Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

صنع في الصين ( 1 )

أطلق قدمي للريح..
أصعد إلى السور، وأقف مطلا على تلال هونغيه، أناظر اللون الأخضر الذي يكسوها.. قبل أن أواصل المسير، وأذرع درجات السلم، وأنا احتضن نسمة هواء باردة، تمسح حبيبات العرق المتساقطة.
أصعد في نقطة أخرى، واصلا إلى تمثال الفيلسوف لاو تزي، سلم يتلوه سلم، وأنا أصعد وأصعد، ثم أنظر جهة بحر الصين، وذات النسمة الباردة تهب هنا، استقبلها فاردًا ذراعي، ثم أمضي متأملا جمال الطبيعة في جبل لاوشان بشاندونغ.
تتوالى مشاهد صعود السلالم المرتفعة، يقدم لي موظف الفندق مفتاح غرفتي التي سأقطن فيها، أنظر لرقم الغرفة، فأجدها في الطابق السابع عشر.
في المدينة المحرمة كلما صعدت سلمًا للوصول إلى إحدى مقصورات الإمبراطور، وجدت مقصورة أخرى، يفصلني سلمًا عن الوصول إليها، وساحة فسيحة بين سلمين.
في محطة القطار.. صعدت السلالم ونزلتها حتى تقطعت أنفاسي، وكان الأمر كذلك بالنسبة للطائرة العملاقة التي أخذتنا من دبي إلى العاصمة بكين.. فقد كانت ذات طابقين، وكان من حسن حظي أنني كنت من سكان الطابق الأرضي، حيث عموم المسافرين في هذه المقصورة، فيما استقر مسافرو درجة رجال الأعمال والدرجة الأولى في الطابق العلوي.
اندس في جموع غفيرة، وادخل سوق هونغ تشياو، تتزاحم الأصوات هنا، كما السلالم التي ترتفع وتنخفض حاملة اجساد المتسوقين، كل شيء هنا يبهر الزوار، كما المدينة التي تسكن خارج هذا السوق، وكما الناس الذين يملأون الشوارع والمباني والمصانع والمنازل، وحتى القطارات والطائرات وسفن الشحن.
أنت في الصين.. ولا تدري من أين تبدأ الحكاية، تكتفي بأن تفتح ستارة الغرفة رقم (1706) وتطل على الشارع المؤدي إلى منطقة وانغ فو جينغ، أو تعبر الشارع المحاذي حيث تنتشر مطاعم الوجبات السريعة الغربية، وكأنك تبحث عن دلالة الزحام على مطاعم ماكدونالدز، قبل أن تقف لمشاهدة رقصة شعبية، أو عزف موسيقي يؤديه مجموعة من كبار السن، وهم يغنون أغنية فرح على ناصية الشارع.
في زيارة لإحدى الشركات الكبرى العاملة في الصين، تنبهر بالتقنيات الحديثة التي طرأت على الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، تشاهد جهاز تلفزيون قديما يعود إلى مطلع السبعينات من القرن الماضي، ثم تشاهد ذات الجهاز، وما سيكون عليه آنيا، ومستقبلا.
ترفع قدمك.. ثم تضعها في أعلى تلة تطل على بحار الصين، تبحث عن الأسطورة المدسوسة بين أمواج البحار، وعن الفيلسوف الصيني الذي جمع كل التقاليد الصينية في مذهب واحد، وكانت فلسفته حاضرة بعمق في الفكر والحياة الصينية والكورية واليابانية والتايوانية والفيتنامية، تصعد السلم الواصل إلى أعلى السور، ومن هناك تتأمل الأعجوبة الأشد بروزًا من بين عجائب الدنيا السبع القديمة.

