الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (4)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: مـراقـبة النفـس (4)

الـعـامة مـن الناس لا يـتنـبهـون إلا إلى تـلك الـمـعـاصي الـظـاهـرة التي تجـر وراءهـا الأخـطـار والآفـات

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن مـراقـبة النفـس: إن مـراقـبة النـفـس أسـهـل مـن معـالجة الـتـوبـة، عـنـدما يـترك الحـبـل عـلى الغـارب، فالنفـس كالـطـفـل إذا أعـطـيته مـراده كلـما أراد أتعـبـد صاحـبه ولابـد أن يـكـون المـؤمـن يـقـظـاً حـذراً.
ثانيهـما: أن يـكـون الـمـؤمـن قـد تـورط في بـعـض الـمعـاصي، ولـكـن عـن غـير قـصـد ، سـواء أكان مـن عـامـة الـمـؤمـنيـن أو مـن خـواصـهـم، وأنـت تعـلـم أنه ليـس في الـناس معـصـوم عـن الـمعاصي والـزلات أيا كان، إلا الأنبياء والـرسـل الكـرام، فـلا بـد أن يكـون الـستر الـذي يـسألـونه الله عـز وجـل في هـذه الحال هـو السـتر عـن أعـيـن الناس وأسـماعهـم، كي لا يـفـتضح أمـرهـم ولا يبـوؤوا بالخجـل والعار والخـزي منهم.
في أعـمالها وما جـبلت عـليه مـن حـب الـثـناء والـمـدح، فـلـذلك قـد تـنـقـلـب الأمـور رأسـاً عـلى عـقـب، فـبـدلاً أن يثاب الـمـؤمـن عـلى الطـاعـة والأعـمال التي كان يـقـوم بـها امـتثالاً لأمـر الله، فـلـذا يحـتاج إلى سـتر الله رحـمة به، مـن أن يـفـتـضح أمـره أمام الـناس.
إذن الـسـتر الـذي يـساله الـمـؤمـنـون ربهـم، مـن أي الـفـريـقـين كانـوا هـو سـتر واحـد، أي بمعـنى واحـد قـبـل تـورطـهـم في الـمـعـاصي وهـذا يـمـكـن يسـالـونه الاسـتـمـرار في الـثـبات والـتـوفـيـق عـلى الطـاعـات والابـتـعـاد عـن الـسـيئات، أمـا بـعـد تـورطـهـم في شـيء منـها وهـذا أيـضاً مـمـكـن فـيـسألـونه أن يمـد عـليـهـم كـنـفـاً مـن سـتره عـن الناس، وألا يـفـضح لهـم شـأناً، هـو وحـده الـمـطـلـع عـليه دونـهـم.
والاشـكال الثاني: أن الخاصة مـن عـبـاد الله، وهـم الـعـلـماء الـربانـيـون، لا تكاد تـمـر بـهـم حـال يـرون أنفـسـهـم فـيها متحـررين مـن السـيئات والعـصـيان، بـل إنـهـم أقـرب إلى اتهـامهـم أنفـسـهـم بأنـواع السـيئات، أكـثر مـن اتهـام الـعـامة مـن عـباد الله أنفـسهـم بها.
إذ الـعـامة مـن الناس لا يـتنـبهـون إلا إلى تـلك الـمـعـاصي الـظـاهـرة التي تجـر وراءهـا ذيـولاً مـن الأخـطـار والآفـات، فـإن لـم يـتـعـرضـوا لـشيء منها تاهـت أعـينهم عـن رؤية ما دق مـن الـمعـاصي والسيئات، التي قـد يكـونـون متلـبسين بها، وتبـلـدت مشـاعـرهـم عـن الاحـساس بـوقـوعـهـم فـيها.
أما الخـواص مـنـهم، فـهـم في كل أحـوالهـم وتـقـلـباتهم، لا ينـفـكـون عـن مـراقـبة أنفـسـهـم وعـن اسـتشـعـارهـم للـحـق الـعـظـيم لله عـليهـم، وعـن الشــعـور بالـعـجـز الـتـام عـن أداء حـتى الـقـلـيـل مـن حـقـه سـبحانه وتعالى عـليـهـم، فـهـم مـن جـراء هــذه الحال التي تـهـيـمـن عـليهـم دائـماً، يتهـمـون أنفـسـهـم بالتـقـصير ويـرون أنهـم مثـقـلـون بالسـيئات والأوزار.
