الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نشر الغسيل لـ “سالم السلامي”

نشر الغسيل لـ “سالم السلامي”

حديثنا اليوم سيطوف حول تجربة الفنان التشكيلي الشاب سالم السلامي الذي اجتهد فنياً على نفسه، وقدم العديد من اللوحات ذات الفكر الراقي والأداء الواقعي التعبيري الجميل حتى نالت تجربته الفنية استحسان المتلقين خصوصاً باكورة أعماله التي قدمها مؤخراً ضمن معرضه الشخصي في صالة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، تتميز أعمال هذا الفنان بالبحث في مفردات البيئة ورموز التراث العماني بأطيافه المختلفة، وتمكن السلامي بما يمتلك من موهبة فذة من استلهام مفردات الحياة من حوله بصيغ فنية تعبيرية لأنه يرى أن هذه الرموز تمثل طابعاً وليس قاعدة لما تتضمنه من نماذج متعددة غنية بالنظم والقيم الفنية، مفتتاً بذلك حيرة الانتماء وفقدان البوصلة التي طالت الجيل الشاب في وقتنا الحاضر، فظل هذا الفنان باحثاً ومنقباً في عادات المجتمع وتقاليده وتفكيره وسلوكه وعمارته ومشغولاته وحرفه وما تحمله من محسنات جماليه تعكس نظرته الفلسفية للحياة وتمثل في الوقت نفسه رداً طبيعياً على محيطه الاجتماعي الأمر الذي جعل فنه يتشابك ويتماهى ليخرج لنا بمنجز بصري جديد بين الفينة والأخرى .
وقد اخترت للسلامي هذا العمل لنلمس عن قرب جمال الأداء الفني الذي يتمتع به هذا الفنان وكذلك سبحاته في عالم اللقطة الفنية التي يصوغها بإحساسه الجميل من عمق بيئته ورحم مجتمعه، فالعمل الظاهر أمامنا يتكون من طيور تسبح في فضاء السماء الزرقاء الصافية وامرأة واقفة تتأمل هذا المشهد الفسيح بعد نشرها للغسيل على سطح منزلها، وهذه العادة كانت تمارسها النساء في عمان في معظم البيوت خلال العقود الماضية وكثير من القرى في وقتنا الحاضر، ويبدو أن الفنان تعايش مع الإحساس الذي تشعر به النساء أثناء ممارستها لهذه المهمة وهي تمثل في حقيقة الأمر اختلاء كاملا للنفس على سطح المنزل المرتفع حيث الهواء العليل والطيور المتألقة السابحة في جو السماء، فتفسح هذه الحالة للمرأة باباً من التأمل والخروج من دائرة العمل المتتالي الذي لا يهدأ، فالمرأة كان البيت هو ميدان عملها الأساسي وممارستها لأنشطتها المنزلية لا تتوقف منذ شروق الشمس حتى غروبها، إلا أن هذا النشاط المنزلي المتكرر بشكل يومي أو شبه يومي له متعة نفسية خاصة دوناً عن بقية الأعمال التي تمارسها المرأة في المنزل، لأنها تساهم بشكل كبير في تعديل مزاجها والتنفيس عن روحها، عندما تتأمل الأفق الواسع والسماء الصافية وتستنشق الهواء العليل بصحبة أصوات الطيور وروعة تحليقها فرادى وجماعات.. نعم هي لحظات استثنائية بسيطة التقطها لنا الفنان من إحدى زوايا مسرح الحياة قد لا تمثل شيئاً لدى البعض ولكن الفنان تعايش معها ورمقها بإحساسه الدفاق وقد يكون استلهمها من خلال الرؤية المباشرة لهذه الحالة في لحظة ما من الزمن أو من خلال نقلها له عبر أحد النساء اللواتي تعايشن مع هذه الحالة فسجلها لنا بأسلوبه الفني الجميل .
عموماً هذا هو الفنان كما عرفه العالم متأمل للسكنات والحركات يلج في عمق الحالة ويرسمها لنا بروحه الفنية الجميلة، ويبقى للبيئة تأثيرها الحاسم في بلورة التوجه لأفكاره الفنية وملامحه الأسلوبية، ويظل مدى التعامل مع ذاكرته مفتوحاً ضمن سعيه لامتلاك صوته الخاص في شكل ينفتح على تيارات التجديد والحداثة متى ما أراد أن ينطلق إلى فضاءات الفن المفتوحة.

عبدالكريم الميمني
al-maimani@hotmail.com

إلى الأعلى