الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الأدبي وحتمية التغيّر

النقد الأدبي وحتمية التغيّر

مدخل
منذ ما يقرب من تسع سنوات والدراسات التطبيقية في مجال النقد هي المسار الذي حاولت فيه دراسة المنتج الأدبي ، كانت محاولات مختبرية تجريبية لعدد من المناهج والطرق التي حاولت فيها سبر أغوار النصّ الأدبي بمحمولاته، وقد سنحت الفرصة في الآونة الأخيرة بأن أقوم بمراجعة كل ما كتبته طيلة هذه السنوات، وقد لفت انتباهي أن الدراسات التي قمت بها أخذت جوانب مهمة يمكن أن تُشَكّل توجها نقديا جديدا إذا ما تمت صياغته ووضعت قوانينه وشروط تحققه، ومن ثم دراسة هذه القوانين والشروط لتفضي إلى ما أحاول أن أحققه من خلال عملية التنظير لاحقاً؛ إنها مجازفة خطيرة ، لا أدعي منذ البداية أني أملك هذه الطريقة الجديدة، ولست متأكداً ما ستُفضي إليه ، علينا الانتظار حتى النهاية ، الطريق مليئة بالعثرات والثغرات.

لم تَعُد الدراسات الجمالية للأثر الأدبي مُنصفة له، ولم تعد التحليلات الفنية التقليدية قادرة على سبر أغوار النص، وبالتالي كان لزاماً تدشين مرحلة جديدة من النقد والتحليل والرؤية، مرحلة لا بدّ لها من أن تتمرد على الأعراف النقدية الجامدة، وظلت طيلة السنوات الماضية تجترّ طريقتها ويتم تلقينها للطالب في مرحلة الدراسة الجامعية في كثير من جامعاتنا العربية ، ليس كدراسة تاريخية بل بتطبيقها على الأثر الأدبي .
لقد دخل النصّ منذ سنوات طويلة مرحلة تجاوزت النقد الأدبي الكلاسيكي الذي ما زال بعض حرّاسه يدافعون عنه بشدّه ، ويشيحون بوجوههم عما أنتجته الحداثة سابقا ، وما تنتجه مرحلة ما بعد الحداثة ..
إن السؤال المطروح هنا : من الذي تجاوز الآخر هل النصّ الأدبي أم النقد الأدبي ؟ النصّ الأدبي منذ نشأته الأولى يحمل مواضيعه ذاتها، لكن الطريقة تختلف من شكل لآخر، إذن ما الذي أدّى طيلة هذه السنوات إلى تطور هذا النصّ ؟ إن عملية تطور النصّ الأدبي مرهونة بتغيّر وتطور الوسط المحيط ، المجتمع ، والتيارات المؤثرة ، ولذلك يمكن القول : إن الإشكالية تتمفصل حول ما يريده المجتمع وما يرفضه، لكن لو تابعنا هذا القبول والرفض سوف نجده مؤدلجا بخطابات تشكّلت ضمن مرحلة معينة من فترة الاستعمار الغربي للمنطقة العربية، ثم تمخضت عنها تشكّلات للخطاب لمرحلة ما بعد الاستعمار.
النقد الأدبي حرّك السجال بين القديم والحديث، وقد استطاع النقد الأدبي الحديث أن يساهم بشكل كبير في تطور النصّ الأدبي شكلاً ومضمونا، موجهاً وفاتحا لمرحلة لا تقبل الرجوع بأي مسمى كان وبأي طريقة كانت، مما أحدث ربكة في الساحة الأدبية العربية، بين متمسكن بالتراث النقدي وبين محاول لإدخال النقد الجديد إلى منظومة الأدب العربي .. وما زال هذا الصراع قائما ..
اصبح علينا دخول مرحلة النقد الجديدة، ليس بطريقتنا، ولا بشروطنا، ولكن بطريقة العصر وبمتطلباته، وإلا سوف يتجاوزنا هذا النقد الجديد، وبالفعل فقد تجاوزنا وابتعد ، ولأسباب مرجعيتها لخطابات متعددة تحاول العودة إلى التراث؛ ومفهوم ( العودة ) جعلنا نجتر النقد إلى العصر الراهن، حيث سيطرة الخطاب النقدي الجديد، الذي ادخل المؤسسة الأكاديمية العربية في تخبط صَعّبَ الولوج إلى الخطاب الجديد .
من هنا يمكن القول إن الخطاب النقدي الجديد فتح الباب على مصراعيه لتلقي فلسفة ما بعد الحداثة، وكيفية الاستفادة منها وتوظيفها بتجريب قوانينها وشروطها ونتائجها على النقد .. هذه الفلسفة التي وظّفت كثيرا من العلوم ( ألسنيات وتحليل نفسي وتاريخ ووو..) حتى تستطيع فهم سيرورة وصيرورة المجتمع ، وكل ما أنتجه الإنسان عندما أصبح الانسان المحور والمستهدف حيث نزعة الأنسنة، والتي في المقابل وجدت من يعلن موتها .. إن التوظيف الذي استندت عليه فلسفة ما بعد الحداثة لتلك العلوم الجديدة ، ايضا استفاد منها النقد الأدبي إما مفردة أو مجتمعة لدراسة المنتج الأدبي ، عبر تلك الفلسفات، ولذلك النقد الجديد لم ينشأ بمعزل وضمن إطاره المحدد .. من هنا فإن الخطاب النقدي الجديد فتح الباب لتشكّل منهجيات جديدة ليس هدفها تأطير النقد ضمن حدود أحادية، إنما تعددية لتشمل كل منهج وطريقة تثبت أنها قادرة على تحليل ودراسة وسبر أغوار المنتج الأدبي بشروط وقوانين لديها القابلية على التأسيس.