***

أحمل حقيبتي، مندسا عند بوابة الدخول الخاصة في مطار مسقط الدولي بمسافري الدرجة الأولى ورجال الأعمال، اتحدث مع سعود الغماري وقيس الفارسي، رفيقي الرحلة إلى الصين، مع رفاق آخرين سبقونا إلى المطار، اقف معهم في ذات الركن المخصص للمسافرين الكبار، وأنا أنظر إلى نوع تذكرتي وصفة السياحية البارزة عليها.
موظفة الطيران ترفض أن تستقبل تذكرتي، وتشير إلى مكان آخر لإنهاء السفر، انتقل إلى زميلتها، ومعها أنهي اجراءات سفري دون أن احصل على دعوة “كريمة” لدخول القاعة.
التقي بباقي رفاق الرحلة، كاظم العجمي من صحيفة الشبيبة، ربيعة الحارثية من صحيفة عُمان، ناصر العبري من صحيفة الرؤية، هؤلاء الذين اتصادف معهم للمرة الأولى، وأدون أول سطر في حكاية سفر، نكتشف فيها جميعا للمرة الأولى أيضا بلاد الصين.
من مسقط إلى دبي..
ثم ساعات انتظار تمتد إلى أكثر من ثماني ساعات.. بعدها نحلق في طائرة عملاقة، ونأخذ مكاننا بين مقاعد الدرجة السياحية، فأشعر بالرفقة الطيبة كأنني في مقاعد الدرجة الأولى.. وأمضي وأنا اكتشف أول صور الطعام الصيني، حينما همس لي كاظم العجمي الجالس بمحاذاتي بأن رائحة أحد الأطعمة المقدمة لنا في الطائرة هي ذاتها رائحة الطعام الصيني.
وكان أن وضعت الطبق جانبا، وأكلت من شرائح الخضار والفواكه المقدمة.. وأنا انظر حولي، وأرى نهم ركاب الطائرة وكان أغلبهم من الجنسية الصينية، يأتون على الطبق بنهم شديد.
كانت ساعتي تشير حينها إلى الثامنة صباحا.. ولم أتبين من الخريطة المعروضة على شاشات الطائرة، في أجواء أي بلاد نحلق، لكني جزمت أن الهند باتساع جغرافيتها هي التي تحتوينا، تذكرت حينها حديث ملك النيبال لسفير عُماني حينما تقبل أوراق اعتماده وهو يحكي له بحزن، كيف أن بلاده تجاور الصين والهند أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان، إذ يتجاوز عدد سكان كل منهما مليار نسمة، وأن تعداد سكان النيبال لا يتجاوز الـ (28) مليون نسمة.
تذكرت ذلك، وأنا اخمن كيف كان شعور السفير، وعدد سكان بلاده ملايين معدودة لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة، راسمًا في خيالي كيف سأرى هذه البلاد، وكيف تتوزع هذه المئات من الملايين في شوارع الصين، ومدنها.
كانت الصورة الأولى للاكتظاظ البشري، واضحة في الطائرة التي أقلتنا من دبي، والتي شعرت أنها أخذت كل الموجودين في مطار دبي الدولي في تلك الساعة، فقد كانت خراطيم الطائرة الأربعة تبتلع المسافرين نحوها من كل الجهات.
عرفت فيما بعد أن الطائرة أقلت ما لا يقل عن (580) مسافرًا، دفعة واحدة، وأن خطوط الطيران إلى مطار بكين مزدحمة بالمسافرين، وكانت هذه الصورة ذاتها ما وجدته ونحن ننتقل من العاصمة بكين إلى مدينة تشينغداو في شبه جزيرة شاندونغ، عبر القطار فائق السرعة، إذ ابتلع القطار مئات المسافرين، ومضى يشق الطريق إلى الإقليم بسرعة قاربت الـ (350) كيلو مترا في الساعة.
في مطار بكين، وبعد أن حطت الطائرة، كان علينا أن نتبع المسار المؤدي إلى إنهاء اجراءات الوصول، واستلام الأمتعة، قبل أن يقدم سعود الغماري لنا رقم هاتف طلب التواصل معه، لإعلام المرافقة التي ستكون معنا بوصولنا، وأن عليها أن تنتظرنا في مكان بارز..
استقللنا قطارًا يصل بين مبنى الوصول، ومكان استلام الحقائب، ثم وقفنا في صف طويل، ونحن ننتظر دورنا لإنهاء إجراءات الدخول، كانت الصفوف تتحرك بانتظام، وموظف الأمن يتفحص صورة الواقف أمامه وصورته في جواز السفر، ثم ينظر إلى الشاشة الموضوعة امامه، ويعدل من وضع الكاميرا، قبل أن يهوي بالختم على الجواز، ويُفتح الحاجز إيذانًا بالسماح بدخول البلاد.
كان الجو في الخارج غائمًا قليلا، مع درجات حرارة متوسطة، وخلف حاجز حديدي بدا الكثير من المستقبلين، وهم يرفعون لوحات كتبت بلغات مختلفة، عليها اسماء أو مجموعات الواصلين، وكنت أمر أمامها وأنا افتش عن أسمائنا، وأي من المستقبلين والمستقبلات يرفعها، حينما لمحت ابتسامة فتاة صينية، وكأنها عرفتنا من ملامحنا العربية، وهي تشير نحونا، كانت الفتاة ترفع لافتة باللغة الإنجليزية عليها أسماؤنا، ولافتة أخرى تحمل عبارة “الوفد الإعلامي العُماني”.
قدمت الفتاة لنا اسمها، بعربية فصيحة.. أنا أمينة من شبكة الصين الإخبارية، وسأكون معكم خلال هذه الزيارة.
في البطاقة التعريفية التي قدمتها لنا أمينة، قرأنا اسمها بينغ زيكيان، فخمنتُ أن اسم أمينة هو ترجمة لاسمها الأصلي، أو أنها اختارت اسما سهلا، نناديها به.
ومع أمينة تعرفنا على رونج تشانج نائب رئيس المديرية العامة للشؤون الدولية برابطة الصحفيين بعموم الصين، كانت الإبتسامة هي قاسمنا المشترك، ونحن نتبادل اطراف الحديث، وننظر إلى “أمينة” وهي تترجم من العربية إلى الصينية، والعكس.

