السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مختبر السرديات الأردني يحتفي بغنام غنام كاتبًا ومسرحيًا
مختبر السرديات الأردني يحتفي بغنام غنام كاتبًا ومسرحيًا

مختبر السرديات الأردني يحتفي بغنام غنام كاتبًا ومسرحيًا

كونه أبرز من تضمنت نصوصهم مظاهر سردية متنوعة

عمّان ـ العمانية :
أقام مختبر السرديات الأردني ندوةً احتفت بتجربة الكاتب والمسرحي غنام غنام، شارك فيها كلّ من د.مخلد الزيودي ود.صبحة علقم ونصر الزعبي، وأدارها رئيس المختبر مفلح العدوان.
وعاينت علقم حضور السرد في مسرحيات غنام، موضحةً أن هذا الكاتب والفنان يعدّ من أبرز المسرحيين العرب الذين تضمنت نصوصهم المسرحية مظاهر سردية متنوعة، كالحكي عبر استرجاع وقائع وأحداث ماضية أو بصيغ استباقية، أو المناجاة، أو البوح والاعتراف.
وتوقفت علقم عند نصَّين لغنام هما “سأموت في المنفى” و”صفير في الرأس”، موضحةً أنهما يندرجان ضمن “مسرح المقاومة”، وينطويان على “نوستالجيا” عالية.
ورأت أن نص “سأموت في المنفى” أقرب إلى المونودراما، لكن ليس بمعنى دراما الشخصية الواحدة، وذلك لوجود شخصيات وأصوات عديدة فيه يؤديها ممثل واحد على الخشبة، مشيرة إلى أن غنام تولى في هذا العرض بثلاث وظائف: الكاتب، والراوي، والبطل. ولهذا فإن ما يسرده ويؤديه إنما يكون من منظوره أو وجهة نظره، فهو العالم بكل شيء عن الشخصيات التي تدير الأحداث، واصفة هذا النوع من التجارب المسرحية بـ “السيرة الدرامية” على غرار ما يُعرف بـ”السيرة الروائية”.
واستعرضت علقم المظاهر السردية في هذا النص؛ والتي جاءت في أربعة أنواع: السرد الاستهلالي، والسرد الاسترجاعي، والسرد المناجاتي (بما فيه البوح والاعتراف)، والسرد الاستباقي.
أما نص “صفير في الرأس” فرأت علقم أن أول مظاهر السرد فيه يتمثل بمناجاة شخصية البطل للذات الإلهية، مكررًا إياها بصيغ مختلفة في طريقه إلى القدس بعد أن أدى صلاته، تأكيدًا لمكانة القدس ورمزيتها لدى الشعب الفلسطيني. وبينت أن الكاتب مزج في هذا النص بين السردَين الاستباقي والاسترجاعي، وأن الحوارات فيه تندرج ضمن مستويات تتراوح بين الفصيحة، والدارجة الفلسطينية، مع استعمال بعض المفردات بالعبرية، ومقطع باللغة الفرنسية للضرورة الدرامية.
ووضحت علقم في ورقتها أن حضور السرد في البناء الدرامي لهذين النصَّين يسمح بالتوقف عند الأحداث والتعليق عليها، إضافة إلى تقديم الأحداث ضمن امتداد زمني، مع تبيان أنها جرت في الماضي، وذلك على غرار ما يتيحه السرد في المسرح الملحمي.
وقالت إن ما يجمع بين المظاهر السردية في النصَّين هو أنها غير متسلسلة، أيْ لا تقوم على نظام خطّي واضح ضمن تصور الزمن، أو التدرج في وقوع الأحداث، بل إنها متقطعة، وتعتمد على الاسترجاع والتلخيص والحذف. وإن الكاتب غنام كثيرًا ما يقطع الحكي بحوارات مع شخصيات أخرى، وبإلقاء الشعر والغناء. ولأنه ذو خبرة وتجربة ثرية في الممارسة المسرحية، إخراجًا وتمثيلًا، فقد اتسمت معظم المقاطع السردية بطابع ديناميكي، واضطلعت بوظيفة تكثيفية، وأسهمت في تشكيل وعي المتلقي.
