الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / عبد الله الهيطوط يرسم مؤلفاته البصرية على أسّطح ذاكرة ورقيّة

عبد الله الهيطوط يرسم مؤلفاته البصرية على أسّطح ذاكرة ورقيّة

الفنّ التشكيلي أداة سامية للتعبير والتواصل، ولكي يتم هذا التواصل ويقرأ ذلك التعبير لابد للقارئ أن يلج العالم الفكري والخيالي للمبدع لمعرفته، ولعلّ اكتساب تلك المعرفة يتطلب بدوره كفاية جمالية لعلّها ذات صلة وثيقة بالسيّاق. فمعرفة المتلقي عادة ما تكون نسبية حسب بيئته الفكرية، ولا تعد النسبية من عيوب القراءة بل لربما من مصادر ثرائها بما هي تمنح الأثر أكثر من وجه. وتجعل خصوصياته ربّما تتنوّع وتصبح بالتالي من أبرز العوامل المساهمة في تحديد جمالية الأثر الفني.
وهكذا فإن السيّاق بمفهومه الواسع لا ينحصر فقط في الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية التي أنتج فيها الأثر فحسب، وإنما هو أيضا الظروف المحيطة بتلقي ذلك الأثر وتقبّله، ونحن اليوم بصدد قراءة تجارب فنيّة متنوعة سنجد أنفسنا كباحثين نبحث عن أسئلة ننتظر أجوبة لها في هذا الأثر المقروء، وهذه الأجوبة المنتظرة تنبع من مقارنة يقوم بها القارئ بين ظروف اجتماعية وتاريخية وثقافية تنبع من الأثر من ناحية ومعطيات تجربته الخاصة من ناحية ثانية وهذا الأمر هو الذي به نفسر قول جاك بروست “يحرك فينا الأثر سياق مشاعرنا وأفكارنا، وذلك لأن الصور التي تثيرها في ذهننا الكلمات هي مأخوذة من مخزوننا وليس من مخزون المؤول.”
وقد حدث ذلك التفاعل بيني وبين الآثار وأنا بصدد قراءة أعمال الفنان المغربي عبد الله الهيطوط، نتيجة تلك الشحنة التعبيرية والتواصلية التي ضمنها إياها المبدع من ناحية ولفهمي الخاص لتلك الأعمال من ناحية ثانية وفق ما يسمى نتيجة
le code esthétique du recepteur
الفنان مؤلفا تشكيليا
عبدالله الهيطوط فنان مغربي ولد سنة1971 وولد معه هوسه بالفن، منذ طفولته لاحظ أساتذته ميولاته للرسم فأصبح رسّام الفصّل ومن ثم مزيّن المدرسة، حيث يقول الفنّان في هذا السيّاق في حوار خاطف لي معه “عندما تكون طفلا وتسكن في قرية معزولة، عليك أن تدبر ألعابك وتخلق عالمك الخاص بك، فتبدأ علاقتك بالأشياء تتطوّر إلى أن تصبح علاقة حب و ممارسة” وهذا ما ترجم فعلا في مجمل أعماله هي أشبه بلعب طفل وخربشات تلقائية قمّة في البلاغة.
تنزع فضاءات عبد الله الهيطوط إلى تحويل الفضاء التشّكيلي إلى فضاء خطي بامتياز ومن ثم سردي وشعري، ربما رغبة من الفنان لإنتاج أثر فنّي نوعي عبر إنشاء مشاهد خاصة. وكأني بالفنان يمعن في كتابة ماض أو حدس أو فكرة ، هو نوع من مسرحة الفضاء البصري بلغة قوام إنشائيتها خط ولون وورق، فيصبح بالتالي الأثر هو ذلك الركح لمسرحة هيئات وأشياء تتفاعل في إطار حدث موصوف، وهذا ربما نابع من ولعه بالإخراج السينمائي.
