الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / عمارة الأطفال والبيئة الحضرية 4

عمارة الأطفال والبيئة الحضرية 4

الأطفال والبيت وتغيير البيئات الاجتماعية والثقافية
من الجدير بالملاحظة أن طريقة استخدام البيوت قد تغيرت بشكل كبير على مدى جيل واحد، حيث كان أكبر تغيير هو مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال في البيت. ومن الملاحظ أيضا أن تجربة الأطفال في البيت متنوعة أيضا، حيث تتراوح بين اللعب والتعلم والدراسة وممارسة النشاطات الاجتماعية وبها تصقل شخصية الطفل وبخاصة في السنوات الأولى من حياته. وتتأثر البيوت بشكل كبير بالتغيرات المجتمعية الخارجية، والتي بدورها لها تأثير مباشر على الأطفال كأفراد في الأسرة، ولكن مدى هذا التأثير يعتمد على الوقت الذي يقضيه الأطفال في البيت. ولكن يلاحظ ان التغيرات الاجتماعية والثقافية باتت أكبر من أي وقت مضى بالنسبة للأسرة التي تعيش في المدينة والتي هاجرت من موطنها الأصلي. وفي هذا الإطار فإن تعبير “البيت” يحتاج إلى إعادة تعريفه في عالم متغير عالمي، حيث تصبح العديد من العائلات المهاجرة ملحقة بمنازل “اثنين” بدلا من “مكان واحد” فقط. وبهذا المعنى، تصبح قضية “البيت المشترك” مهيمنة في الغرب، حيث يوجد لدى العديد من العائلات المهاجرة متعلقات متعددة، تعبر عنها بوضوح المجموعات الإثنية في لندن، على سبيل المثال، حيث يمكن للأطفال التعبير عن علاقاتهم مع البلدين – لندن والوطن الذي جاء الآباء منه. والمساكن المشتركة بهذا المعنى ترتبط ارتباطا ثقافيا واجتماعيا وترتبط بقوة بالهوية. وأظهرت دراسة أجريت على 55 طفلا، من قبل ماند (2010) أن غالبية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و 10 سنوات من بنغلاديش أظهروا صلات ثقافية واجتماعية قوية بكلا البلدين.
إن العلاقة بين الأماكن المغلقة والفراغ الخارجي والوقت والنشاط للأطفال قد اظهرت تغييرات ملحوظة وقد تم بحثها ودراستها بما يتماشى مع الحد من التنقل المستقل وما يرتبط به من انخفاض في اللعب الحر للأطفال ومدى الاستكشاف من قبل العديد من المؤلفين بما في ذلك ترانتر (2006)، فريمان وغيغ (2009) وغيرهم. ووجد أن الوقت في البيت يزداد مع انخفاض مستوى اللعب في الهواء الطلق للأطفال بما يتماشى مع انخفاض التنقل المستقل، في حين أنه يتناقص مع زيادة رعاية الأطفال في الأماكن رسمية، مثل رعاية ما بعد المدرسة أو الحضانة، بدلا من العناية بهم في البيت. أما فيما يتعلق بالبيئة المبنية، فقد تغير الفراغ المهيمن بين القطاعين العام والخاص بشكل كبير بين البالغين والأطفال، حيث وجدت دراسة أجرتها ليا كارستن في أمستردام أنه خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، كان الشارع في الغالب مساحة مخصصة للعب الأطفال، ولكن الآن أصبح مليئا بالسيارات ومخصصا للكبار والبالغين.أما بالنسبة لمساحة البيت الخاصة، فقد أصبحت مساحة الكبار على نحو متزايد هي مساحة الطفل. ويرجع سبب ذلك إلى تغيرات في الأسرة وفي البيئات الخارجية والآراء المجتمعية. ووجدت الدراسة أن حجم الأسرة في أمستردام انخفض من 3.75 في عام 1950 إلى 1.98 في عام 2000، مما أدى إلى مساحة متاحة أكبر في الأماكن المغلقة. ووجدت الدراسة ببساطة أن زيادة المساحة الداخلية هي نتيجة لمساحة متوفرة اكثر نظرا لانخفاض حجم الأسرة، في حين أن مساحة الشوارع واللعب في الهواء الطلق أصبحت أقل، وفي ثلاثة شوارع تمت دراستها في أمستردام، فقد تضاءلت المساحة الخارجية للعب الأطفال بشكل ملحوظ.