***

لا تبدو العاصمة بكين، كما المدن المزدحمة التي عرفتها، مثل مومباي وكراتشي وحتى القاهرة، فالشوارع منظمة، ونظيفة، وخطوط السلامة المرورية بارزة، والأرصفة نظيفة، ولا عوادم تزكم الأنوف، كما لا يسمع المرء أبواق المركبات وهي تزمجر شرقا وغربا، وخطوط المشاة محددة، كما أن اشارات المرور تفصل بين طريق وآخر، ولا تجد من يتجاوز القانون، أو يدخل الشارع من غير التفرعات المحددة، والكل يسير بنظام وانتظام.. للشاحنات الكبيرة طريقها الخاص، وللسيارات الصغيرة والحافلات طريقها.
بالإضافة إلى نظافتها، فإن الساحات حول الطرق والشوارع مزدانة بالأشجار والزهور بتنسيق جمالي، وتطل واجهات المباني والعمارات الضخمة على الشوارع بتكويناتها الهندسية المختلفة، رافعة بعضها أسماء علامات تجارية شهيرة، وإعلانات مختلفة، ولوحات إرشادية، بمسارات الطريق، وأسماء المناطق والشوارع.
في الفندق الذي نزلنا فيه، أطللت من نافذة الغرفة على الشارع المواجه لي، مركبات تعبر الطريق، ودراجات هوائية تسير بمحاذاتها، وأخرى متوقفة في أماكن مخصصة، ومارة يذرعون الطريق ذهابًا وإيابًا، وعامل نظافة يكنس الرصيف، وغير ذلك كانت أضواء لوحات الإعلانات قد تداخلت مع أضواء الشوارع والمركبات..
قرأت بضع كلمات صينية، لم أفهم معناها، ولا كيفية رسم حروفها، وبدت لي بينها كلمات باللغة الانجليزية لعلامات تجارية مشهورة، بعضها خاص بالأطعمة والمأكولات، والآخر خاص بالأزياء والساعات والسيارات والأحذية..
كانت الساعة تقترب من السادسة مساء، وقد هبط الليل، وحان حينها موعد العشاء، ورغم أن الوقت لذلك بالنسبة لنا مبكرًا، إلا أن أمينة أخبرتنا أن الصينيين يأكلون باكرًا، على عكس بعض الشعوب الذين يتناولون العشاء في وقت متأخر، إذ يتم تقديم العشاء عند الساعة السادسة مساء، والغداء عند الساعة الـ 11:30 صباحًا.
كانت الخيارات المقدمة للعشاء في مطعم الفندق واسعة، فمن الخضار والفواكه واللحوم، تحتل الأسماك والبيض والأصداف البحرية والشعرية مكانًا بارزًا، وكان علينا أن نتوقف طويلًا أمام كل طعام، لنتأكد أنه “حلال”، كانت أمينة منقذا لنا، حينما أشارت إلى مجموعة من الأطعمة بأنها ليست “حلالًا”.