المتأمل في أعمال الهيطوط يلمح جليا نزعة الجمع بين الرسّام في المقام الأول ومن ثم المؤلف الذي ينتج نصوصا بصرية وفق لغة خاصة وغزيرة تبدأ من هندسة الفضاء الورقي كسند، عزّزت هذه اللغة قدراته وكشفت قوّته ومكّنته من التصوّر. تصوّر لمنطق خاص كخطاب بصري تعمل عناصره لذاتها وينطلق تأثيرها على المتلقي من الطاقات الكامنة فيها.
ونزوع الفنّان المباشر وغير المباشر إلى الجمع بين أشياء مختلفة وأنماط فنية متعددة كالرّسم والكتابة والشعر في أعماله يخفي بدوره تعدد الأنماط التعبيرية داخل الأثر الواحد فنراه رسّاما ونلمحه خطّاطا كما يظهر لنا يحفر ويصمم في جسد الورق تلك كانت عناصر بناء وإنتاج التأثير الجمالي لديه، حيث عبّر من خلال صدق تعبيراته عن تلك الموازنة بين دوره الأساسي كرسام وميولات أخرى خفية في دواخل الذات المليئة بالشّغف.
حيث لم يسيّطر جزء على الكل بقدر ما تحكم الفنان بزمام الأمور وهو في ذلك قد
استثمر جيّدا ميولاته الأخرى إلى جانب الرسم لإنتاج أثاره النوعية.
أثار فنية تخضع لإرهاصات ذاكرة الهيطوط الطفولية وما علق بها، إضافة إلى علاقته بالجدران فانعكس ذلك على أوراقه التي عجّت بوفرة الخطوط وقوّتها وتحرّكها بحرية وبدون تحفظ أو حسابات مسبقة، وهذا ما أنتج تضادات صادرة عن تصادمات لونية بالظّلال، فما بين البياضات الطاغية وذلك الأسود الذي يؤطر الفضاء وباقي الألوان خلقت عاصفة هائلة من قوى الفنان لا يكتفي بمجرد تجسيد أو تعبير بقدر ما يخضِعُ الأثر لتفاعلات الذات مع كل ما كان و يكون وسيخلق مستقبلا.
ينشد الهيطوط بخطوطه وألوانه نشّيد الذاكرة فالفن معه أصبح يمارس خارج القيّم المعهودة والمواضيع المضبوطة والنماذج المحددة مسبقا. أعماله تتميّز بغياب التحديد والنموذج والقيم وتتأسس تحديدا على التعدد والعفوية وهذا لا ينفي عنها خضوعها لجملة تدابير صارمة من قبل ذات الفنان، هي تدابير متماسكة داخليا تؤدي إلى نسق بصري متفرّد يبعث على التّأمل والتساؤل وما بين العفوية والصرامة يوجد الهيطوط ويتموقع أثره.
مع الهيطوط وكأننا نعود إلى نظرية أرسطو الذي يؤكد أن عالم الفن هو العالم الصدفوي، حيث ينطلق الهيطوط من أشياء ولا يصل إلى أشياء يعرفها صدفة بمعنى أن الفنان هنا يبني نفسه في الصدفة وهذا جليّ من خلال إرهاصات الخطوط وهياجانها وتداويرها، تكاثفها حينا وغيابها أحيانا أخرى، يترك الفنان نفسه في حالة من التعويم اللامخطط ليبدع من خلالها شيئا لم يكن موجودا في الطبيعة.
تحس وأنت بصدد هذه الآثار بأنك أمام عالم قائم الذّات، عوالم خيالية ربما أو حالمة، تتألف بها أشياء لم يكن لها قدر اللقاء خارج هذا الإطار المكاني والزماني، كائنات وأشياء تتألف وفق منطق بصري معاصر، مبتكر ينأى بنفسه عن أي إكراه حيث يصبح متاحا للكائن في أعماله أن يتحرر حتى من فيزيقياه، ويصبح خارج إطار القانون يتشّكل على هواه لا منطق يسجنه حتى منطق الطبيعة.
