الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ

متاهة

أمام بيوت قديمة كثيرة، أمسى لون خشبها غامقاً، تطل على مساحة مفروشة بالعشب، ومن ورائها أحراش(*) مليئة بالأشجار؛ نصحها أبوها بأن تكتفي باللعب بطائرتها الورقية على مساحات العشب، وأن تبتعد عن الأحراش؛ فكل من ذهبوا إلى الأحراش لم يعودوا، أو عادوا وهم فاقدين لعقولهم.
“في الحارة، حيث المساحة المفتوحة، تبدو الأشياء أكثر وضوحًا، أما هناك -في الأحراش- فكل شيء مبهم. لا يُعرف ما الذي يخبئه القدر لكِ خلف الشجرة القادمة”. يقول لها أبوها.
أما أمها فلا تكف عن النظر لها من شرفة البيت أثناء لعبها، خاصةً بعد أن سألت زهرة أمها: “كيف يعرف أبي كل هذي الأشياء وهو لم يزر الأحراش أبدًا؟!”.
تمتلك زهرة جمالًا طفوليا يجعل الآخرين يتجولون في زوايا لم يعرفوها قط من أنفسهم. كل من ينظر لها أول مرة يشعر بما يشبه أول السقوط، حيث يشعر الواقف بأن قلبه يطير من مكانه صاعدا نحو عقله. أنفها طويل بصورة مثالية، وعيناها داكنتان يحيط بهما بياض ساطع.
في عصر يومٍ خريفي، اشتدت رياحه، خرجت زهرة تلعب بطائرة ورقية صنعها أبوها، تركض بخفة جسدها على تلة بين الحارة والأحراش، وفي مكان لعبها قابلت أصيل. أصيل ولد مشاغب. منذ أول خروج له من المنزل ليدرس في حلقة شيخ الحارة. مَثَل بأنه أعمى بعد أن وضع نظارة جده الشمسية على وجهه ليوم كامل في حلقة التعليم؛ ليُضرب بعد ما اكتشفه الشيخ بعصا الخيزران على رجله، ثم قام بتغيير كتاب يشرح نصًا منزلا عندما رفع نقطة الباء فوق كرسيها في كلمة خبث، وأخيرا هرب من دروس شيخ الحارة الدينية ليسبح في الفلج… زهرة لا تعرف شيئا عن أصيل سوى ما يروى بين الناس حول سوء سلوكه، ونشاطه الدائم في المقالب.
“أنا أفضل ولد يطير طائرات ورقية في الحارة”، يقول أصيل وهو يمر بجانب زهرة.
تتوقف زهرة عن ركضها وتقول: “ماذا؟!!!! لم يتجاوز أحد ارتفاع طائرتي حتى اليوم!!”.
“أنا لا أملك طائرة، هل تعيرينني طائرتك لأثبت لك أنني الأفضل؟!”، يجيبها أصيل بابتسامة بائسة.
تحدق زهرة في عيني أصيل بعطف، ثم تتحمس بمجرد أن تتذكر كلامه، وتسلمه خيط طائرتها المحلقة عاليا. يمسكه بسبابته وابهامه، ثم يتركه بابتسامة خبيثة … ثارت زهرة غضبا: “قليل الأدب! تركت الخيط متعمدا!”.
كانت نظرة زهرة حادةً جدًا، وسواد عينيها غارقا في الغضب، يتدفق منها الإصرار على شيء ما يجهله أصيل. للمرة الأولى في حياة أصيل تستطيع نظرة أن تثقب سد ثقته بذاته، أحسَّ أصيل بالغرابة من الشعور الذي راوده بعد نظراتها، وحاول بابتسامة مصطنعة أن يخبئ خوفه من شعوره الغريب، ثم ركض خلف الطائرة المتوجهة جهة الأحراش وهو يقول: “سأعيدها لك، أعدك”.
تلوح زهرة بيدها وتصرخ: “دعها، دعها، سيصنع لي أبي واحدةً أخرى”.
يختفي أصيل خلف أشجار الأحراش، وزهرة واقفة تعض شفتها، وتشبك أصابع يديها ببعضها، ثم تفكها بسرعة… استمرت هكذا لبضع دقائق قبل أن تجلس على حجر بين العشب، وقدماها تهتزان بتوتر.
قاربت الشمس على الغروب، والمجنون أصيل لم يعد حتى الآن، هل ما زال يبحث عن الطائرة؟ أو ربما أكلته وحوش الأحراش؟! وما الذي ستفعله الآن؟ هل تخبر أباها الذي لا يستمع كثيرا لوجهة نظرها أنها سمحت لنفسها بالحديث إلى مجنون؟! أم تلحق بأصيل ؟!
بحركةٍ منفعلة، تركض زهرة باتجاه الأحراش، تقف على مشارفها وتنادي: “أصيل!”، تجيبها الأحراش بصدى صوتها: “أصيل!”… يتنامى الخوف بقلبها حتى ما سمعت عدة أصوات متتالية تجيبها: “زهرة”. هذا صوت أصيل، لكنه مكرر سبعة أو ثماني مرات متتالية!
تطمئن بصوته، ثم تمشي في الأحراش. الأرض مليئة بعروق الأشجار الكبيرة، وأوراق الشجر والأغصان تحجب السماء تماما، الوقت هنا متأخر أكثر من الحارة؛ فلا يمكن لأي شخص تمييز مكان الشمس، أو أي جرم سماوي، أصوات صراصير الليل تأتي من فوق، وتحت، ومن الاتجاهات الأربعة!
