الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الضرورة اللوجستية اقتصاديا

الضرورة اللوجستية اقتصاديا

عادل سعد

لقد تأكد من دراسات ميدانية تناولت تجارب تنموية في أكثر من بلد واحد أن هذه المشكلة تقف وراء العديد من حالات السقوط في فخ الترقيع على أمل ضمان انسيابية العمل مستقبلا، ولكن أية انسيابة، إذ لا بد أن يسودها التذبذب وسوء الإدارة والفهم الضيق، بينما الوضع يتطلب أن لا يبدأ أي مشروع تنموي بالأنواع المتعددة صناعيا وزراعيا وتجاريا..

مع تباين الضرورة اللوجستية من توجه إلى آخر, تظل هذه الضرورة إحدى أولويات النجاح الاقتصادي التنموي إذا تم ضبطها ضمن مجموعة منظومات متكاملة ومتداخلة، والحال لا يمكن لأي اقتصاد مهما امتلك من المقومات المالية, والأيدي العاملة، والخبرة التقنية، وجودة المنتج, وفرصة منافسة المنتجات الأخرى, فإن التنمية بهذا الشأن تبقى مكشوفة ما لم ترتبط بتلك الضرورة اللوجستية من الحركة والإمداد والنقل والتوريد والتخزين وانسيابية الوصول إلى المستهلك، أو المتلقي عموما.
إن معالجة التحديات اللوجستية هو الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه أية خطوة اقتصادية، وهكذا يصبح قياس نمو وتطور الاقتصاد مرتبطا في قدرته على مواجهة التحديات اللوجستية باعتماد منظومة تكمل بعضها البعض في الحركة على أن تصب جميعها لصالح المشروع، وإن تباينت نسبة تأثيرها حسب الحاجة ونوعية المنتج.
إن التباين في مدى تأثير مفردات التحدي لا يمثل عبئا على الاقتصاد إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المعالجة موجودة، وأن هناك مقاييس يتم العمل بها كمؤشرات، لكن المشكلة تكمن عندما تكون معالجة التحديات اللوجستية بطريقة الترقيع.
لقد تأكد من دراسات ميدانية تناولت تجارب تنموية في أكثر من بلد واحد أن هذه المشكلة تقف وراء العديد من حالات السقوط في فخ الترقيع على أمل ضمان انسيابية العمل مستقبلا، ولكن أية انسيابة، إذ لا بد أن يسودها التذبذب وسوء الإدارة والفهم الضيق، بينما الوضع يتطلب أن لا يبدأ أي مشروع تنموي بالأنواع المتعددة صناعيا وزراعيا وتجاريا، وبالخدمات الأخرى ما لم يكن هناك رصيد ميداني قوي من المتطلبات اللوجستية القائمة على الرصد الميداني الدائم بكل ما يقتضي من معالجات، وكذلك أن يؤخذ بنظر الأولوية عنصر المبادرة في مواجهة التحديات من خلال التوقعات والإسراع في التصدي لها، ويحضرني هنا أن أشير بالمزيد من الاهتمام إلى المعالجة العمانية الرائدة في اعتماد عنصر المبادرة في هذا الشأن، فحسب ما جاء في البرنامج الوطني العماني لتعزيز التنوع الاقتصادي أن هناك ست عشرة مبادرة مهمة قطعت أشواطا في تنفيذ مسعى السلطنة لتعزيز هذا التنوع، وهذا بحد ذاته يضع استحقاقات للتطور عندما تكون هناك مراقبة دقيقة ومتواصلة لمؤشرات الأداء الوضع الذي وفر للقطاع اللوجستي العماني فرصة المنافسة في الساحة الدولية، مع ملاحظة أنه لم يغفل أي نوع من التحدي مهما كان صغيرا أو هامشيا في النشاطات البحرية والجوية والبرية، وإذا كان العمانيون قد أخذوا علما مسبقا بأهمية الضرورة اللوجستية منذ انطلاق الخطط التنموية عام 1970، فإن بلدانا عربية أخرى لا تنظر بالأهمية التي توليها السلطنة، ويعود ذلك إلى منهج التجريب المتواتر والمنافي للمفهوم القائل (قس مرتين لكي تقطع مرة واحدة), وإذا كنا في الوطن العربي ضمن أغلبية دوله نعاني مما يمكنني الاصطلاح عليه ضعف الأمن اللوجستي فإن واحدا من أسباب ذلك يعود إلى تهميش الإجراءات اللوجستية وعدم مطابقتها لمتطلبات التنمية المستدامة.
وبتوضيح إضافي, من منطلق أن اللوجستيك تعني فن وعلم إدارة تدفق البضائع والطاقة والمعلومات والموارد الأخرى، أي مما يعرف اصطلاحا فن (السوقيات) تحول هذا العلم التطبيقي إلى أحد اللوازم التي لا يمكن الاستغناء عنها، بل أصبح علم اختصاص معروفا في إدارة الأعمال, وكذلك ضمن المعارف التي تتعلق بحسن التدبير، ومما أجده طريفا هنا أن شرطي المرور الذي يفشل في ضمان انسيابية المارة والمركبات في الشارع، هو في الأسبق فاشل في إدارة شؤون مروره الشخصي، والحال ينسحب على مهمات أخرى، لأن تلبية الضرورات اللوجستية تحتاج إلى إرادة ومعارف ومبادرات وأسبقيات وقياسات وتوقع للإخفاق، وهنا يكون العقل اللوجستي قد تفهم ما يجري!!

إلى الأعلى