على أسطح الفنان الورقية المختلفة، سواء كانت أوراق كارتون، أجندات قديمة، البومات استعملت وأهملت .. تُولدُ كائنات خطيّة ولونية حثيثة الخطى تملأ الفضاء حركة، هي فانتازيا يبتكرها خيال الرسّام من خلال عنصرين أساسيين هما الخط واللّون . فضاءات الفنان افتراضية الوجود رغم ماديتها المزعومة فهي تؤاخي نوعا ما بين ما هو إنساني وحيواني ونباتي وجماد في طبيعة الوجود. هي قصة الكائن مكتوبة على السطح الورقي بالخطوط والألوان التي بقدر ما تعاصر زمنها نستشّف حين ننّصت إليها جيّدا أنها تعيدنا إلى زمن غابر سكن فينا هناك على الجدران احتوته ظلمة الكهوف والمغاور فيما مضى.
أجندات الذّات .. مواعيد افتراضيّة
يتعامل الهيطوط مع فضاءات ورقية مختلفة عن المعهود عادة فهو يرسم على محامل لأجندات قديمة مستعملة أو متلفة كأني به بصدد استعادة الزمن أو هو ربما يرسم للمستقبل مواعيد جديدة ، أراه يكتب نصوصه المغرقة في الغموض ويضمنها أفكاره، فالمعنى يسكن داخل النّص ويستوطن أيضا خارجه، يرسم الفنان على محامله دون إحداث دلالات واضحة المعالم في الشكل ولكن نعم في الجوهر. إن جوهر القضية لديه هو استعمال أرضيات مواعيد الماضي لإعادة إحياء المستقبل فيها من خلال موضوعاته المختلفة والمتولدة عن طريق الصدفة وما تحمله هذه المحامل الورقية من أسرار وأحاسيس مختلفة ربما ناتجة عن مواعيد خلفها أصحابها وأخرى حدّدت مصير الكائن وربما أخرى لم تملّ الانتظار بعد. فنراه يضمّد جراحها حينا بتقاطع شرائط لاصقة ويلغي أثرها حينا آخر بقوة الخطوط ومتانتها.
خطوط و كتابات وكتل لونية حضرت مع الأرقام والتواريخ والأشهر في علاقات قائمة على الحركة والتوازن والإيقاع والوحدة ، وتبدو معالجة الفنان اللّونية لأعماله الفنيّة ذات نمط متضاد تقاطعات لونية مع التعويل على ما تحتويه الأجندة من تفاصيل مع إضافات طفيفة بمثابة أجواء خطيّة لونية توحي لنا بصناعة مناخات خاصة كرنفالية أشبه باحتفالية ذات طقوس غرائبية. ويأخذ الأثر عادة أثر صفحتين متقابلتين للأجندة يتميز بثبات الشّكل العام في حين يتغير المحتوى حيث يعالج الفنان فضاءاته حسب ميولاته وفكره حسب ما تتطلبه مقتضيات الذّات حيث يعمد الفنان إلى جانب الخطوط والألوان وتلك الرسوم البدائية الطفولية لأكواب وهيئات مبسطة إلى تلصيق بعض الأوارق الداكنة في أطراف أو جنبات الصفحة لغرض موازنة التركيبة ولخلق توازن بصري يزيد من غرابة الفعل ويثير التساؤل أكثر حول همجيّة هذا الأثر. والهمجية هنا ذات معنى ايجابي بما هي خروج عن النمطية وخلق عوالم جديدة وتؤكد أكثر فأكثر على هواجس الفنان وميولاته المتجاوزة للمتعارف عليه دون خوف من السقوط في الابتذال لأن الفنان هنا على وعي تام بذلك الخيط الرفيع الذي يتمشى فوقه باتزان ووعي شديدين.
رسم الهيطوط مذكرته ومشاعره وأحاسيه على أسطح أجندات قديمة لتسمو في حنايا الخلود وتتجلى تلك الشفافية الفكرية التي تسكنه في ومضات كتاباته الفنية، التي يرنو من خلالها الفنان إلى السكن في مساحات واسعة الخيال ليصنع من أجندات الذات مواعيده الافتراضية مع الأحلام ليصل إلى أبعد مما تتحمل الصور الفنية في مضامينها …
ألبومات الهيطوط .. ذاكرة من ورق الجموع
يمارس الهيطوط فعل الارتحال الدائم بين الصفحات و حركة الرحيل المستمر لديه حالة نشيطة ، سعي حثيث وراء هاجس يسكنه و سيظل ،ليرسم في فضاءات الذاكرة ما استحوذ على رؤيته الفنية .