فـأنى ومـتى يـتـأنى لهـذه الصـفـوة مـن عـيـاد الله الصالحين، أن يـروا أنفـسـهـم مطـهـرين مـن الـمعـاصي والأوزار، حتى يكـون هـمهـم هـو أن يسـترهـم الله عـنها، فـلا يقـعـوا في شيء منها، كي لا يـفـتـضـح أمـرهـم أمام الـرقـيـب الأعـظـم الـذي لا تخـفى عـليه خـافـية الله الـواحـد الأحـد؟.
الاشـكال الثالث: ما رواه الإمـام أحـمد والـبـيهـقي وابن ماجـة والحاكـم في المسـتـدرك مـن حـديـث عـبـدالله بن عـمـرو بن الـعـاص، أن رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم) قال:(اسـتـقـيمـوا، ولـن تحـصوا) الحـديـث، والـمعـنى احـرصـوا عـلى الاسـتقـامة عـلى أوامـر الله والانـتهـاء عـن نـواهـيه، وأعـلـمـوا أنكـم لـن تـنالـوا درجة الـعـصمة في ذلك، بـل سـيـظـل الـتقـصير في حـقـوق الله وأداء أوامـره، هـو شـأن الإنسـان وديـدنه.
وقـريب مـن هـذا الـمعـنى، ما يـدل عـليه قـول رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم)، في حـديث آخـر:(ســددوا وقـاربـوا وابـشروا، فـإنه لا يـدخـل أحـدا الجـنة عـمله) وقـد مـر ذكـره كامـلاً وبـيـان ذلك.
إذن: ألـيس في سـؤال الـعـبـد ربه أن يـعـصمه مـن مـظـاهـر الـتـقـصير، ومـن التلـبس بالـعـصيان، ما يعـارض هـذا الـذي أنبأ به رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم)؟، ألـيس الأقـرب إلى الأدب مـع الله تعالى أن يـطـمـع بـعـفـو الله وصـفحـه في كل الـظـروف والأحـوال، بــدلا مـن أن يـطـمـع بما لا يـتـأتى لـه، وهـو الــرفـع عـن سـاتر الـمعـاصي والأوزار، بحيـث يـرحـل إلى الله يـوم الـقـيامة وهـو مـرفـوع الجـبين مـطـمئن البال، لما وفـق إلـيه في دنيـاه مـن أداء كـل الحـقـوق والـواجـبات الـمـرتبة لله عـليه في عـنقه؟.
وكـيـف يـطـمـع الـمـقـربـون إلى الله بهـذا، ويسـألـونه الضـمانـة لهـم بـذلك، وقـد عـلـمـوا أن الأنبيـاء جـمـيعا، ما عــدا الـنبي محمد (صلى الله عـليه وسـلـم)، يكـونـون يـوم الـقـيامة في هـم كــبير وخـوف عـظـيـم، مما قــد بـدر مـنهـم في الـدنيا (عـلى حـد تـصـورهـم) مـن السـيئات والأوزار والآثام؟.
ألـم يـنبئنا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلـم)، أن كـلاًّ منهـم يكـون يـوم الـقـيامة مسـتغـرقـاً في الـنـظـر إلى حـاله، يـقـول نفـسي، نفـسي، ويـعـتــذر للخـلائـق الـذيـن يسـتـشـفـعـون به لـما يـري نـفـسه متلبسة به، مـن تـقـصير وعـصـيان؟، فـكيف يطـمع من هـم دون أولـئـك الـنخـبة مـن الأنـبياء والـرسـل، مـن الـمقـربـين الصالحـين أن يأتوا يـوم الـقـيامة وقــد تـمـيـزوا عـن تـلك النخـبة مـن الأنـبياء والـرسـل، بـسـبب تحـررهـم مـن شــوائب الـسيئات والأوزار.
والجـواب عـن تـلك الاشـكالات الـثـلاثة: أن الـمـقـربـين مـن عـبـاد الله الصالحـين، يخـجـلــون أذا يـتلـبـسوا بالـمعـاصي مـن رؤيـة الله لهـم وهـم عـلى تلك الحال، أضـعـاف الخـجـل، الـذي يـساورهـم مـن رؤيـة الناس لهـم، وهـم مـتلـبـسون بمـعـاصـيهم تلك، وذلك لـمـا يـعـلـمـون مـن أنهـم بمـا تـورطـوا فـيه إنمـا عـصـوا أمـر الله، ولـم يـعـصـوا أمـر عـبـاده، فـكـيـف يـكـون خـجـلـهـم مـن الناس الأشـد مـن الله الـذي عـصـوه؟، بـل يـكـون خجـلهـم منهـم مسـاوياً لخـجـلهـم مـن الله تعالى، الـذي يـرون أنـهم قـد بـارزوه هـو لا غـيره بالـعـصـيان؟.
.. وللحـديث بقـية.

إلى الأعلى