى بالسعودية وتميزت مبانى المدينة المنورة بوجود الحوش الذى تطل عليه مجموعة من المنازل ويمثل ساحة التقاء، بينما تميزت منازل دول الخليج بالتوفيق بين كرم الضيافة والحفاظ على خصوصية أهل المنزل والذى تمثل فى وجود مجلس متسع للضيوف وفناء فسيح يفى بحاجات أهله.
وتخصيص “المجلس” تعبيرا عما يتسم به أهل البيت من كرم ساهم فى تقوية الروابط الاجتماعية، وأوضح ريحان ـ وهو في ذلك يستند إلى كتاب “أنماط العمارة التقليدية الباقية فى صحراء مصر الغربية دراسة تحليلية مقارنة” للدكتور سعد عبد الكريم أن شيم العرب الأصيلة من كرم الضيافة والوفاء بالعهد ونبذ السلب والنهب تجسدت بصورة واضحة فى العمارة التقليدية بمدن صحراء مصر الغربية ويظهر ذلك جليا ذلك فى تخطيط المنازل وشبكة الطرق المؤدية إليها وما يرتبط بهذه الشبكة من وجود حوانيت وطواحين ومقاعد خاصة بالمناسبات لتقوية الروابط الاجتماعية، وتعد مدينة “القصر الإسلامية” فى الواحات الداخلة بالصحراء الغربية المصرية نموذجا لذلك، وهى أول قرية استقبلت القبائل الإسلامية بالواحات عام 50 هـ وبها بقايا مسجد من القرن الأول الهجرى.
وقد تميزت تلك المدينة بوجود المقاعد العامة وعصارات الزيوت، وروعى فى التقسيم الداخلى لمنازل الواحات تخصيص حجرة بالمستوى الأرضى لاستقبال الضيوف يطلق عليها المضيفة أو المندرة أو المربوعة وكان يراعى فى موقعها كما هو في العمارة العربية الخليجية حفظ خصوصية أهل المنزل.
واختصت اليمن بطراز فريد من العمارة المدنية تمثل فى الشوارع والأزقة الضيقة، وجسدت العمارة الطينية وحدة العائلة واستقلالية الأفراد من تخصيص غرف عامة لكل العائلة وغرف خاصة للأبناء المتزوجين بالطابق العلوى.
وقد تميزت العمارة العربية التقليدية بشكل عام باحترام حقوق الارتفاع العامة وعدم قطع الطريق ووجود ميدان كبير داخل القرى أو على أطرافها للمناسبات.
مأزق العمارة العربية
وتعاني العمارة العربية الأصيلة من مأزق تاريخي منذ أواخر القرن التاسع عشر مع الغزو الأوروبي للعالم العربي، حيث بدأت العمارة الغربية والحديثة تغزو المدن وحتى القرى العربية، وبدأ البيت العربي بطرزه الأصيلة يختفي، إلى أن ظهرت مجموعة من المعماريين العرب في أواسط القرن العشرين يحاولون استعادة حضور المعمار العربي القديم، من هؤلاء المهندس المصري المعروف عالميا حسن فتحي، ورغم محاولات فتحي نشر ما يسمى بعمارة الفقراء وهي عمارة تتكئ على مواد بناء بيئية رخيصة وعلى أصول المعمار العربي، ويحظى حسن فتحي حتى بعد وفاته بمكانة متفردة بين معماريي العالم، وتمثل مشاريعه التي صممها ونفذها طبقا لنظرياته في مصر والسعودية والمكسيك والهند والولايات المتحدة الأميركية معالم مهمة في تاريخ المعمار العالمي، وفي مشروع قرية باريس التي شيدها في الصحراء الغربية المصرية نجح من خلال نظم التهوية الطبيعية التي اعتمد عليها في تصميمه في تخفيض درجة الحرارة داخل المنزل 15 درجة عن الخارج، وقد حصل على العديد من الجوائز العالمية منها جائزة الرئيس – منظمة الاغاخان للعمارة عام 1988. جائزة نوبل البديلة RLA عام 1980 ، وهي جائزة يقدمها البرلمان السويدي في اليوم السابق لتوزيع جوائز نوبل التي يقدمها ملك وملكة السويد. جائزة بالزان العالمية من إيطاليا عام 1980. جائزة أفضل مهندس معماري في العالم من الاتحاد الدولي للمعماريين في باريس عام 1984. وقد أعلن وقتها أن نظرياته الإنشائية ومفاهيمه المعمارية يتم تدريسها للطلاب في 44 جامعة بالولايات المتحدة وكندا وجامعات أخرى في دول شمال أوروبا. جائزة لويس سوليفان للعمارة – الاتحاد الدولي للبناء والحرف التقليدية عام 1987. الجائزة التذكارية لكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا التي قدمت له خلال المؤتمر العلمي الرابع لها عام 1988، ومن المفارقات ما أعلنه حسن فتحي عند تسلمه الجائزة أن هذا هو أول تكريم من محفل أكاديمي مصري يحصل عليه في حياته، وكان ذلك قبل وفاته بعام واحد، ويعزى هذا التجاهل إلى أن اساتذة العمارة في الجامعات والمراكز الأكاديمية العربية كانوا شديدي الانبهار بالعمارة الغربية الحديثة، وبالتالي لا يقيمون وزنا لنظريات حسن فتحي. برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية عام 1989.
ومن أقوال حسن فتحي التي تنم عن مدى إيمانه بقضيته: كمهندس، طالما أمتلك القدرة والوسيلة لإراحة الناس فإن الله لن يغفر لي مطلقاً أن أرفع الحرارة داخل البيت 17 درجة مئوية متعمدا. هناك 800 مليون نسمة من فقراء العالم الثالث محكوم عليهم بالموت المبكر بسبب سوء السكن، هؤلاء هم زبائني.
وقد خلف حسن فتحي العديد من المؤلفات والأبحاث باللغات العربية والانجليزية والفرنسية، والتي تدرس في العشرات من جامعات العالم، ومن هذه المؤلفات : قصة مشربية، عمارة الفقراء، العمارة والبيئة، الطاقة الطبيعية والعمارة التقليدية، مباديء وأمثلة من المناخ الحار والجاف، أمل.
ولابد من الاعتراف بأن محاولات حسن فتحي لم تستطع الصمود أمام الزحف العمراني الغربي الذي تحمس له الغالبية العظمى من المهندسين العرب رغم أنه لا يراعي أبدا الظروف الطبيعية السائدة في المنطقة العربية ولا عادات وتقاليد العربي، فهل يمكن أن يأتي جيل جديد من المعماريين العرب، يعيدون النظر في منظومتنا المعمارية الحديثة، ويتصفحون ما خلفه حسن فتحي وغيره من نظريات تنصف المعمار العربي الأصيل فترد له الاعتبار على أرض الواقع وليس فقط داخل المراكز البحثية المغلقة، لنرى مجددا المعمار العربي بمجالسه ومشربياته ومجازاته منتشرا في مدننا وقرانا ؟!

محمد القصبي

إلى الأعلى