الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: الورقة تساوي شجرة .. رسالة بيئية

في الحدث: الورقة تساوي شجرة .. رسالة بيئية

طارق أشقر

الورقة الواحدة بمقاس “الايه فور” تساوي في قيمتها سعر شجرة كاملة مورقة الأغصان باسقة الساق مترامية الفروع ممتدة الجذور نحو قاع الأرض. فعلينا جميعا أن نحرص على عدم تمزيقها وإتلافها حتى لا نحرم جيلا كامل مقبلا من ثمارها… إنها رسالة ثرية بمعانيها لقنني إياها زميل عزيز من الهند الصديقة لمحني أمزق ورقة أخطأت في كتابة ما كنت أسطره عليها من كلمات ضمن مهامي المكتبية أمس الأربعاء.
رغم عدم دهشتي بما ذهب إليه الزميل من مقاربة محاسبية بين قيمة الشجرة ككتلة ثقيلة الوزن متعددة الفوائد، وبين الورقة الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها الأربعمائة واثنين وثلاثين سنتيمترا مربعا فقط، إلا أن المدهش حقا هو إمكانية أن تصبح تلك الرسالة بمثابة نص توعوي ذي أثر أقوى من غيره من النصوص والرسائل التوعوية المألوفة في مجال الدعوة لحماية البيئة والحفاظ عليها، خصوصا إذا ما تعمقنا في قراءة الدلالات التي يمكن استخلاصها من تلك الرسالة المقتضبة.
إن أول ما يمكن استنتاجه من دلالات في العبارة التي نطقها الزميل العزيز في وجهي: “الورقة الواحدة تساوي شجرة” هي إمكانية وجود معادلة حسابية حقيقية في هذه العبارة؛ باعتبار أن الورق في الأصل يصنع عبر ضغط الألياف السيليوزية المستخلصة من الأشجار بعد قطعها. فبالمنطق المباشر فإن الورقة الواحدة لا تساوي شجرة إذا كانت العملية الحسابية تقليدية بنظام 1+1 تساوي اثنين. لكن بالحساب التراكمي وبالمنطق الاقتصادي، فإن الرجل يبدو أعمق في تفكيره، خصوصا وأن اتخاذ قرار زيادة إنتاج سلعة ما في أي مصنع فليكن مصنعا لإنتاج الورق لا يتم اتخاذه إلا استجابة لزيادة الطلب على المنتج، وأن الطلب لا يزيده إلا الزيادة في حجم الاستهلاك، وبالتالي فإذا قام كل واحد منا في عالم اليوم بتمزيق ورقة وإتلافها سيقود الأمر إلى إثبات صحة مقولة الرجل بأن الورقة تساوي شجرة.
والدلالة الثانية في حديث الرجل هي أن عبارته رغم أنها يمكن أن تكون مجرد عبارة من ضمن الرسائل التي تعودنا عليها خلال العقد الأخير الذي يشهد اهتماما أوسع بحماية البيئة من التلوث، حيث اعتدنا أن نقرأ في نهائيات الكثير من رسائل البريد الإلكتروني عبارة “لا تطبع قبل أن تتأكد من أنك لن تلوث البيئة”، كما عهدنا قراءة عبارة “حافظ على مدينتك نظيفة” في الكثير من اللافتات بالشوارع بالعديد من المدن العربية وغير العربية، وعبارة “لا ترمي الأوساخ” و”لا ترمي أعقاب السجائر” لدرجة كاد أن يرسخ في أذهان المتعاطين لهذه النداءات والرسائل التوعوية الجديرة بالتقدير بأن الاهتمام بالبيئة هو فقط حمايتها من التلوث.. غير أن رسالة هذا الزميل مختلفة وغير تقليدية، وأن الدهشة منها تكمن في معنى أكثر عمقا في جانب آخر من جوانب الاهتمام بالبيئة ألا وهو عنصر “الاستدامة البيئية”.
وبمحاولة الفهم بأفق أوسع لعبارته: “الورقة الواحدة تساوي شجرة”، نجد أن الدعوة للاستدامة البيئية تكمن في مغزى عبارته وبقوة، خصوصا إذا ما أخذناها في سياقها الحسابي والاقتصادي المشار إليه أعلاه، بمعنى أن اللجوء لقطع المزيد من الأشجار لتلبية الطلب المتزايد على الورق بسبب العادة السيئة في تمزيقه عندما نخطئ في الكتابة عليه. لذلك يكون الاعتقاد بأن عدم إتلاف ورقة واحدة يمكنه أن يسهم في ضمان حق الأجيال القادمة في الأشجار خصوصا تلك التي يستخلص منها السيلليوز بعد قطعها من أجل صناعة الورق.
وعليه تظل رسالة الزميل العزيز متشعبة الدلالات، حيث يمكنها أن تقودنا أيضا إلى الدعوة لتجديد الخطاب التوعوي الهادف لحماية البيئة والاهتمام بها، إذ ينبغي علينا أن لا نكتفي برسالة أحادية المقصد وهي فقط “حماية البيئة من التلوث”، بل يجب أن تتضمن عباراتنا التوعوية أيضا الدعوة لنشر ثقافة الوعي بأهمية الاستدامة في التعامل مع البيئة ومواردها، بل إن تتضمن أيضا عبارات غير تقليدية وجاذبة في مفرداتها كما هي في معانيها ودلالاتها مثل عبارة الزميل من الهند الصديقة: “الورقة تساوي شجرة”.

إلى الأعلى