الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار

باختصار

زهير ماجد

كيف يتفاهم التاريخ الواحد

بعض التحليلات التي اعتبرها صائبة إن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت مطالبة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي بتحرير سوريا وحمل علم الانتداب تعبيرا عن ذلك .. هنالك بعض الأحزاب التي لا تركن إلى الواقع التاريخي فتسقط في المنزلق الآني الذي يأخذها إلى السقوط .. لو تنبه مرسي إلى تلك اللحظة لما فعلها، لكن من المؤسف القول إن حزبا عريقا مثل ” الإخوان المسلمون” لم يتمكن من اكتشاف العلاقة السحرية السرية الخاصة بين دمشق والقاهرة، بين مصر وسوريا، بين تاريخ وتاريخ، بين أم الدنيا وقلب العروبة النابض.
عندما يسقط حزب عريق لعدم فهمه للمقدسات لا يكون عريقا، تكاد تجربته أن تكون بدأت البارحة حتى لو كان عمره الزمني عشرات السنين. بعض الاحزاب العربية تتنبه لهذه المسألة، وخصوصا عندما تكون في حضرة تاريخ، وفي ثوابت الجغرافيا، فنجدها مؤمنة النعمتين .. التمسك بالتاريخ نعمة، وتلبس الجغرافيا نعمة ايضا.
أستطيع القول نتيجة لذلك، إن أي حزب عربي إن لم يكن له تاريخ طويل فعليه أن يخترعه لكي ينظر إليه على أنه ذو باع فيه، وخصوصا عند الاقتراب من عناوين كبيرة لها سجلها السامي كمثل مصر وسوريا والعراق مثلا .. فلا يمكن قبول الاعتداء على سوريا الحديثة التي هي ملك زمنها، كما لا يمكن تقبل الإساءة لمصر وهي تذوب في عبقرية مكانها، وكذلك الحال مع العراق.
تلك الجملة إذن، الثقيلة المرامي، قد تكون أسقطت الرئيس مرسي، حتى بدا وكأنه مغيب عن حقيقة ما يجب أن يعرف، وبدا كأنه لا يعرف ما إذا كان من حق القاهرة أن تكون بعيدة عن دمشق أو مكانا للتغريب عن العاصمة السورية والعكس هو الصحيح .. هنالك مقدس بين العاصمتين، انهما من صنع القدر، تحابا طويلا، وصنعا لحظة عناق دامت سنوات، وحين افترقا ظل الحب بينهما على هيامه، بل ظلت تلك الرصاصة التي اطلقتها القاهرة يوم السادس من أكتوبر 1973 محشوة بلهفة دمشق، والقذيفة التي اطلقتها دمشق بهذه المناسبة أيضا معبأة بروح القاهرة.
كل من لا يفهم تلك المعادلة انما يسوق نفسه إلى الخروج عن طاعة خلايا منطقة كانت تدير العالم، واليوم تمسك بأنفاسه، يتطلع إليها على اساس أنها مدخل له، وعندما حاول أن يتعبها، تعب هو، واتعبته.
لم يفهم مرسي أن في الحنين إلى دمشق شوق إلى القاهرة، وفي الحب للقاهرة معنى لوجود العاصمة السورية. ذلك التلاقي فيه اسراره الخاصة التي لم يعرفها الرئيس المخلوع ولا هو على ما يبدو قد تفتح عقله عليها، أو حاول قلبه ملامستها. ولذلك اضطهد نفسه حين تحدث بهذه القساوة عن سوريا، فجاء لفظه أسرع من سرعة الضوء.
أصعب ما يخدش المصري التفوه بكلام لا يليق بجناحه الأيمن سوريا، والعكس ايضا هو الصحيح. هما دولتان، لكنهما في العمق وجود متحد الجذور .. كلما هبت نسائم وحدة تحركا أولا، وكلما تلفت المصري وفي أي اتجاه سوف يجد سوريا بهامتها .. بل كلما تطلع السوري إلى من يروي غليله وجد الثرى المصري ينبوعا له.
أليس بعد ذلك إلا يسقط محمد مرسي..!

إلى الأعلى