الأطفال والحي كمركز للتفاعل الاجتماعي والثقافي
كان الحي المحلي، الذي استخدم بالتبادل مع مصطلح “المجتمع”، مرتبطا ارتباطا وثيقا بالإشارة إلى العلاقة الاجتماعية لمجموعة معينة ومكان للتفاعل. ومع ذلك، يجادل بعض المفكرين حول هذا الربط وما إذا كان يتآكل حيث تتناثر حياة الناس بشكل متزايد عبر مساحات واسعة من المدينة، في حين يرى آخرون أن الأحياء تبقى جزءا قيما لا يتجزأ من الحياة الحضرية، حيث العلاقات بين الجيران مستمرة. وبالنسبة للأطفال، يلعب الحي دورا أساسيا في حياتهم. فالأحياء هي أماكن حيث يبدا الأطفال في مواجهة العالم الكبير خارج البيت وحيث تصبح حياة الأطفال جزءا من الحياة العامة على نطاق أوسع. هذا الإنتقال إلى الإستقلال يمكن أن يحدث إذا كانت المتجاورة السكنية والحي بمثابة قاعدة في حد ذاتها كمكان اجتماعي يوفر خبرة جيدة .غير أن الأحياء مختلفة، اجتماعيا وحسيا فيزيائيا، وكذلك من حيث سلامة الأطفال ورفاههم.
فالحیاة الصديقة للطفل تختلف اختلافا طفیفا عن حیاة مجموع السکان، حیث ینبغي أن تتکون من عنصرین أساسیین: أن تکون اجتماعیا جیدة وسليمة حسيا، وأن توفر الصلات الاجتماعیة والانتماء والرفاه. وهو المكان الذي يشعر الناس بالأمان، وبالاهمية والدعم. وهو ينضح “بالجوار”، وهو مصطلح يشير إلى التبادل اليومي بين الناس، الذي ينطوي على التنشئة الاجتماعية، وتقديم المساعدة. والتكافل، فتلك الأماكن المجاورة تشجع حسن الجوار والتعايش الاجتماعي السليم، حيث يتصل الناس أكثر مع الناس في المكان الذي يعيشون فيه ويمكن للأطفال أن يكونوا عاملا محفزا لهذا التنشئة الاجتماعية لأن البعض يقولون إن “وجود الأطفال يلعبون في الشارع يمكن اعتباره اختبارا لمستوى التماسك المجتمعي في الحي”، في حين يرى فيه البعض الآخر دلالة على التفاعل بين البالغين. ومن ناحية أخرى، قد تواجه العديد من الأسر، ولا سيما المهاجرين، مشاكل العزلة الاجتماعية، مما يضع على عاتقهم مسؤولية تحمل مسؤولية رعاية الأطفال. ويتضح هذا في الغرب، مع تزايد ظاهرة الاغتراب، وظواهر مستحدثة منها ما يعرف بالإسلاموفوبيا، والتغيرات الأخيرة التي يشهدها العالم الحديث، والتي تحتاج إلى إعادة النظر في إعادة بناء علاقات جيدة في الحي والثقة والتماسك من أجل سلامة الأطفال ورفاههم لأنهم سيكونون المواطن المستقبلي بغض النظر عن الدعاية الإعلامية التي تسبب انقسام اجتماعي بين مختلف الطوائف. ويعرف المفهوم الإيجابي الرئيسي في هذا الصدد بأنه “رأس المال الاجتماعي” الذي يعتبره باساني الموارد الاجتماعية الإيجابية وعلى انه “نتاج العلاقات الاجتماعية”، مما يعني الثقة والمعاملة بالمثل والقيم المشتركة ووجود شبكات اجتماعية قوية.
ومن أجل ذلك، فإن التصميم الجيد للحي أمر ضروري، حتى يتمكن الوالدان من القيام بدور احتياطي عندما تفشل ترتيبات رعاية الطفل، وتوفير نماذج بديلة، وتوسيع نطاق فهم الطفل وخبرته في المجتمع. وينظر إلى عزلة الوالدين على أنها تأجيج ما يطلق عليه فوريدي “الأبوة المزاجية”. ويأتي تصميم الأحياء وأحياء المدينة وفهم السياق الاجتماعي والثقافي كعامل محفز للتفاعل بين الجيران وأطفالهم، مما يعزز أو يضعف هذه العلاقة والعلاقة الاجتماعية. إن دراسات الحالة المختلفة والأمثلة عبر الثقافات والمدن والمواقع الجغرافية يمكن أن تأخذ في الاعتبار بشكل مختلف في هذا الصدد مع عدم وجود منتج نهائي واحد، بل ينبغي دراسة كل حالة فريدة من نوعها في حد ذاتها. ومع ذلك، فإن التصميم الجيد وأفضل الممارسات مع اتباع نهج دقيق للاحتياجات والخلفية، فضلا عن الممارسات الاجتماعية للسكان في كل حي يجب أن تتغلب على المشاكل الأولية والواضحة لكي تنتج في نهاية المطاف بيئات صديقة للطفل وآمنة وغنية اجتماعيا. ويمكن أن تلعب الأنشطة والاماكن العامة المصممة داخل األحياء دورا إيجابيا جدا في هذا الجانب، حيث يتم اختيار مواقع المباني الدينية بعناية، ومراكز التسوق مع المناطق المصممة خصيصا للألطفال، ومبادرات الشوارع الامنة، والتوعية الحكومية، وتحسين وسائل النقل العام، في جملة أمور كلها تعلب ادوارا إيجابية نحو هذه البيئة.
ويمكن أن تعتمد حالة البيئة المبنية وتعريفها بوصفها صديقة للأسرة والطفل إلى حد كبير على المعايير العالمية التي تضعها الحكومة على وجه الخصوص والتي تعترف بأهمية التماسك المجتمعي من أجل المصلحة والمجتمع ككل. وفي هذا الصدد، حددت كندا، على سبيل المثال، قائمة مراجعة للترحيب بالمجتمعات المحلية الجديدة والأقليات الإثنية لكسر ومعالجة مشكلة العزلة والانفصال. وحيث يعيش الأطفال في الأحياء المحرومة، يمكن أن يكون لذلك تأثير شديد على حياتهم من خلال الفقر، ونقص الفرص التعليمية، وبالتالي العمل في المستقبل والمهن.

الأطفال ومركز المدينة
إن التصميم الحسي للمدينة أمر مهم جدا يتوجب الكثير من الحساسية والعناية والتخطيط اعتمادا على معايير اجتماعية وثقافية كي يكون بيئة حاضنة اجتماعيا للأطفال قبل البالغين، ولكن البيئة الجيدة المبنية ليست كافية في حد ذاتها، حيث تحدد العوامل الاجتماعية والثقافية ما إذا كانت المدينة تعمل بشكل جيد بالنسبة للأطفال. إن وضع مركز المدينة وقابليته للتفاعلات الإجتماعية أمر مهم بالنسبة لبقية المدينة، إذا كان حيويا ينعش من خلال المدينة، وإذا كان المركز سيء التصميم والتخطيط من نواحي اجتماعية او ترفيهية او اقتصادية يتم هجره واهماله. ويؤدي إلى الشعور بالانفصال عن المدينة ومركزها. ان القيم الاجتماعية والثقافية الموجودة في المدينة، وشعبها، ومصمميها، ومديريها، وصانعي القرار، تؤثر على ما إذا كان الأطفال قادرين على الاسترخاء واللعب في ساحة المدينة، أو إذا كان الشباب مرحب بهم أو منعوا من استخدام مرافقها والتجوال في التسوق، أو اذا كان مركز المدينة يسهل الوصول إلى الناس أو أنها فقط للسيارات على حساب المشاة.
إن مركز المدينة مختلف جدا عندما يتعلق الأمر بالأطفال، من حيث كونه ودودا واليفا ويقدم الخدمات والمرافق المطلوبة لتلبية احتياجاتهم. وهو يعرض مرافق يمكن أن تعزز وتحافظ على الطابع المستقل للأطفال، من الخدمات الاقتصادية، والخدمات العامة، والثقافية، والنقل، أو البيئات الطبيعية. في المدينة، يفعل الأطفال أكثر من إعادة تثقيف وترفيه، كما يعتقد المخططون، انهم يستخدمون المدينة بأكملها. ويبدو أن فهم العلاقة بين الأطفال والبيئة المبنية ينبغي أن تكون هذه المحاولة لا يمكن فصلها عن مستوى الوسيط الذي يمثل صلة أكثر حيوية مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي تجعل الفراغ نابضا بالحياة.
ان تصميم البيئة المناسبة للأطفال يتطلب تخطيطا منهجيا على مستويات متعددة منها اجتماعي يبدأ بالبيت والاسرة الصغيرة ويمتد للحي والمتجاورة السكنية فالعالم المحيط. وان الفشل في دمج الاسر والمجتمعات المحلية في المجتمع الكلي ينعكس سلبا على فرص الحياة الكريمة للأطفال وتكاملهم واندماجهم كافراد صالحين في المجتمع وهذا يتطلب عملا مؤسسيا وحكوماتيا دؤوبا من اجل توفير بيئات وحواضن حسية وعمرانية مناسبة للأطفال قبل ان يكونوا بالغين. وهي مهمة تقع على عاتق المصممين والمخططين وصانعي القرار وتتطلب دمجا لمستويات وتخصصات يمكن ان يتم تكوينها كلجنة عليا تحوي التخصصات الاجتماعية والنفسية والفكرية والمعمارية والتخطيطية جنبا الى جنب مع صانع القرار لانتاج خطط تعمل على مدى أجيال تستشرف تطورات الحياة الحديثة والمعاصرة والمستقبلية.

د. وليد احمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
sayyedw14@gmail.com

إلى الأعلى