السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مصداقية شبكات التواصل الاجتماعي

مصداقية شبكات التواصل الاجتماعي

”إن نشر المعلومات المضللة ومن خلال وسائل مبتكرة يصعب أحيانا السيطرة عليها، وهذا يعود إلى الابتكارات التقنية المتواصلة والسطو على المعلومات الحقيقية يسبب الارتباك والبلبلة وفقدان الثقة بين الأفراد والجماعات وحتى بين الحكومات ومواطنيها، وهي من الأمور التي تم استغلالها أثناء ما سمي بثورات الربيع العربي في عدد من الدول العربية.”

في ظل الثورة المعلوماتية وتدفق الأخبار على شبكات التواصل والمنصات الإعلامية الحديثة بشكل أسرع يجد المتابع والمهتم لهذا التدفق المعلوماتي ـ ومن الناحية المهنية ـ في حالة من عدم اليقين والشك من هذا الاشتباك والخلط بين الأخذ بمصداقية ذلك السيل الجارف من المعلومات او التشكيك فيها
مصداقية ضعيفة.
يشير عدد من الدراسات الحديثة إلى أن مصداقية الإعلام التقليدي لا تزال هي الأعلى مقارنة مع منصات الإعلام التقني وفي مقدمتها شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا يعود بشكل أساسي للأسباب الموضوعية التالية:
1- حسب المبدأ المهني للصحافة والإعلام فإن أي خبر أو معلومة لا بد أن تستند إلى مصدر موثوق وصريح ومعرف، وهنا تكمن الإشكالية في شبكات التواصل الاجتماعي التي تفتقر في معظم الأحيان ولأسباب متباينة إلى مصداقية المصدر الذي يحدد مسار المعلومة في الاتجاه الصحيح أو عكس ذلك.
2- التدفق السريع والمكثف للمعلومات على مدى الثواني وإعادة النشر لتلك المعلومات في شبكات مختلفة ومن خلال مصادر غير مؤكدة يجعل من أمر التشكيك وعدم المصداقية أمرا متوقعا في ظل الدعايات المغرضة وسريان الإشاعة بشكل لافت ورغبة الجمهور بسماع أخبار مثيرة حتى لو كانت غير دقيقة.
3- حتى على صعيد الحملات الإعلامية في إطار الخلافات السياسية تم اكتشاف كم كبير وملحوظ من المعلومات المضللة عند ما تخضع تلك المعلومات إلى المعايير المهنية المتعارف عليها، وهذا يعني أن هناك انفلاتا معلوماتيا يبث على مدار الساعة بقصد الإضرار بالآخر أو تشويه السمعة أو تحقيق مصالح اقتصادية محددة مثل نشر الإشاعات عن اقتصادات الدول بشكل سلبي ومتكرر.
4- من خلال صياغة مفردات المعلومات وضعف الأسلوب وركاكة الصياغة، والبعد عن المهنية يمكن اكتشاف الزيف وعدم المصداقية في المعلومة أو الخبر، وسرعان ما يتم معرفة الهدف من النشر وتوقيت النشر، ولكن بعد أن تكون تلك المعلومة قد انتشرت على نطاق جغرافي واسع مسببة الضرر الكبير.
5- هناك فرق بين التضليل الإعلامي وهو استهداف ممنهج يستخدم اثناء الأزمات السياسية والصراعات العسكرية وبين المشاركة غير المنضبطة وغير المدروسة من قبل الرأي العام الذي يتلقف المعلومة دون تمحيص أو بحث، ويقوم بإعادة النشر دون وعي مما يسبب إرباكا وإشكالات عديدة.
6- هناك ملايين الحسابات الوهمية في شبكات التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يخرج عن السيطرة وعدم معرفة مصادر تلك المعلومات، وهذه إشكالية تواجه الدول والمجتمعات، ما يعزز تدني المصداقية.
المصداقية والمصادر المؤكدة
وفي ظل هذا الفضاء المفتوح هناك مصداقية عالية أولا من خلال الإعلام والصحافة التقليدية، فأي خبر عن أي وكالة أنباء رسمية لا شك أن الخبر صحيح ودقيق وموثق من مصدر، كما أن الحسابات الرسمية في شبكات التواصل الاجتماعي تبث أخبارا حقيقية، علاوة على حسابات المؤسسات التجارية المعروفة والتي يهمها الانتشار لمنتجاتها لجمهورها ومستهلكيها المحتملين.