من جهته، قال الناقد والمخرج المسرحي د.مخلد الزيودي في ورقته التي حملت عنوان “الحائك الماهر” إن من يريد أن يعرف سيرة غنام الذاتية، مدعوّ لمشاهدة تجربته المسرحية الأخيرة “سأموت في المنفى”، وهي عرض يختزل عبثية الحياة وقسوتها، ويحمل في طياته نبوءة سوداوية يمكن التعامل معها بوصفها كابوسًا داهم غنام ذات ليلة ليُلقي بجثته في المقبرة، ويجري بنفسه مراسيمَ دفنه وتلقينه، إلى جوار قبر شقيقه وجوار آلاف الشواهد التي تحمل أسماء مدن فلسطين وقراها.
ووضح الزيودي أن المسرح كما يراه غنام هو “فن من ابتكار فرد واحد”، ليتتبّع بذلك خُطى سوفوكليس، وشكسبير، وموليير، وبريخت، ومارون النقاش، وأبو خليل القباني. وأشار إلى أن الفرد المبدع يحتاج ليحقق مشروعه، الحضور الفعّال والمؤازرة الخلاّقة لمجموعة من الأفراد يتوحّد فيها الجميع وصولًا إلى اللحظة التي يتحول فيها المتفرج (الفرد المتعدد) من حشد إلى جمهور يكون متوحّدًا بافتراض مسبق مع كل ما يتطلبه ذلك من حِيَل ليصبح المسرح أداة بإمكانها توحيد التناقضات.
وقال الزيودي إن الفن الذي يبتكره فرد واحد تجلّت نزعته عند غنام في اتجاهين، يتمثل الاتجاه الأول بعروض المجموعة الخلّاقة التي يَظهر غنام “الفرد” من بينها كاتبًا أو ممثلًا أو مخرجًا أو راويًا أو منشدًا، أو صاحب دور يتكون من أدوار عدة. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في عروض المونودراما التي قدمها غنام معلنًا استقلاله المؤقت عن المجموعة، لا ليختبر قدرته كفرد خارجها، بل ليختلي مع نفسه بوصفه صانعَ عرض ليجرّب في “غير المُجرَّب” وليتحمّل وحده مسؤولية التجرّبة/ العرض.
وتوقف الزيودي عند سمات منهج وأسلوب غنام في توظيفه لعناصر العرض المسرحي، موضحًا أن غنام تخلى عن نص المؤلف الجاهز، لصالح نص العرض كما يراه المخرج وفريقه المسرحي كمتتالية بصرية مكتملة العناصر بألوانها وشخوصها وإيقاعاتها والإرشادات المسرحية التفصيلية. ولذلك كتب غنام -بوصفه مخرجًا- نصَّ العرض الذي يريده هو لا ما يريده سواه، رغم اعتماده نظام الورشة لفريق العمل وصولًا إلى التوافق على المسوّدة الأولى للعرض.
وأضاف أن انخراط غنام في مشروع البحث عن صيغ جديدة للمسرح العربي الخالص شكلًا ومضمونًا، جعله يكتب نصه المسرحي الجاهز للتنفيذ (نص العرض) منطلقًا من أصل الحكاية مهما ابتعد بلعبته في الإطار العام للنص مستفيدًا من طريقة “المونتاج” في الانتقال من موقع لآخر. وقد تجلّى ذلك بوضوح في نص “الزير سالم” ونص “كأنك يا أبو زيد”، وكذلك في عروض المونودراما التي قدمها غنام لاحقًا.
وأكد أن غنام يقدم مسرحًا ينحّي المؤلف جانبًا لصالح المخرج، ويرفض أن يكون المسرح مجرد انعكاس مادي للنص، منطلقًا من أن الإخراج هو التجسيد المرئي التشكيلي للكلمة، بوصفه لغة كل ما يمكن أن يُقال.
ورأى أن نص العرض عند غنام جاء متأثرًا بالتجارب المسرحية العالمية التي جاءت رد فعل على الفوضى التي اجتاحت أوروبا في مطلع القرن العشرين وكان أبرزها تجارب بريخت (المسرح الملحمي)، وتجارب مسرح “آرتو” التي سبقت ذلك وقامت على فكرة “نسف النص وتحطيمه” استجابةً للرغبة الملحّة في العودة بالمسرح إلى منابعه الأصيلة والاحتفالات الطقسية القديمة، والتحرر من الكلمة التي أثقلت كاهله؛ والتركيز على الحركة ولغة الجسد.
