السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الاستدراج

الاستدراج

” .. جميعنا يُستدرج بشكل أو بآخر وإن اعتقد الواحد في نفسه التميز باليقظة والشطارة والذكاء التي تشكل في نظره سياجا تحميه من حبائل الاستدراج، والإنسان بطبيعته لا يحب أن يكون ضحية لعملية استدراج أيا كان نوعها، ويتكتم عليها متى ما وقعت حتى وإن ألحقت به ضررا جسيما، لكي لا يوصم بالسذاجة والغباء ويُعيَّر لوقوعه في الشرك وهو ما لا يرتضيه لنفسه.”

يقع العديد من الناس ضمن دائرة الاستدراج، فهم إما متهيئون للفرص ناصبون للشراك يعملون على استدراج الآخر للنيل منه أو استغلاله أو الاستفادة مما لديه من خبرات أو تجارب أو مال أو خدمات تصب في مصلحة المستدرِج، أو أنه مستدرَجٌ واقع في الفخ منقاد إلى الشرك، وقد يحدث أن ينقاد المرء إلى دائرة الاستدراج بإيحاء من الضرورة وإلحاح تمليه ظروفه الخاصة التي أقفلت أمامه جميع الأبواب باستثناء تلك الدائرة التي يدرك مسبقا نتائجها المرة على حياته، وقد تأتي عملية الاستدراج التي يسير الإنسان في طريقها المرسوم غافلا أو مكرها أو طائعا أو واعيا بنتائجها ولا حيلة له في ذلك أو بسبب طبيعته الميالة إلى الضعف … قد ـ تأتي ـ لصالحه في نهاية المطاف في جملة من الخلاصات المفيدة المتمثلة في: الاستفادة من الدرس في التعامل مع المواقف والعروض والأشياء في المستقبل، ضخامة المردود أو العائد الإيجابي الذي لم يُحسب له حسابا من قبل، الاحتكام إلى العقل والمنطق والجوهر بدلا من العواطف والأهواء والشكليات في التعامل مع الناس ومع مجمل القضايا الحياتية… وجميعنا يُستدرج بشكل أو بآخر وإن اعتقد الواحد في نفسه التميز باليقظة والشطارة والذكاء التي تشكل في نظره سياجا تحميه من حبائل الاستدراج، والإنسان بطبيعته لا يحب أن يكون ضحية لعملية استدراج أيا كان نوعها، ويتكتم عليها متى ما وقعت حتى وإن ألحقت به ضررا جسيما، لكي لا يوصم بالسذاجة والغباء ويُعيَّر لوقوعه في الشرك وهو ما لا يرتضيه لنفسه، ولكنه يتفاخر في المقابل بنجاحه في الإيقاع بالآخرين مبجلا أعماله المرتبطة بذلك باعتبارها بطولة تستحق التبجيل، ومن المؤسف أن الكثير من الناس يظهرون الاحترام للذين يوقعون الضرر بالآخرين بعد أن ينجحوا في استدراجهم إلى الشرك مهما كانت درجات الضرر، احتراما يقوده التزلف للقوي أو الإعجاب الحقيقي بهذه الأعمال أو بسبب سلوك معوج يتطلب التقويم، ومن منظومة السلالم بدرجاتها المعروفة ومن أسفل قاعدتها حيث تحاك صيغ الدعابة والمزاح التي ينسجها الأشقياء لاستدرار الضحك بعد جر الغافل إلى الشرك وحتى قمتها حيث يحتدم الصراع وتتصاعد دخان المعركة تمر عمليات وخطط الاستدراج بطريق طويل ومراحل متعددة، وفي القرآن الكريم وردت الإشارة إلى الاستدراج أكثر من مرة، المرة الأولى جاءت في سورة الأعراف الآية 182 (والذين كذبوا بآيتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)، وكذلك في سورة القلم الآية 43 (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) وهم في غفلة من أمرهم ومن حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج لظنهم أنه كرما وإنعاما، وفي كلتا الآيتين ارتبط الاستدراج بالمكذبين لكلمة الحق وآي القرآن، والاستدراج هنا يدخل في باب العدل والإنصاف من حيث إنه يستهدف الإنسان المكذب بالحديث الإلهي المتجاهل لكرم ونعمة الخالق الغارق في مجاهل الكفر، من يوجه نفسه عمدا بإيقاع الظلم عليها مختارا طريقه السائر به إلى نفق الاستدراج … وفي المعركة يسعى كل طرف من أطراف المعركة لاستدراج الخصم إلى الموقع المناسب الذي يشكل في الأساس سلاحا جديدا معدا قادرا على حسم المعركة لصالح الطرف الذي سوف ينجح في عملية الاستدراج . وقد أخذت طرق وصيغ الاستدراج بعدا واسعا واتسعت أساليبها بعد أن تحولت الوسائط الحديثة المرتبطة بالتقدم التكنولوجي من وسائل اتصال متعددة وشبكات إعلامية ضخمة وقنوات تلفزيونية لا حصر لها وشاشات عرض منصوبة في الطرق وفي الساحات والأماكن العامة ومن صيغ وأساليب متقنة ومدروسة في تقديم الصورة الجاذبة الآسرة بألوانها البديعة ومؤثراتها وتقنياتها وتصاميمها المشوقة والمبهرة في الإغراء والجذب من خلال بيع الوهم والاستغلال والنصب والاحتىال بطرق ووسائل وحبائل وصور شتى، والتسويق والدعاية والإعلان القائمة على انفتاح العالم على بعضه وتمازج الثقافات وتأثيراتها العميقة … – تحولت – جميعها إلى شراك لاستدراج الإنسان وتحويله إلى مدمن لمنتجاتها أو خدماتها أو صناعاتها وقيمها وثقافاتها، لقد توسعت دائرة الاستدراج حتى أضحى الإنسان ومع كل وقت ضحية لعمليات استدراج لا تتوقف تغزوه في غرفة نومه رغما عنه، وسيجد نفسه إن لم يستخدم عقله ويتحصن بالمعرفة والوعي ويعتلي بفكره ويتغلب على العاطفة والهوى وضعف الطبيعة ويصمد أمام عمليات الإغراء الموجهة، يغرق في برك الإدمان درجة فدرجة، إدمان المنتج بأنواعه والآلة الصماء والقرض والمسكنات والمهدئات والموديلات والثقافات الهدامة والفكر الاستهلاكي الخاطئ … التي تحكمت في حياة الإنسان وفي قراراته وحولته إلى منقاد تابع لقيمها ومعادلاتها وجردته من قيمه الإنسانية ومن مبادئه وخصوصياته التي حفظت له شخصيته وثقافته وهويته عبر التاريخ.

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى