الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: الحملة المضادة لمناصرة الروهينجا لماذا؟

في الحدث: الحملة المضادة لمناصرة الروهينجا لماذا؟

طارق أشقر

أن تندد المنظمات غير الحكومية، وأن “تشجب” الحكومات، وأن تبدي الشعوب تعاطفها، وأن تعلن القليل من دول جوار جغرافية الحدث استعدادها لاستقبال بعض النازحين الفارين من المجازر التي يتعرض لها مسلمو الروهينجا في ميانمار .. هذا أمر يتفق مع الطبيعة الإنسانية التي تعتبر العاطفة مكونا أساسيا من مكونات بنيتها الأخلاقية والثقافية وبغض النظر عن دين الإنسان أو قناعاته ومبادئه.
ولكن أن تتناقل وسائل التواصل الاجتماعي وفي “كافة الدول العربية” بعض الرسائل التي تدعو إلى “عدم الانجراف ” ـ حسب نص إحدى تلك الرسائل، وراء ما يتم نشره من أخبار وصور حول عمليات تقتيل مسلمي الروهينجا، واصفين تلك الصور والمعلومات بأنها “إشاعة” أو أنها “مزورة” أو “مفبركة” …… هذا في الواقع اتجاه مسيء للإنسانية، ومؤشر خطير من مؤشرات التغييب القسري للعاطفة والعقل معا… فهو تشكيك يبدو وكأنه حملة مضادة لمناصرة الروهينجا.
إن كانت تلك الرسائل محصورة على مقتطفات صغيرة تشكك في صحة ما ينشر عن عمليات التنكيل التي تتعرض لها الروهينجا أو مختصرة على التشكيك في صحة بعض الصور فحسب لأمكن تفسير الأمر في إطار أنه نوع من الوعي بكيفية التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت مليئة بالسمين والغث معا، ولكن تضمنت رسائل التشكيك تلك مقاطع فيديوهات مطولة يتحدث فيها إعلاميون عرب طليقو اللسان، سحنتهم وملامحهم ومفرداتهم وثقافتهم تؤكد عروبتهم، وهم يتناولون قضية الروهينجا بعمق وبتحليل يستهدفون من خلاله الوصول إلى نتيجة تشكك في صحة الصراع، محاولين إبعاد صفة أنه صراع ديني وأن المسلمين غير مقصودين فيه لدينهم بل فقط لعرقهم!
وللسخرية أن وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، وبنفس منطق أنها تحمل السمين والغث، فهي تضج وتصرخ رفضا للممارسات اللاإنسانية التي تتم ممارستها في ماينمار، فقد نقلت تلك الوسائل تفاصيل إدانات من جهات لا تربطها بالروهينجا غير صفة الإنسانية، وأن شهادتها ينبغي أن تكون قاصمة لظهر حجة المشككين في صحة ما ينشر عن عذابات الروهينجا، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر بابا الفاتيكان فرنسيس الذي نقلت عنه شبكة “ايه بي سي نيوز” الأميركية الأحد قوله بأنه “يدين الاضطهاد الذي يتعرض له مسلمو الروهينجا”.
كما نقلت وسائل التواصل نفسها وصف الزعيم الروحي للتيبت الدالاي لاما الاثنين لمحنة الروهينجا “بالمحزنة جدا”، داعيا لوقف العنف. وفي السياق أيضا وأخيرا تمخضت الأمم المتحدة فولدت تصريحا رغم قوته إلا أنه ولد متأخرا بما يشي بأن ما سيتخذ بعده من خطوات أممية إن وجدت ستأتي متأخرة أيضا، حيث صرح المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد بن رعد أمس الاثنين بقوله بأن معاملة الروهينجا تشكل “نموذجا كلاسيكيا لعملية تطهير عرقي”.
بهذا وبجميع هذه التصريحات القوية من مسؤولين يمثلون جهات لها وضعها في المجتمع الإنساني، ينبري تساؤل عن ما إن كان أولئك المتشككون في صحة ما يتعرض إليه الروهينجا من اضهاد على وعي كامل بما يكتبون من رسائل وبما ينشرون من مقالات وبما يسجلون من مقاطع تحليلية طويلة؟ وذلك في وقت كان ينبغي عليهم أن يناصروهم كبشر بغض النظر عن عرقيتهم أو ديانتهم.
وفي كل الأحوال، ومع أهمية احترام رأي من يشككون في ما ينشر من صور وأخبار عن معاناة الروهينجا كونهم أصحاب رأي ينبغي اعتباره، إلا أن الأهم في التعاطي مع هكذا قضايا إنسانية تمس حياة الناس وحقهم في الحياة، ينبغي أن يكون مجردا من الأحكام الإطلاقية المسبقة، علاوة على ذلك علينا كمستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أن نعي معنى أي رسالة ترد إلينا قبل إعادة إرسالها.. وبذلك يظل السؤال الملحاح قائما حول: لماذا تلك الحملة المضادة لمناصرة الروهينجا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وباللغة العربية على وجه التحديد…؟ فإن الأيام حتما ستكشف عن الإجابة بوضوح.

إلى الأعلى