السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ

نافذة

لعل وصفها بليلة مبهجة سيكون مناسبا لإثنين يسكنان في منزل دافئ وسط مزرعة صغيرة ويجلسان بعد العشاء أمام المدفئة أحدهما يقرأ كتابا والآخر يطرز ؛ لكن الأمر يختلف حين يصبح هذا ما يفعلانه يوميا ولسنوات طويلة . وبالتالي يمكن إطلاق ليلة مبهجة حين نصف الليالي التي يقضيها أحدهما على الأقل في شيء آخر ؛ كأن تنظف ماريا إحدى الغرف وتعيد ترتيبها كعادتها لخلق تغيير ما.
قطرات الصنبور طٓرقات صاخبة على جدار الحنفية ، صوت تهشم الخشب في المدفآة يمنح هسيسًا دافئًا، الشيء الوحيد الذي يكسر حائط الصمت هو صوت تقليب صفحات كتاب .
قالت : “الجو بارد”، أجابها بالصمت . قالت : “سأنتهي من هذه القطعة غداً “، ويبدو أنه لم يسمعها . لكنها تعرف أن تيم ليس بالزوج السيء ما دام يقدرها ويحترمها. لابد أن شعورها الدائم باليأس هو السبب.
منذ سنوات حين كانت تطرز الكثير من القطع وتتكدس معها دون أن يشتريها أحد، وقتها لو لم تصارحها جارتها مريم بإعجابها الشديد بما تصنع لما اكتشفت أن عملها رائع وعلى اثر ذلك استمرت. وبالنسبة لتيم فكل علاقة لابد أن تصل لمرحلة البرود وليس عليها أن تفكر بمثاليات من المستحيل أن تجدها بغير أحلامها.
ثمة صوت لصرير نافذة، لابد أن الصوت تكرر للمرة الألف لكنها لم تنتبه له من قبل . ماريا تنزعج من صوت الصرير جدا ، هو بالنسبة لها أنينٌ تطلقه النافذة . غير أن تيم لا يجد صوت صرير النافذة غير كونه صرير نافذة ولا زال يجلس صامتا لا يتحرك منه شيء غير يده التي تقلب الصفحات بشكل روتيني . تأملته مليا ، وجهه العابس وهو يقرأ، عينيه اللتان لا ترمشان ، التجاعيد الصغيرة فوق الحاجبين، فجأةً شعرت بغيظ من الصمت المطبق هذا وكأنه صوت صرير النافذة ذاته ، قالت : “تيم ما رآيك أن نخرج لنتمشى في المزرعة ؟ ” ، “لا ” قال لها بصوت لا تكاد تسمعه لولا حركة شفتيه ، أشاحت بوجهها للجهة الآخرى في انزعاج كيف تسأل سؤالا تعرف جوابه سلفا ؟.
بعد دقائق راودتها فكرة مفاجأة، وقفت مذعورة وصرخت : “تيم هل سمعت الصرخة ؟”.
انتفض على الكرسي ووقف مذعورا : “أية صرخة ؟ ”
“صرخة عالية أظنها قادمة من المطبخ ، أظن” قالت هذا وهرعت إلى المطبخ ، لحق بها تيم . في المطبخ لم يجدا شيئا ، “لا أحد ” قال . كانت صامتة أمام النافذة المشرعة ، قال “ربما جارتنا سارة ، هل يضربها زوجها ؟ قالت : ” لا ، ليست الصرخة لها ، كانت الصرخة هنا ” هرع تيم للبحث في البيت أكثر ، هاهي تسمع صوته يفتح أبواب الغرف واحدة تلو آخرى بينما ظلت هي أمام النافذة تفكر في جدوى ما تفعله الآن ، لماذا كل هذا ؟ ما الذي تريده الآن ؟ غير أن فكرة جعله يتحرك من أمام المدفئة لمعت في عينيها وأثارت شيئا دفينا في أعماقها لم تفهمه . ففكرت بأن عليها أن تتصرف.
ها هي تنظر من خلال النافذة نحو الظلام الكثيف في الخارج ، يبدو الصمت ثقيلا لكن عليها أن تجد شيئا . صرخت فجأة ” تيم ، تعال وانظر ” خلال ثوان كان تيم أمامها ، ” انظر للخارج ، ثمة شيء” نظر في الظلام قليلا ، ” لا شيء” قال . قالت : ” شيء ما يتحرك هناك ” . حملق في الظلام لدقائق ، لم يجد شيئا ، لكنه على نحو مفاجئ شعر بشيء في الظلام ينظر إليهما ، ” رآيته” قال .
في صباح اليوم التالي كل فرد في القرية عرف بما حدث وعدا أولئك الملتزمون بأعمالهم كانت القرية في زيارة لبيت تيم . انشغل الرجال بتحليل ذلك الشيء الذي رآه تيم وماريا في الظلام ويمتاز بصرخة عالية ، بينما كانت النساء يشككن باللواتي لم يحضرن للزيارة . بدت ماريا خائفة مما حدث البارحة ، رغم انها خائفة بالفعل لكن من شيء آخر .
في الليل لم يجلس تيم وماريا أمام المدفئة كما جرت العادة بل في المطبخ متقابلان تتوسطهما طاولة . يد ماريا في يد تيم . على الأغلب يفكر تيم في الشيء الذي يراقبهما من الخارج ويشعرهما بالخطر ، أما ماريا فهي مشغولة بقلبها الذي نبتت داخله ياسمينة بيضاء تشبه التي تفرعت أغصانها فيه وازهرت منذ ١٥ سنة حين بدأ كل شيء.

عبير بنت عيسى السعيدية

إلى الأعلى