***

الليل في بكين.. بهجة أخرى، وفرح تعيشه الساحات والشوارع وميادين الأسواق، هو صورة من صور الحياة في الصين، يكشف طبائع وصفات الصينين وحبهم للمرح، كما هو حبهم للعمل والإنجاز، كان اكتشاف هذه الصور، ومعايشتها محض صدفة، حينما قررنا أنا وكاظم العجمي وربيعة الحارثية التجول في المنطقة المحيطة بالفندق، والتعرف على نوعية الأسواق والمحلات التجارية من حولنا.
أخذنا بعضنا بعد العشاء، ومضينا في طريق لا نقصد اتجاهًا معينًا، حتى شاهدنا مجموعة من الناس يتحلقون حول مجموعة أخرى من كبار السن الصينيين يؤدون رقصة شعبية على ايقاعات موسيقية، كان الرقص يكتسي بالفرح والبهجة، وبانسجام بين الراقصين وحركاتهم.
توقفنا قليلا، نشاهد الرقصات، ونحاول أن نكتشف سر الشباب الذي يتمتع به الكهول، وكيف يستمتعون بلحظات حياتهم، وأي بهجة صعدت إلى أرواحهم في تلك اللحظة، حتى وجدتهم كما العصافير تغني وترقص.
كانت العروض الفردية والجماعية تتوزع بطول الشارع وعرضه، ففي حين كان مجموعة من الصينيين يؤدون رقصة شعبية، كان آخرون في الجوار يؤدون رقصة أخرى، بكيفية مختلفة، وبالقرب عازف يبدع لحنًا شجيًا على ألة الأرهو، وهي من أهمّ الآلات الموسيقية الوترية الصينية التقليدية، ومكوناتها بسيطة، بجانب جمال اللحن الذي ينبعث منها.
كان أحد العازفين أعمى، وقد وضع أمامه عبوة صغيرة لجمع المال من المارة، فيما يتحلق حوله بضعة اشخاص، وقد أسرهم اللحن الحزين، وفي قبالة الرجل كانت أضواء مطاعم الماكدونالدز، تجذب الذين “تغربوا” وفضلوا تناول الوجبات الأميركية على الصينية.
بدا الشارع ساحة رقص متعددة الأنماط والمجالات، أفراد ومجموعات تؤدي رقصاتها، فالأمر لا يحتاج أكثر من مكان واسع، كرصيف أو ساحة مبنى، وجهاز تسجيل، وتبدأ الرقصة بحسب نوعها وعدد المشاركين فيها.
وقد يجود بعض المارة بنقودهم على اعضاء الفرقة، من خلال وضع العملات الصغيرة في إناء معدني، أو قطعة قماش موضوعة لهذا الغرض.
كانت عدسة كاظم العجمي تصور مشاهد الرقص تلفزيونيًا، أما ربيعة الحارثية فاكتفت بتصوير مقاطع قصيرة وصورا للبث عبر حساباتها في مواقع التواصل الإجتماعي، كنا جميعا في فرجة مسرحية جميلة، استمتعنا بها في أول ليلة لنا في بكين.
ولأن المحلات التجارية تغلق في العادة مبكرًا، فإن حال شوارع المدينة كانت كذلك قد بدأت تقل حركتها مع توالي ساعات الليل، وبدأ الكثير من الناس يلمون امتعتهم، ويرحلون إلى وجهاتهم ومنازلهم، ومرة أخرى تذكرت قول أمينة، إن الصينيين في العادة لا يفضلون السهر، وينامون مبكرًا، استعدادا للعمل باكرًا في اليوم التالي.
كان أثر الرحلة، وإرهاق السفر قد وضح على ملامحنا، وكان علينا وفق البرنامج المعد للزيارة أن نقوم مبكرين، ولذلك أقفلنا عائدين إلى الفندق، تشيعنا أضواء المدينة، وأنوارها المتلالئة بين أنوار الشوارع والمباني وإضاءات الاعلانات التجارية التي ملأت الشارع والواجهات، على مساحات مختلفة.