يصبح الأثر الفني لدى فناننا قصة و حكاية مسترسلة ،معين لا ينضب ،يشكله لنا في شكل ألبوم و بين صفحاته نرتوي نبحر في فضاءات الوجود شراعنا الخواطر و الرفض و الجموح …
هذه الأعمال الفنية المبثوثة هناك بين ثنايا صفحات البوم الفنان تؤرخ لفكر و رؤيا ،قصيدة منثورة ،سيمفونية أبدية صادحة خالدة كلما أبحرنا بين طيّاتها ازددنا جهلا و عطشا للمعرفة فهذا الفنان يختلف عن غيره في كيفية مشاهدة الحدث و مشاركته مع المتلقي و كيفية تحليله و ممارسته و بالتالي صياغته بتلك الشاعرية البالغة ،إحساس شعري مرهف يترجم ما تحتويه ذات الفنان من تراكمات و اهتمامات و خواطر فيزيد هذا كله عن النصوص المرسومة بعضا من روح الهيطوط من صدق الرأي و الموقف بإرادة واعية و جرأة واضحة المعالم للوجود و الفن و الممارسة الفكرية.
شكّل الفنان من خلال ألبوماته ذاكرة ذات قوّة خلاّقة لإبتكار أثار الكينونة و الصيرورة هي نوعا ما كتابة صارخة تلد تأوّهاتها إبداعا و يسجّل الألبوم نبراتها و نبضاتها بين صفحاته مشهدية تُرتِلُ بعضا مما يرسم و يكتب ،أعمال فنيّة غاية في الالتزام مع النفس تروم إثبات الذات ،طموح فكري شاعري فني يتعاطى مع عوالمه كنسق ذي معنى يصنع من خلاله انتفاضات الأفكار في رحم التكوين ،بمثابة تكوين عقلي يرتدي عباءة الخلق و الإبداع.
تصل أعمال الهيطوط المحاكية لحكايا الألبومات إلى أبعد مما تتحمله هذه الحكايا إلى ما تحتويه في طيّاتها من فكرة حالمة مبحرة في فضاءات الرؤى إلى عالم خيالي بقلم و لون فيه من قوة التصوير و منطق الكاتب بحيث تؤرخ لأماله و أحلامه الكامنة في خفايا الحنايا .
أثار فنية تتشكّل على بياضات الألبوم، ففي رحاب هداة الأشياء و فضاءات سكينة الصّمت تتوالد و تتواشج في كنه الرؤى معالم الإبداع و تتشكّل في رحم الورق ذاكرة التجلي فيستفيق الفنان من ثباته العميق و يسترجع ذاته من ذلك الشرود البعيد، و يسافر بنا من ورقة لأخرى بين حدود الحقيقة وواقع المكان ليكتشف الفنان نفسه و بأنه من غرف من عمق أغوار حنايا ذاكرته خلاصة فكره و صفوة مشاعره و أفرغ من وجدانه أجمل لحظات العمر يعزفها الهيطوط على وقع لحن تلك الأصوات الصامتة في بدايات التجريب .
تجربة واجهتها بشغف كبير للقراءة فأبحرت بين فضاءاتها الفكرية و معالمها المعرفية كربان هائمة طوعا بين ثنايا الأمواج الورقية لأميز بين فعل الواقع و حركة الخيال فوجدت نفسي أغرق برغبة في أعماق الأبدية ،مستمتعة بذلك السحر التجريدي المرمّز الفاعل و الموجه نحو التمرد و التّفرد فوجدت الهيطوط يلج عالم الفن التشّكيلي بقوة وجوده و هو يجوس الفكرة تلو الأخرى بحيث يؤرخ لفنه .

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى