الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “من قتل شهريار” النقد اللاذع للقضايا المثقلة بهموم رجل الشارع

“من قتل شهريار” النقد اللاذع للقضايا المثقلة بهموم رجل الشارع

في عرض لا يخلو من الجرأة الساعية إلى فضح العلاقة بين السلطة والشعب ، و توجيه النقد اللاذع للكثير من القضايا المثقلة بهموم رجل الشارع . وعبر معادلة صعبة صاغها عرض “من قتل شهريار” للكاتب محمد بن سيف الرحبي، ومن إخراج سعود الخنجري، جسدت فصول العلاقة الشائكة بين شهريار وزوجته، أم ماذا كان من وراء القصد؟ إن المتابع للعرض يتلمس لغة التحقيقات الصحفية فيه، والتي شكلت مفردات الخطاب المسرحي بصورة صريحة وواضحة، بغية البحث عن الحقيقة وسط المعطيات المتوفرة . ولقد افتتح الحوار في المشاهد الأولى بالحديث عن الغش التجاري بين الصديق والبائع وارتفاع الأسعار، كما يتضح ذلك من الحوار التالي :
” البائع1: يا أخي، دعك من سخريتك اللاإنسانية، مجرد خلاف بسيط على سعر سلعة يدفعه لقتل زبون. الصديق: ولكن القاتل تاجر. البائع1: تاجر، هل تعني أنه يمكنني قتلك لمجرد خلاف على سعر سلعة؟! الصديق: يفترض العكس، أنا أقتلك لأنك تاجر. البائع1: وماذا فعلت بك يا صديقي الحميم؟.. الصديق: رفعت سعر لقمة حياتنا، ماذا تنتظر من رجل لا يحمل سوى ديونه، وتقول له إن الأرز لم يعد كما كان سعره بالأمس، إن السكر ارتفع ثمنه أضعافا”.
علاوة على ذلك، فإن هذه المسرحية لم تغفل الحديث عن أهمية التعليم العالي ، وكيف أن الإنسان ذا الدخل المحدود يمكن أن يواجه صعوبة في تعليم أبنائه تعليما عاليا في ظل ارتفاع الاسعار:” البائع1: يتوزع الهم عليهم واحدا واحدا، بينهم من لم يجد جامعة يكمل فيها دراسته، ومن لم يجد وظيفة، ومن يفكر في سلفة جديدة، وأما أكبرهم ” وبرؤية لا تخلو من السخرية والتهكم، فقد شخصن النص الحكومة ، وجعلها تدار من قبل شخصيات غير الحاكمة، وأن هنالك من يقوم بتوزيع نظارات وردية، وينتقد الحكومة بسخرية عالية ، مع محاولة وصفها بأنها تقوم بتخدير الشعوب، وتعتيم الحقيقة ، وجعل الناس يحلمون أحلاما وردية :
” الشرطي : لماذا لا ترتدي النظارة الوردية؟ العجوز: لا أملك ثمنها فقط، طبعا أنا في قمة السعادة بمولد ابن الملك؟ الشرطي : هل ترى حذائي هذا؟..العجوز: نعم، أراه جيدا، ثقيل وأسود.. الرجل2: (يتدخل) بل هو وردي، نعم وردي، هل لديك عمى ألوان أيها العجوز”
*كما تطرق هذا العرض للكثير من القضايا المتداولة عبر وسائل الاتصال الحديثة مثل “الانترنت.. المنتديات” والتي بدأت تتسرب إلى بلاط الملك: ” الملك: نعم، نعم، على خير ما يرام.. هل قرأت ما كتب اليوم في المنتديات والواتس أب .. الوزير: كتب الكثير عنكم يا مولاي.. في مدح فضائلكم..”.
*ويحاول الوزير تزييف الحقائق وتلميع الصور البائسة ، ونقل الأحداث والوقائع غير الصحيحة، مع الاستدلال بالقضايا والأحداث التي تنشر في الصحف والمسيرات الشعبية للمطالبة بالتغيير والتنديد في التلفزة دون توضيح الحقيقة: ” الوزير: في هذه الصفحة صور مسيرات تؤيدكم، وفي الصفحة التالية الشعب يهتف باسمكم، وفي الثالثة الناس يثنون على النعيم الذي يعيشون فيه بسببكم، وفي، وفي، وفي.. كم أعدّد لكم يا مولاي الملك وأفضالكم يعرفها القاصي والداني، ولا ينكرها إلا جاحد أو حقود” .
ومن ناحية أخرى، لم تغفل هذه المسرحية التعرض لتأثير الشائعات في تحريك الرأي العام والحكومة، خاصة عند إثارة قضايا مهمة لدى المجتمع مثل زيادة الرواتب وإلغاء الديون:
” الرجل1: زيادة في الرواتب.. الرجل3: صحيح أنها 30 بالمائة؟.. الرجل4: يا رجل، تعبنا من الشائعات، ألم تكفنا شائعة إلغاء الديون. الرجل1: حتى هذه اصبحت مؤكدة”.
ناهيك عن الإشارات السريعة لتفشي الفساد لدى المسؤولين، وأكل حقوق الناس بالباطل دون رقيب أو حسيب : ” الرجل3: دعني أكمل، لا تقاطعني، يقال إن وزير الملك شهريار اشترى قريتنا.. الرجال: قريتنا؟!!.. الرجل3: نعم قريتنا، ربما هو لم يدفع ريالا واحدا، لكنه .. الرجل2: إذن ماذا اشترى؟… الرجل3: كل شيء خارج بيوتنا.. الشوارع، الأراضي التي في القرية وما يجاورها.. الأهم.. الرجل4: الأهم أنه ترك لنا الماء والهواء..” .
وتتسارع عجلة الزمن لنشاهد بأن الحكم أصبح وراثيا في المملكة، حيث أصبح للحاكم طفلا ولكنه ليس ابنا شرعيا له!… كما تضمن العرض استعارة قوية وصريحة ومباشرة…حول استمرارية الحكم رغم سياسة تجويع الشعب: الشرطي: جلالة الملك شهريار مولاكم أيها الأغبياء.. وهذا صوت سيدكم. الرجل3: (متدخلا) هل تعني أنه أصبح لنا سيدا إضافة إلى مولانا الملك؟!.. الشرطي: نعم أيها السعداء والمحظوظين، إنه صوت ابن الملك، سمع صوت ولادته كل من في المملكة، هذه كرامات وهبكم الله نعمها.. هذا ابن الملك شهريار.
*ثم سرعان ما بدأ الشعب في المطالبة بحقوقه، الأمر الذي جعل السلطات تستشعر الخوف خاصة في ظل الاوضاع المتردية ، لذلك كان لابد من المسارعة بدراسة أوضاعهم :
” الملك: غاضبا ….. أنت لا تفهم أيها الوزير، انت لا تفهم معنى ما يحدث، سيثور الناس علينا واحد وراء آخر، وستجد قصورك وقصور أقاربك وجميع من أعطيتهم بلا حساب من أموال البلاد منهوبة ومحروقة، عليهم أن يعودوا إلى الدائرة الأولى، أن يبقوا بعيدا عن هذه الأفكار.. أن يفكروا فقط في الأكل والشرب والزواج، اسمع، ابحث عن أفكار جديدة بمنأى عن كلمات من نوع الحرية والتعبير والرأي، ما رأيك لو نفتح قليلا مسألة الحرية الروحية، أليست نوعا من الحرية؟ ما رأيك، ما رأيك لو نخفض الضرائب على الكحوليات ونغض الطرف عن المخدرات الخفيفة؟! الوزير: ما أعظمه من عقل راجح مولاي الملك، دع الشعب يعيش سعيدا، ألا يريدون حياة سعيدة، هذه هي بين أيديهم، لكن يا مولاي هناك فئة من المتدينين علينا التفكير أيضا في ردود أفعالهم تجاه هذا”.
