الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تراتيلُ الجُبْ

تراتيلُ الجُبْ

ــ ١ ــ
لَمْ أنتبهْ
حينَ كُرْهًا إخوتِي اتحدوا عليَّ
قالوا: لنُنْهِي الوحيَ والنُذُرَا

لَمْ أنتبهْ
حينَ جاؤوا يُطفئونَ دمِي
كي لا أكونَ نبيًّا / غيمةً / مطرَا

فها أنا الآنَ
في جُبِّ الظنونِ مدىً
يَمتدُّ فيَّ ظلامٌ يُرجِفُ العُمُرَا

هلْ من خلاصٍ نهائيٍّ
يَلوذُ بِهِ من عاشَ
في لُجَّةِ الأوهامِ مُنْدَثِرَا؟

ــ ٢ ــ
أَلْقَوْ على الجُبِّ روحي
بَعْدَهَا رَجَعُوا إلى أبي
يَحْمِلُونَ الزَّيْفَ والكَذِبَا

وخَلَّفُونِي بجُبِّ الغَدْرِ
لا أَحَدٌ
سوى صدايَ
الذي يَرْتَدُّ لي عَتَبَا

مَرُّوا خريفًا على عُمْرِي
وخَلَّفَنِي مُرُورُهُم
في ترابِ المُنْتَهى جَدِبَا

جَفَافُهُمْ
في سماءِ الروحِ مُنْتَشِرٌ
تَعِبْتُ أَطْلُبُ غيبي
الماءَ والسُّحُبَا

صَبُّوا ظلامًا على أُفْقِي
وقَدْ رَحَلُوا
لَمْ يَتْرُكُوا نَجْمَةً تُفْضِي
ولا شُهُبَا

ــ ٣ ــ
وحدي بجُبِّي
وذاكَ الذئبُ متهمٌ
وإخوتِي بِقَمِيصِ الموتِ
ما صَدَقُوا

أبي هُنَاكَ أمامَ الزّيفِ
يَنْظُرُ في شَكْلِ القميصِ
وآهٌ منْهُ تَنْبَثِقُ

وهذه الروحُ
لا أشياءَ تَسْكُنُهَا
إلاَّ الخيانةُ والخيباتُ والقَلَقُ

يا أيُّهَا الوطنُ المنسي
قَدْ رَشَفُوا منكَ الورودَ
وعرُّوا الحقلَ واعْتَبَقُوا

لأيِّ أوهامِ هذا الكونِ
في أملٍ تَمُدُّ كفًّا
بأيِّ الضوءِ تَعْتَنِقُ؟

ــ ٤ ــ
دمي مدينةُ أمواتٍ
لهَا أُفُقٌ من القبورِ
وأرضٌ تَحْضُنُ الجُثَثَا

لا تسألوني عن الماضِي
أنا عُمُري منذُ البدايةِ
غيرَ الحُزْنِ ما ورَثَا

قَدْ بَعْثَرَتْنِي جهاتُ الشكِّ
تارِكَةً روحي
تُسافِرُ في مَجْهولِهَا عَبَثَا

حاولتُ أَجْمَعُ ضوئِي
أَسْتَرِدُّ دمِي
لكنَّ كونِي
بليلِ الموتِ قَدْ نَفَثَا

ــ ٥ ــ
أَعوذُ باسمِكَ
مَصْلوبًا على جسدِي
والموتُ
يَطْرُقُ بابَ الروحِ والمَدَدِ

أَعوذُ باسْمِكَ مَنْفِيًّا
ولي وجَعٌ مِزْمَارُهُ ضَاقَ
من تَرْنِيمَةِ الكَمَدِ

كُلُّ ابْتِهَالاتِ جُرْحِي
لَمْ تَجِدْ طُرُقًا إلى السماءِ
فغاصَتْ في دمِ النَّكَدِ

أنا انْكِسَارٌ عميقٌ
شُرْفَةٌ سَكِنَتْ بها العناكِبُ
بَحْرٌ فائِضُ الزَّبَدِ

مُذْ كُنْتُ
دهليزُ هذا الجُبِّ
يَتْبَعُنِي مثلَ الطَّريدَةِ
في تيهٍ من الرَّمَدِ

ــ ٦ ــ
حتَّامَ في الجُبِّ
لا ضوءٌ ولا أملُ
في كُلِّ رعشةِ حُلْمٍ
يَعْصِفُ الوجلُ؟

حتَّامَ روحي بلا وحيٍ
وأُفْقُ دمي
بالله بالشكِّ بالآلامِ يَنْهَمِلُ؟

للآنَ رَغْمَ انْتِشَارِ الموتِ
في جَسَدِي
لنجمةٍ
في أعالي الروحِ أَبْتَهِلُ

رَتَّلْتُ
هذي تراتيلي مُحَمَّلةٌ بالرَّيْبِ
يا ربُّ هَلْ بالموتِ أَكْتَمِلُ؟ ..

ناصر الغساني

إلى الأعلى