كما أن هناك الأفراد والشخصيات العامة الذين يدركون أهمية المصداقية فيما ينشر من أخبار ومعلومات من خلال حساباتهم في شبكات التواصل الاجتماعي، ومع ذلك فإن الكتلة الأكبر من الفاعلين في منصات التفاعل الاجتماعي يفتقرون إلى الأسس المهنية مركزين على الأخبار المثيرة وذات المصداقية المتدنية بهدف كسب المزيد من المتابعين، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، ومن هنا فإن الأمر يتطلب اليات محددة لاكتشاف زيف المعلومات، علاوة على أهمية سن مزيد من التشريعات والقوانين التي تحد من ظاهرة عدم المصداقية في شبكات التواصل، رغم أن هناك مواد قانونية تجرم الزيف ونشر الإشاعة، إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الرقابة القانونية على ضوء الانحدار الكبير والأضرار المستمرة من جراء الاستخدام غير الرشيد لشبكات التواصل الاجتماعي، وقد تحدث أمور أكثر فداحة في المستقبل مع المزيد من التطورات التقنية.
علاوة على أهمية الآليات وسن المزيد من القوانين المشددة لردع تلك الممارسات فإن نشر الوعي بين الأجيال الجديدة على مستوى الأسرة والمدرسة وعمل الحلقات التثقيفية ودور وسائل الإعلام التي تحذر من تلك الممارسات، هي أمور في غاية الأهميه خاصة وأن الهوس الإلكتروني يزداد شراسة والأبعاد الاجتماعية على الشباب تزداد خطورة.
إن نشر المعلومات المضللة ومن خلال وسائل مبتكرة يصعب أحيانا السيطرة عليها، وهذا يعود إلى الابتكارات التقنية المتواصلة والسطو عليى المعلومات الحقيقية يسبب الارتباك والبلبلة وفقدان الثقة بين الأفراد والجماعات وحتى بين الحكومات ومواطنيها، وهي من الأمور التي تم استغلالها أثناء ما سمي بثورات الربيع العربي في عدد من الدول العربية.
إن المعلومات المضللة تزداد خطورتها عندما تأتي من خارج الحدود خاصة وأن تلك المعلومات وبثها يستهدف الدول وزعزعة أمنها الوطني، وبث روح الإحباط والتذمر بين الرأي العام، وهذا هو أخطر أنواع ما يسمى بنزع الثقة بين الحكومات ومواطنيها، كما أن بث تلك الأخبار وعلى فترات محددة وفي توقيت الأزمات الاقتصادية أو حتى استغلال بعض الأشخاص السذج يأتي بنتائج سلبية تضر بمصالح الدول الوطنية، وتخلق حالة من عدم اليقين، ومن هنا تكمن أهمية المتابعة المستمرة وأيضا متابعة المستجدات في مجال التطور التقني، وهذه معضلة أخرى تواجه المجتمعات، سواء في الدول المتقدمة أو النامية.
ولا شك أن جيل الشباب هو المستهدف الأكبر بهدف تدمير روح الابتكار والإبداع وروح المسؤولية الوطنية، خاصة وأن هذا الجيل ينتظر منه الكثير لخدمة وطنه ومجتمعه، ومن هنا تأتي أهمية تحصين الجيل الجديد من هذه الأخطار المحدقة والتي أصبحت تأثيراتها السلبية مشاهدة، خاصة وأن هذا الجيل هو الأكثر انخراطا ومشاركة في شبكات ومنصات التواصل الاجتماعي.
الاستراتيجيات الوطنية
من الصعب إيقاف ما يحدث من اختراق وتضليل في نشر المعلومات حتى في الدول الغربية؛ لأن العالم أصبح يشهد ظاهرة كونية إلكترونية سمحت لمواطني العالم شرقه وغربه بالتواصل من خلال تلك المنصات، كما أن الشركات التقنية تأتي بالمزيد من الاكتشافات التي تغري بالمزيد من الانغماس في المحادثات والمشاركات تصل إلى حد الإدمان لبعض الفئات العمرية، بل إن شعوب المنطقة العربية أصبحت أكثر تفاعلا مع تلك المنصات خاصة الهواتف الذكية مما تراجع بسببها التواصل الاجتماعي التقليدي، وأصبح الهاتف الذكي هو الأداة التي يتحكم في السلوكيات وفي معظمها سلبي، حيث ضياع الوقت وسلب الإرادة وضعف الإنتاجية والسيطرة التقنية على عقول وقلوب الأفراد والجماعات.
وعلى ضوء ما تقدم ورقم النقاش المتواصل في المنتديات والمؤتمرات الإعلامية العربية والدولية عن موضوع منصات التواصل الاجتماعي وعشرات التوصيات والآليات التي تحد من اندفاعها وخطورتها على الأجيال الجديدة، إلا أن الأمر كما يبدو من متابعة هذه الظاهرة الإعلامية والاجتماعية، يحتاج إلى مزيد من الجهود الجماعية بهدف الحد من تلك الظاهرة الخطيرة والتي تسببت ولا تزال في أضرار كبيرة بالقيم والمثل وحتى بزعزعة الأمن والاستقرار، وزرع ثقافة الكراهية، مما يتطلب استراتيجيات وطنية لمحاربة هذه الظاهرة وردع مرتكبيها.

عوض بن سعيد باقوير
صحفي ومحلل سياسي

إلى الأعلى