تنادي أصيل عدة مرات، ويعود لها صوتها من كل الجهات، “زهرة” يرد أصيل ولكن صوته يأتي من مختلف الجهات!
بعد دقائق من المناداة المتبادلة تلاحظ زهرة أن صوت أصيل الأول يأتي من يمينها، ثم تتوالى باقي الأصوات بعدها. تمشي باتجاه مصدر الصوت الأول، تجد أصيل ممسكًا بطائرتها وهو يبحث عن طريق ما.
“آه زهرة، أخيرًا… هل تعرفين طريق العودة؟!” يبادر أصيل بالكلام.
“نعم، من هنا”، تقول زهرة وهي تشير خلفها.
يمشي أصيل خلف زهرة وهي تخبره بخوف عن كلام أبيها حول الأحراش، وأقدارها المختبئة خلف الأشجار، والوحوش الأسطورية، تحدثت عن تنين ينفث النار من فمه، وأفعى لها ثمان رؤوس تتجول فوق الأشجار تنتظر فريستها.
يخيم ظلام كثيف، وهما لم يصلا بعد لمساحة العشب.
“حل الظلام، أظننا سنتوه أكثر… يجب أن نقف هنا” يقول أصيل.
زهرة: “لا، يجب أن نتابع المشي، لا يمكن لأي انسان مواجهة الأحراش ليلة واحدة!”
يمسك أصيل يد زهرة: “كل شيء سيكون بخير، صدقيني”. تهدأ زهرة ثم يقرران النوم على جذر شجرة كبير تسلل خارج الأرض. شخير أصيل يعلو بعد خمس دقائق من وضع رأسه، ورأس زهرة محشور بصوت صرصار الليل، وشخير أصيل.
بعد ساعة تضع زهرة يدها على كتف أصيل، وتضربه برفق: “أصيل! أصيل!”.
يفتح أصيل عينيه ويرفع رأسه قليلا: “هاه! ما بكِ يا زهرة؟!”.
تجيبه: “الوحوش يا أصيل، أسمع صوت وحش في الأحراش”.
يجلس أصيل ويقول: “ماذا؟! وحوش؟! هل رأيت كوابيس؟! لا يوجد هنا سوى الأشجار وصرصار الليل”.
ترد زهرة: “صرصار الليل، ربما يكون صرصارا عملاقًا، صراصير الليل مختلفة في الأحراش… هل ترى أشجار الأحراش؟ هي أيضا مختلفة عن أشجار بيوتنا، هيا يا أصيل يجب أن نتابع الطريق”.
يضحك أصيل، ويجيب: “ماذا؟ استيقظي يا زهرة، انتِ نائمة وترين كوابيس سيئة، تقولين صرصارا كبيرا وكأننا في حكايات جدتي”.
تغضب زهرة: “أنت أحمق، لا تعرف شيئا عن الأحراش، وتأخذ الأمور باستهتار!”.
يجيب أصيل بنبرة هادئة: “استهتار! نعم ربما أنا كذلك، لكن الخوف لن ينقذ أحدا من الأحراش، أنتِ تظنين بأنكِ كنتِ تقوديني نحو الحارة قبيل الظلام، ولكني أعرف جيدا كل الطرق التي مررنا بها، كنا ندور في حلقة، مررت بهذا الطريق عدة مرات قبل قدومك، والآن أطوف معك حوله… من الأفضل لنا أن نرتاح قليلا يا زهرة، وفي الصباح سنبحث عن مخرج يرمينا خارج الأشجار العملاقة”.
تهدأ زهرة: “تقصد أننا ندور في نفس المكان؟!”.
يشيح أصيل بنظره إلى السماء ويجيب: “نعم يا زهرة”… ينظر إلى عينيها ثم يتابع: “طوال حياتي وأنا أدور حول القرية، حفظت شوارعها كلها عن ظهر قلب… سبلة الشيخ سعيد، ومكان كل طالب فيها، الدروس التي يرددها الشيخ لكل طلابه سنويا، أباك يطوف في الحارة مع حقيبته المليئة بأرقام النقود، الدكاكين، حتى السباب الذي أتلقاه نتيجة مقالبي، حفظتُ كل شيء… والآن، أنا تائه في هذي الأحراش”.
ترتمي زهرة على ظهرها بقوة، وتضرب مؤخرة رأسها بالأرض، يضع أصيل يده على جبهتها ثم ينام. أصيل لا يشخر هذه المرة؛ لأنه يفكر في الغد الجديد. أما زهرة فنامت وهي تشعر بأنها تطفو على جزيرة بحجم جسدها، ويحيط بها بحر عظيم من اليأس.
يتسلل نور خفيف بين الأشجار. “لعلها ساعة الصباح الأولى”، يقول أصيل وهو يربت على كتف زهرة. تستيقظ زهرة وتمسك بيد أصيل، ثم تلفها حول عنقها، وتنام على صدره.
“كنت أشعر بأنني أسقط في بئر عميق لا قاع له، طوال الليل وأنا أسقط يا أصيل… لم يكن هناك قاع”.
“هيا بنا ندور حول هذي الأحراش”، يجيبها أصيل.
————————-
(*) الأحراش: لفظة محلية –وفصيحة-تستخدم لوصف الأراضي المغطاة بأشجار عشوائية وكثيفة.

منذر بن صالح الحمداني

إلى الأعلى