الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا يهجر شعب الروهينجا المسلم؟!

لماذا يهجر شعب الروهينجا المسلم؟!

كاظم الموسوي

تتنكر سلطات ماينمار لحقوق شعب الروهينجا ولا تريد الاعتراف بها وتصنع كارثة مدمرة بولاية راخين (اسمها القديم أراكان)، ولأكثر من مليون من شعب الروهينجا، وتضطر عشرات الآلاف منه إلى الفرار إلى بنجلاديش المجاورة، تحت أعمال القتل والقمع والتعذيب والاغتصاب والحرق والتهجير القسري، أو التطهير العرقي المتعمد..

ما يتعرض له شعب الروهينجا في جزء من بلاده في ميانمار يدعو إلى التنبه والدعم، فحسب الاعترافات والبيانات يتعرض إلى إبادة جماعية، وأمام الجميع، أمام الحكام والمحكومين، الحكومات والمؤسسات الإقليمية والدولية، دعاة حقوق الإنسان ورعاية الطفولة وحتى البيئة والحيوان، تنقلها صور الفضائيات وتعيدها الوكالات الإخبارية والإذاعات، (وهذا الجانب الوحيد الذي يخدم هذا الشعب)، أن مأساته تختبر الضمير الإنساني العالمي، وتضع كل المؤسسات والمنظمات أمام المحاكمة. لا أحد بريء من المساءلة والسؤال، اليوم وغدا، على مختلف الأصعدة والمستويات.. لا أحد لا تعنيه المأساة الجارية أمامه بكل قسوتها ووحشيتها وظلمها ولا إنسانيتها.. هناك أحاديث عن الصور التي تنقل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تهز الأركان وتقشعر لها الأبدان. وهناك أقوال عن تضليل فيها أو تزوير، ولكن ثمة صور لا يمكن إنكارها، مباشرة وحية.. تصدم الشعارات البراقة عن حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، التي تتشدق بها حكومات الدول الكبيرة والصغيرة، وتتبجح بالنسب والحجوم والادعاءات.
كارثة أخلاقية ومأساة إنسانية ومحنة ضمير… زعيمة الدولة أونج سان سو كي (72 عاما) حائزة على جائزة نوبل للسلام، فأي سلام هذا، وأية إنسانية تشرف على تنفيذها هذه الحاملة للجائزة؟ أما حان وقت نزع الجائزة عنها؟ وتقديمها درسا لغيرها وعبرة لمن يحملها ويتصرف بما يحصل اليوم في ميانمار (بورما سابقا)؟ أليس مضحكا حقا أو أن شر البلية ما يضحك، ما عودنا عليه الأمناء العامون للأمم المتحدة، وآخرهم لا يختلف عمن سبقه؟ فحسب الوكالات الإخبارية أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس عن قلقه العميق بسبب الوضع في ولاية راخين غرب ميانمار، وحث سلطات البلاد على حل مشكلة الوضع القانوني لمسلمي الروهينجا المقيمين هناك. وقال جوتيريس في مؤتمر صحفي عقده في مقر الأمم المتحدة يوم 2017/9/5 إنه كتب رسالة إلى مجلس الأمن الدولي اقترح فيها اتخاذ إجراءات من شأنها حل الأزمة في إقليم راخين، دون أن يدعوه إلى اجتماع. ودعا سلطات ميانمار إلى اتخاذ “إجراء حاسم لكسر حلقة العنف المفرغة”، معتبرا أنه “من المهم للغاية منح المسلمين في ولاية راخين الجنسية أو على الأقل وضعا قانونيا مؤقتا يسمح لهم بحياة طبيعية”.
تحرم سلطات ميانمار الروهينجا من حقوق المواطنة وتعتبرهم مهاجرين جاؤوا بطريقة غير شرعية، رغم تأكيد هذه الأقلية بأن لهم جذورا في البلاد تعود إلى قرون. كما يذكر أن جيش ميانمار قام مؤخرا بحملة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 400 شخص وفرار قرابة 125 ألفا من الروهينجا إلى بنجلاديش المجاورة، مما أدى إلى حدوث أزمة إنسانية كبيرة. كما تقول الوكالات الإخبارية الأجنبية، حتى كتابة المقال في مطلع أيلول/ سبتمبر، والأعداد تزداد والأرقام تتصاعد.
تتنكر سلطات ماينمار لحقوق شعب الروهينجا ولا تريد الاعتراف بها وتصنع كارثة مدمرة بولاية راخين (اسمها القديم أراكان)، ولأكثر من مليون من شعب الروهينجا، وتضطر عشرات الآلاف منه إلى الفرار إلى بنجلاديش المجاورة، تحت أعمال القتل والقمع والتعذيب والاغتصاب والحرق والتهجير القسري، أو التطهير العرقي المتعمد..
تحكم بورما السابقة طغمة عسكرية بوذية الديانة، وتواجه شعب الروهينجا المسلم بارتكاب حرب إبادة وتطهير عرقي. منذ عام 2012 حاول الآلاف من الروهينجا الفرار بالقوارب عبر بحر أندمان إلى ماليزيا أو برا إلى بنجلاديش. ومنذ أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 2016، عندما لقي تسعة من رجال الشرطة مصرعهم في هجمات منسقة على مراكز حدودية. زعمت الحكومة حينها أن جماعة مسلحة غير معروفة من جماعة الروهينجا كانت مسؤولة عنها. واتخذتها ذريعة وأججت عليها ردا قاسيا وحقدا دفينا وانتقاما دمويا أو لا يوصف، كما أوردت الأخبار وأشارت إلى أنها حملة عسكرية واسعة للجيش الحكومي رافقتها انتهاكات واسعة من قتل واغتصاب وتعذيب للروهينجا.
تقوم الأمم المتحدة حاليا بالتحقيق في تقارير عن انتهاكات لحقوق الإنسان من قبل قوات الأمن، التي تنكر من جانبها، ارتكابها لأية مخالفات. ولكنها أشارت إلى أن رد قوات الأمن على هجمات “متمردي الروهينجا” بلغ حد ارتكاب جريمة ضد الإنسانية.
من جهته أعلن المجلس الروهينجي الأوروبي، ( يوم 2017/8/28 ) مقتل ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مسلم، في هجمات للجيش الميانماري بإقليم أراكان. وفي تصريح لوكالة الأناضول الإخبارية، قالت المتحدثة باسم المجلس، أنيتا ستشوج، إن “ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مسلم قُتلوا، في الأيام الأخيرة، في هجمات للجيش الميانماري بالإقليم”. وأضافت، استنادا إلى المعلومات التي حصل عليها المجلس من نشطاء ومصادر محلية بالمنطقة، فإن هجمات الجيش تسببت أيضا في تشريد أكثر من 100 ألف مسلم.
هذا المجلس يتابع ويعلن هذه الأرقام، التي قد تكون غير دقيقة مئة بالمئة، لكنها أبلغ وأشد ألما مما تعلنه الوكالات الإخبارية أو الحكومات والمنظمات الأخرى، المنحازة ضد هذه المجموعة البشرية المبتلية بهويتها وحياتها وموقعها. ولم تثر هذه المآسي ضمير المدافعين عن حقوق الإنسان والديمقراطية والتحولات الواجب إجراؤها في هذا السبيل، عبر مزاعم رئيسة ميانمار وداعميها.
سجل مقال في مجلة فورن بوليسي الأميركية أن طائفة الروهينجا، التي يتجاوز عددها مليون شخص وتصنف في أسفل السلم الاجتماعي ببورما، لا تلمس نتائج هذا التحول. وفي الواقع، هم يواجهون بشكل متصاعد خطر الاختفاء الكلي من الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بميانمار، وأوضح المقال أنه “رغم عيش 10 في المئة من الأقلية المسلمة داخل مخيمات تفتقر للطعام والتغطية الصحية الملائمة، فإن الطائفة برمتها عرضة للانقراض”. وبغض النظر عن كل الانتهاكات القانونية والأخلاقية والإنسانية، كما يسكت على الجرائم المرتكبة والارتكابات اليومية، وهذا الوضع هو الذي سمح ويسمح لسلطات ميانمار أن تستمر في حربها وإبادتها، ومستغلة محاولات الإفلات من العقاب، والتواطؤ المريب الذي تشاهده بعد كل ما قامت به.
أين المنظمات الدولية والإقليمية؟ أين رابطة التعاون الإسلامي؟ أين الضمير الإنساني؟!
مرة أخرى الصور التي تبثها الفضائيات مباشرة من أحوال الروهينجا اليومية، فضائح لا تغتفر، وجرائم لا تنسى، ومجازر لا يصمت عليها ولا تتقادم محاكمتها ووخز ضمير المتفرجين عليها. ويبقى السؤال: متى تتسارع المنظمات والحكومات المعنية اليوم بوضع الحلول التي تنقذ شعب الروهينجا المسلم والمسالم، من حرب إبادة ودمار ومآرب أخرى؟!

إلى الأعلى