***

لا يمكن أن تكون في بكين، دون أن تزور أعجوبة الصين الأولى، والأعجوبة العالم الأبرز.. والذي يمتد على الحدود الشمالية والشمالية الغربية للصين، بطول يتجاوز (2400) كيلومتر.
الطريق الواصلة إلى منطقة جين شانج لينج، وهي المكان الأفضل لزيارة السور، استلزم المسير فيها ساعتين بالحافلة، وكان علينا أن نسير في الشوارع الفسيحة تارة، وفي مناطق الحقول والمزارع والأرياف تارة أخرى، غير أن الأهم أن الطريق لم يكن مزدحما في أي نقطة عبرناها، فقد كان المسير سلسًا، والطريق مفتوحة، وأن بدت آلاف المركبات بأنواعها تعبر الطريق.
نقطة الوصول بدت منطقة سياحية بامتياز، حيث المرتفعات الجبلية الخضراء، بجانب تصميم ومعمار مركز الدخول، الذي استكمل جماليات المنطقة، مع الصورة الخلفية البعيدة للسور، وهو يمتد بحصونه ودفاعاته العتيدة. كان الدخول إلى منطقة السور محددا برسوم تبلغ (50 يوان) أي ما يقارب (ثلاثة ريالات عُمانية) لكل شخص.
كانت التذكرة تشمل الانتقال عبر الحافلات إلى داخل المنتزه الواصل إلى السلم الصاعد نحو السور، وهي مسافة تقارب ثلاثة كيلومترات، تمر الحافلات بشكل منتظم، لتأخذ الزوار الذين خصصت لهم أماكن للوقوف وانتظار الحافلات التالية.
بعد الوصول إلى السلالم الواصلة نحو السور، اختار مرافقونا أن نصعد إلى الأعلى عبر التلفريك، وهو ما يعني قطع تذاكر جديدة برسوم أخرى، تبلغ ريالين عُمانيين تقريبا، والتلفريك يأخذ الزوار كما الحافلات بشكل دوري ومنتظم، لا يفصل بين المقصورة والأخرى أكثر من دقائق قليلة معدودة، يحلق بعدها نحو المرتفعات الجبلية الخضراء، ليجد الزوار أنفسهم وجها لوجه مع سلم آخر، يصل نحو ممر السور مباشرة.
كان المكان مهيئا لإقامة احتفالات ومعارض، وفعاليات وأنشطة ترفيهية، وانتشرت دورات المياه في كل مكان، بجانب الأكشاك والمحلات التجارية الصغيرة التي تبيع كل شيء تقريبا من التذكارات الخاصة بالسور، وحتى الصناعات الصينية اليدوية والتذكارات الخاصة بالصين والمرطبات والمأكولات الخفيفة.
ولأن المسافة الواصلة إلى ممر السور، تتطلب جهدا بالغا، فقد وجدنا أنفسنا ننقسم إلى مجموعات صغيرة، كل حسب قدرته ولياقته البدنية.
كان سور الصين العظيم فرصة لاستكشاف هذه اللياقة، وإثبات القدرة الرياضية والجسمانية، ولم يكن غريبا بالنسبة لنا أن نجد أنفسنا ونحن نلهث من الصعود والمشي الطويل، لكن ما كان غريبا أكثر هو رؤية كبار السن، وقد صعدوا السلالم وواصلوا المسير في ممر السور دون أن تتقطع أنفاسهم، أو يبحثوا عن مكان للراحة والتقاط الأنفاس.
كانت أمينة تحفزنا على مواصلة المسير، وتطمئن على كل شخص منا، فيما كانت المناظر الجبلية الخلابة تأسرنا بجمالياتها، وتستوقفنا تارة للتصوير، وتارة أخرى للتأمل والمشاهدة، واكتشاف عبقرية البناء التي تتجلى في هذا المكان.
قرأت أمينة، وهي تتصفح أحد المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت، بعض المعلومات عن السور، وهي المعلومات التي وجدتها ماثلة أمامنا من خلال عظمة البناء وعبقرية التخطيط والهندسة التي يتمتع بها السور، والدفاعات التي يمتاز بها في كل موقع.
ولأن السور يمتد لأكثر من (2400) كيلو متر، فإنه بالتأكيد يمر بتضاريس جغرافية مختلفة ومعقدة، حيث يعبر الجبال والجروف ويخترق الصحراء ويجتاز المروج ويقطع الأنهار.
كان السور واحدا من حكايات الصين العجيبة، كان اسطورة أو أقرب من ذلك.. فهو السد الذي بناه ذو القرنين، ليحبس حوله قوم ياجوج وماجوج، والسور الذي بنته الشياطين والجان، والسور الذي استلزم مئات السنين لإتمام بنائه، وحكايات عديدة لا تجد لها سندا، يرجح صحتها.. لكن الأكيد أن سور الصين العظيم يمثل عزيمة أمة، وبسالة شعب في تشييد بناء دفاعي يحمي الصين من الغزاة، ويصد هجوم الأعداء.. كان ذلك قبل الميلاد بأربعة قرون.
ومهما تكن أعداد الجموع التي شاركت في العمل، والمدة الزمنية الطويلة التي استغرقها بناء السور، فإنه لم يؤد وظيفته الدفاعية التي أريد لها، لكنه أدى وظيفة أخرى أهم، فقد كان أبرز معالم الصين السياحية، وأهم عجائب الدنيا السبع الباقية، وظل السور ماثلا يحكي قصة واقعية عن الإرادة والصمود والتحدي والبسالة.. وتلك بعض صفات شعب الصين العظيم، الذي ردد كثيرا نشيدًا وطنيًا لشاعره الكبير تيان هان، يقول مطلع كلماته:‏
انهضوا يا من ترفضون‏
أن تكونوا عبيدًا..‏
من دمنا، من لحمنا‏
نبني لنا ..‏
سورًا عظيمًا جديدًا.‏

للتجوال بقية..

تجوال: خلفان الزيدي
Twitter: @khalfan74


تاريخ النشر: 17 سبتمبر,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/215625

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014