كما ظهرت شخصية ” العجوز” وهو من الشخصيات المحورية في هذا العرض، التي قامت بدور مهم كبطل تراجيدي، يبحث عن الحرية ويتكلم بلسان الشعب الحالمة ، إزاء الأوضاع المتردية بسخرية عالية جدا ، وهي شخصية قيادية تطالب بحقوق الناس، ولكنها لا تهاجم الملك وانما بطانته: ” العجوز: من حق الشعب أن يأكلوا ما يريدون، وأن يتكلموا بحرية. الضابط: هيا، أريد أن أسمعكم تتكلمون بحرية، هيا، لا تترددوا، إنني منصت لكم. العجوز: هيا يا شعب، تكلم بحرية.. الحرية لا تباع ولا تشترى، إنها أمانة ومسؤولية يا شعبي الأبيّ.. الضابط: أتقلد الملك يا كلب؟!.. العجوز: وهل يتكلم الملك هكذا، لم أسمعه سيدي الضابط .. وحتى انني لم أره قط”
ويبرز في هذا العرض الطرق التي تتبعها الحكومات في السيطرة على وسائل الإعلام في الثورات العربية، مع محاولة التعتيم ازاء الكثير من الاحداث التي تتعارض مع مصالحها. الملك: معارضة؟ّ هل في البلاد معارضة؟ ألم تقل أن كل شيء على ما يرام فلماذا تكون هناك معارضة؟ معارضة من؟.. الوزير: لا تهتم يا مولاي الملك، يحلو للبعض أحيانا تقليد ما يرونه في التلفزيون فيقومون بتمثيل الأدوار في الشارع، وهذا المجنون …….
وفي النهاية تتكشف الأحداث، ليظهر جليا أن الطفل الذي تحتضنه الملكة ليس ابن الملك !..كما ورد في المقطع التالي: ” الجارية: كم أحبك يا طفلي، وكم أخاف عليك، وكم أخاف منك، شعور يرهق روحي .. أي تفكير قادني لأحمل خطيئتي بين يدي، هناك من يرتكب حماقة خطيئته ويمضي كأنه لم يغتسل إلا من طعام بقي في يديه فسكب عليه الماء والصابون، وأراق بعض العطر على يديه، فخرج برائحة عطر وإن تعتقت روحه برائحة الخطيئة.. لكنه الوزير، اقوى من أن يردّ له سهم خطيئة، والشيطان، آآآآه، الشيطان دائما، شماعتنا لتعليق أخطائنا، من يفعل الخير فهو من نفسه، من يرتكب الشر فهناك شيطان ما قاد ر على الإغواء”
ولقد استطاع الفنان ” يونس البلوشي” القيام بدورين هامين في هذا العرض، هما: العجوز والملك ، إن يظل لغزا محيرا للجميع، حيث أدى دور المناضل الشعبي الذي يتعاطف مع الشارع، إضافة إلى دور الملك الذي يحاول هو ووزيره كبح لجام الشعب عن المطالبة بحقوهم ؟!
وعلى مستوى العرض، فإن المخرج لم يلتزم بالنهاية التي رسمها المؤلف، لأن العجوز لم يقتل؟ ..واستطاع أن يكتشف الخيانة من خلاله وزيره، وإن شعبه بات مظلوما يعاني من شح الحياة وضيقها.
مما يؤخذ على النص السردية الطويلة والاسهاب، مع حشوه بالكثير من القضايا، التي قدمت بصورة صريحة ومباشرة في طرح معاناة الإنسان في ظل ارتفاع الاسعار ، إضافة إلى قضايا فساد المسؤولين والاختلاسات والديون والاقتراض ..وغيرها كثير .
ورغم تقليدية العرض ومباشرته في طرح قضيته ، إلا أنه أيضا لم يخل من الجهود الإخراجية في صياغة مفردات السينوغرافيا العامة للعرض، والتي حاول المخرج تجريد الديكور وتحويل خشبة المسرح إلى فضاء مفتوح، حيث لم يظهر فيه غير درج وضع في المنتصف…إضافة إلى الكورس المتحرك الراقص الذي كان يتمسرح وفق الحالة السياسية، حيث يمكن مشاهدتهم وهم يرقصون ويغنون وفق أداء استعراضي راقص، والذي كان يتشكل وفق الحالة المسرحية، وبعدها تحول هذا الكورس إلى الشعب، إلا أن ضيق خشبة المسرح وعشوائية التوزيع للمجاميع، اضعف قليلا الرؤية البصرية الجمالية .
ولقد حاول الديكور التمرد على المألوف، وخاصة بعد محاولة تبسيطه إلى قطع وجعل الشخصيات تتمركز في نقاط بعينها….كما كانت التشكيلات التي يصنعها الكورس عبارة عن أجزاء من الديكور، فمثلا في مشهد الاعتقال أتى المخرج “بكيس بلاستيك” وجعل جميع الممثلين يدخلون فيه …إضافة إلى ادخال شاشة العرض “البروجكتر” ، مع استخدام شاشة التلفزيون عندما طلب الملك من الوزير أن ينقل كل ما يدور في الشارع .

عزة القصابية
كاتبة وناقدة مسرحية

إلى الأعلى