وبيّن أن غنام غالبًا ما يوظّف أدوات سردية وليست درامية، مثل الروايات والأشعار والنصوص غير المبنية على أسس درامية، لذلك يعتمد على دور السارد كمسؤول عن إخبار الجمهور شارحًا الأحداث مباشرة. وقد تجلى ذلك في معظم العروض، وخصوصًا تلك التي اتكأت على الموروث والقصص الشعبي والمونودراما. وهذا ما يفسر حضور الموسيقى كعنصر أساسي في أعمال غنام الذي أَول التأليف الموسيقي أهمية كبيرة وفق مفهوم “المجموعة الخلّاقة”، بدءًا من كتابة الكلمات مرورًا بالتأليف والتلحين وانتهاء بالأداء الحي المباشر على خشبة المسرح وتوظيف الكورال والرقصات، وبالاعتماد على قوالب لحنية وثيمات تراثية جاهزة وأغانٍ معاصرة تم توظيفها للضرورة الدرامية بعيدًا عن الارتجال أو المجانية.
ولفت الزيودي إلى أن غنام تنبّه إلى ضرورة إيجاد فضاءات بديلة لتقديم العرض المسرحي لسببين؛ يرتبط الأول بالبنية التحتية لدور العرض؛ فيما يرتبط الثاني بمفهوم رسالة المسرح بوصفه فنا يجب أن يذهب للناس لا ان يأتي الناس إليه. لذلك وظّف غنام سيكولوجية الحشود/ الجمهور وطريقة ومناسبة حضورها وتجمّعها في بيئتها وثقافتها مطوّعًا بيئة العرض لتنسجم وتتوافق مع بيئة هذا الجمهور وطبيعته، فيصبح الجمهور في عروض غنام محاطًا بالفعل والتجربة المسرحية بحيث يكون غير قادر على التمييز بين الواقع والوهم، ويبدو أن هذه الطريقة هي الوحيدة التي يرى غنام أن المسرح يحقق من خلالها أثره التطهيري المطلوب.
وأكد الزيودي أن الممثل عنصر أساسي في العرض المسرحي عند غنام، إذ يعوّل عليه لترجمة الأفكار والرؤى التي يحملها العرض في ظل استغناء غنام عن معظم عناصر العرض الأخرى، لذلك يلعب الممثل الواحد أدوارًا متعددة ومركبة في العرض الواحد، جامعًا بين العازف والمغني والراقص والتقني الذي يبدل مفردات الديكور والإكسسوار حتى غدا الممثل ولعبة التمثيل مصدر غواية بالنسبة لغنام، حفزته ليستأثر بالعرض المسرحي كاملًا من خلال المونودراما.
وبشأن موضوعات المونودراما عند غنام، رأى الزيودي أنها مأساوية الطابع، ناتجة عن تجربة ذاتية مريرة، ولهذا يطرح من خلالها الأسئلة المصيرية والوجودية. أما الزمن عنده فمتعدد المستويات، وللزمن الحاضر النصيب الأكبر بوصفة نتيجة للزمن الماضي، ويمكن أن تختلط المستويات دون تسلسل منطقي، بالنظر إلى أن الشخصية عنده تستحضر الأمكنة وملامحها خلال عملية التداعيات والاسترجاع، ولذلك تميل لغة الحوار في نصوصه إلى السرد من خلال توظيف صيغة الفعل الماضي، لأنها مفتاح مهم بالنسبة له لتداعي الأفكار من أجل ضمان استمرارية الحدث الدرامي وتناميه لتأجيج الصراع.
وخلص الزيودي إلى أن غنام حقق شرط “الفنان الشامل” واستحق لقب “رجل المسرح”، واصفًا إياه بـ”حائك ماهر يعمل بيده؛ يستخدم الإبرة والخيط رغم تطوّر أدوات الحياكة المعاصرة وتوفرها”.
وشارك في الندوة أيضًا، المؤلف والباحث الموسيقي نصر الزعبي، الذي قدم مقطوعات غنائية وموسيقية بمصاحبة آلة العود أُعدّت لعروض مسرحية مختلفة، كما قدم غنام غنام مشاهدَ من عرضه الشهير “سأموت في المنفى”.

إلى الأعلى