الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الفزع إلى قدرة الله تعالى

الفزع إلى قدرة الله تعالى

مفتى عام السلطنة: مسارعة الإنسان إلى مخلوقات الله من أجل قضاء مآربه أمر ينافي العقيدة الصحيحة إن كان ذلك متعدياً لحدود السنن الكونية

الإنسان عندما يباشر الأسباب يستعين بمسبب الأسباب إذ لا بد من أن يعتقد أن وراء هذه الأسباب مسبباً

إعداد ـ علي بن صالح السليمي:
من الخطب القيّمة والمتنوعة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة والتي ألقاها طوال سنوات ماضية .. نطرح معك ـ عزيزي القارئ ـ اليوم هذه الخطبة بعنوان:(الفزع الى قدرة الله تعالى)، حيث أن من أهم معالم الفكر لدى سماحته اعتماده على المنبر في الدعوة، الذي لم يكن معهوداً في عُمان في عصور سابقة ..
يستهل سماحته الخطبة بعد الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: إن كان من شأن الضعيف أن يفزع إلى القوي فإن المخلوقين جميعا أمام الله سبحانه وتعالى ضعفاء، والله وحده هو القوي القادر الذي يصرف كل شيء بحكمته وإرادته كما يريد سبحانه، فإذاً لا ينبغي للإنسان بأي حال من الأحوال أن يفزع إلا إلى الله تبارك وتعالى الذي (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء ـ 44)، فمسارعة الإنسان إلى مخلوقات الله سبحانه من أجل استنجاح طلبته، وقضاء مآربه، وبلوغ مقاصده أمر ينافي العقيدة الصحيحة إن كان ذلك متعديا لحدود السنن الكونية التي طبع الله تبارك وتعالى الناس وطبع الوجود عليها، فطلب إنسان من إنسان مثله مثلا أن يرزقه ولداً، أو أن يجعله من السعداء، أو أن يجعله من العلماء، أو أن يجعله من أهل الحظ والجَدّ، أو أن يجعله من أهل الوجاهة والقدر والنفوذ يعد ضرباً من الإشراك بالله سبحانه لأن ذلك أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وحده، وحسبكم أن كل أحد منكم يكرر في صلاته سورة الفاتحة التي يعلّم الله سبحانه وتعالى فيها عباده كيف يفردونه بالعبادة، وكيف يفردونه بالاستعانة، ففيها خطاب العباد لله سبحانه بإفراده عز وجل بقولهم:(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة ـ 5) أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا إياك، فكما أن العبادة يجب أن تكون خالصة لله وحده، كذلك الاستعانة يجب أن تكون به تبارك وتعالى وحده، وهذا لا ينافي أن يكون الإنسان كائناً اجتماعياً، يحتاج إلى مساعدة غيره، ويحتاج إلى أن يشد غيره أزره في المهمات والملمات لأن ذلك إنما هو في حدود السنن الكونية التي طبع الله تعالى الناس عليها، وطبع الوجود عليها، أما الاستعانة بما وراء ذلك فإنه يعد ضرباً من الإشراك، فلا بأس على المريض أن يستعين بالطبيب في علاجه، ولا بأس على المحتاج أن يستعين بصاحب الجِدَة في إقراضه مثلاً أو في عونه، ولكن البأس كل البأس أن يطلب المريض من أحد بأن يشفيه أي يجعله معافى بدون علاج مثلا، أو أن يجعل ذلك العلاج ميسِّرا للشفاء، فإن غاية ما يقدر عليه الطبيب أن يقوم بالعلاج، وأما الشفاء فإنه بيد الله سبحانه، وغاية ما يقدر عليه صاحب الجدة أن يقوم بتيسير المطلب من حيث الإقراض أو من حيث العطاء، ولكنه لا يستطيع من وراء ذلك أن يجعل صاحبه غنياً لأن المغني إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده، والله عز وجل علمنا في كتابه الكريم بأن كل شيء بيده عز وجل، فهو الذي يصرف الوجود بأسره، وعلمنا أن كل ما يمسنا إنما هو من قبله ضراً كان أو نفعاً، فالله تعالى يقول:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 17 ـ 18)، ويقول تعالى:(وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ((يونس ـ 107)، ويقول:(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة ـ 51)، ويقول تعالى:(مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر ـ 2)، وينعى على المشركين الذين يتعلقون بغيره سبحانه طالبين من غيره قضاء الحاجات وبلوغ الرغائب، فالله تعالى يقول:(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ((الرعد ـ 16)، ويقول:(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ((الزمر ـ38).
وقال سماحته: يخاطب الله نبيه آمراً إياه أن يُبْلِغ الخلق بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إذ يقول له ـ صلوات الله وسلامه عليه:(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف ـ 188)، ولئن كان هذا الخطاب موجها إلى أفضل الخلق وهو ملء ثيابه يمشي ذهابا وإيابا بين الناس فكيف بغيره، وكيف باللجوء إلى الموتى في المقابر أو باللجوء إلى الأنهار أو الأشجار أو الأحجار، فالفزع إلى الأضرحة والمزارات من أجل قضاء الحاجات، ومن أجل دفع المكاره، ومن أجل نيل الرغائب كل ذلك مما ينافي عقيدة الإسلام الحقة، وكل ذلك إنما هو بقايا مما كانت عليه الجاهلية الأولى، وذلك مما حذر منه النبي، إذ قال ـ عليه أفضل الصلاة والسلام:(لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وقد كان يعلم أمته كيف يستعينون بالله عز وجل في كل شيء، فهو ـ عليه أفضل الصلاة والسلام يقول:(إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
وحث سماحة الشيخ في خطبته إلى الاستعانة بالله تعالى لأنه مسبب الاسباب فقال: وفي حقيقة الأمر أن الإنسان عندما يباشر الأسباب يستعين بمسبب الأسباب إذ لا بد من أن يعتقد أن وراء هذه الأسباب مسبباً، فهو وإن استعان بالناس فيما جعل الله سبحانه وتعالى التعاون فيه من مقدور البشر، وجعله من سنن هذه الحياة فإنه في الحقيقة يستعين بالله سبحانه وتعالى الذي أقدر الناس على العون في مثل هذه الأمور.

إلى الأعلى