لم يعد المنهج الواحد في النقد الأدبي الجديد قادراً على دراسة المنتج الأدبي، لقد اصبحت فروع المعرفة هي الأرضية التي يجب الانطلاق منها لدراسة المنتج الأدبي، حتى يستطيع النقد الوصول إلى نتائج تحقق الهدف المرجو من الدراسة .
إن ما قُمتُ به خلال السنوات التسع السابقة هو ما ذكرته سابقا فتحت جبهة لدراسة النصّ الأدبي موظفاً فيها عدة علوم معرفية، لكنها بطريقة لا تعرف لها هدفاً، في مرحلة لاحقاً وبعد مدة من المراجعات وجدت أن الذي أقوم به من دراسات تطبيقية اصبح يتشكل ويتبلور بطريقة بدأت تتضح ملامحها، وقد آن الآوان كي أقوم بالتنظير للطريقة التي دَرَستُ بها تلك النصوص ..
من بين اكثر المنهجيات التي جرّبتها واصبحت تسم الطريقة التي اشتغل بها في دراسة النصوص هي بنية الزمن في النصّ الأدبي الشعري وذلك عن طريق التنظير لما يمكن أن نسميه الومضة الزمنية؛ لقد حدث ذلك من خلال توظيفي للنظرية النسبية العام لآنشتاين، وما يسمى ( السفر عبر الزمن ) ليفتح الباب لدراسة النصّ الشعري .
إن المحور الرئيسي في دراسة الزمن – شعريا – هو ما يمكن أن نسميه الزمن الذهني الذي يعتبر مصدر الايحاء الشعري، من خلال انتقال يحدث من الزمن الآني إلى الزمن الذهني في تشكّلات من خلال الذهاب والعودة ، لذلك الجغرافيا تتضح ملامحها في تلك الصورة الذهنية التي وظّفت كل أشكال الزمن لتصبح الصورة الذهنية هي نفسها الجغرافية التي سوف تكون مصدر الايحاء الشعري؛ ولكن كيف يحدث كل هذا ..؟ ، بمعنى الآلية التي تعمل بها وما وصفناه بالومضة الزمنية؟ كل هذا كان قد حدث من خلال اشتغالي على النصّ الأدبي سابقاً.
لقد قُمت بملاحظة تشكّل العلاقات والترابط بين عناصر النصوص الشعرية ، وذلك بعد أن اصبحت لغة شفوية أو مكتوبة ، بعد تشكلها ضمن الصورة الذهنية، لاحظت أن هناك عدة مستويات وأشكال للعلاقة التي تربط بين العناصر في النص الشعري ، بعضها ينتظم في علاقة متسلسلة مترابطة لكنها تحدث ضمن مستويين؛ ظاهري محسوس ، وداخلي ضمني ، وبعضها الآخر يرتبط بعلاقات تبادل مواقع، ومن خلال كل هذا التعدد في مستويات العلاقات بين العناصر نجد انقطاعاً في هذه العلاقات في فترات معينة ، ولكن ما حقيقة هذا الانقطاع ..؟ ، إذن لا بدّ من دراسة شكل الانقطاع وسماته ، وهل بالفعل أن هذا الانقطاع حاصل بسبب قطيعة لغوية ..؟ ، ماذا يحدث وراء الانقطاع في العلاقة، أم أن هناك اتصال خفي وجب علينا اكتشافه ومعرفته من خلال فهم آلية عمل كل المستويات السابقة في العلاقة ضمن البنية النصّية؟ سوف يفتح لنا هذا الباب لدراسة المعاني وطريقة ولادتها وتوليدها، ثم نشوء حركة انتظام مركزية يدور حولها تعدد المعاني المنبثقة من المعنى الأصلي، وهل بالفعل يمكن أن يكون هو المعنى الأصلي ؟ مما يمهد لنا الطريق لدراسة الدلالة في النص من خلال تشكّل سابق عبر مقولة الومضة الزمنية وتشكّل العلاقات وصولاً إلى المعاني في النصّ الشعري .
بالنسبة للأمثلة التي سوف اعتمد عليها كتطبيق هي في الشعر الفصيح (قصيدة النثر) ، وكذلك الشعر الشعبي المعاصر ، وكل النصوص الشعرية لكتّاب عُمانيين .
***
رغم المزالق الكثيرة التي وقعت فيها في دراساتي التطبيقية ، ورغم ما سوف يعتري ما سأقوم به لاحقاً من عقبات، ورغم أني متورط في هذا الفعل، فإن الكتابة تظل الطريق والطريقة التي تمثلني، أحاول من خلالها أن اشطح وأختبر وأجرب كلما وجدت ذلك ممكناً.

فهد مبارك الحجري

إلى الأعلى