الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ

شراع

خميس التوبي

سوريا .. كمٌّ من التناقضات يسفر عن وجه الحقيقة

بينما تستعر نار الإرهاب لتضرب أدواته بعضها بعضًا على أرض سوريا الصامدة أمام حفلات موت مجنونة يوميًّا ممولة إقليميًّا ودوليًّا، تنبلج حقيقة المؤامرة وخيوطها الدالة على كل طرف فيها، وكلما ازداد أوار نار الإرهاب ازدادت حقيقة المؤامرة وضوحًا أمام الشعب السوري خاصة وأمام شعوب العالم عامة.
اليوم لم تعد صورة المشهد للأزمة السورية بتلك الضبابية التي لعبت الآلة الإعلامية المشبوهة والعميلة دورًا كبيرًا في التغطية على الحقائق وفبركة الأكاذيب في بداية الأزمة، ومارست أساليب متعددة في تغييب الوعي وغسل الأدمغة، لأن الحق أبلج والباطل لجلج، وحبل الكذب قصير، كما يقال، وبالتالي لن يستطيع المفترون والمرجفون في الأرض مواصلة مشوار كذبهم وفبركتهم إلى ما لا نهاية، لا بد أن يأتي يوم وتنكشف فيه أساليبهم ويفتضح أمرهم، فلم يكد يمضي عام تقريبًا على ترويجهم الكذب ومد خيوط مؤامرتهم حتى بدأت حكمة السياسة لدى القيادة السورية، والأداء البطولي للجيش العربي السوري بزمام المبادرة ووضع النقاط على حروف الحقيقة إيذانًا بانهيار جبال أكاذيبهم التي أرادوها شاهقة ولكنهم لم يدركوا أنها جبال من رمل انهارت مع عواصف أول صيحة لحماة الديار.
إن ما ميز مشهد الأزمة السورية وجعل الحقيقة تسفر عن وجهها الكامل، هو الكم الهائل من التناقضات التي صبغت طبيعة التحركات السياسية والدبلوماسية والميدانية لتصب تلك التناقضات في مصب واحد وهو مخطط تدمير سوريا وإبادة شعبها وبعثرته عبر التحالف العلني وغير المسبوق بين معسكر المؤامرة والإرهاب وأدواته، ومن بين أبرز هذه التناقضات:
أولًا: تصاعد حدة الاقتتال بين العصابات الإرهابية المتمثلة في تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام” “داعش” الإرهابي، وتنظيم ما يسمى “الجبهة الإسلامية” الإرهابي، وتنظيم ما يسمى “جيش المجاهدين” الإرهابي وما يضمه هذان التنظيمان من متمردين ومنشقين ومرتزقة وتكفيريين وما يسمى “جيش حر”، والتي في حقيقتها تنظيمات تابعة للتنظيم الأُم وهو تنظيم القاعدة الإرهابي، وقد سقط جراء المواجهات بين هذه التنظيمات الإرهابية مئات القتلى ومئات الجرحى، فضلًا عن العشرات من المختطفين الذين قيدت أيديهم وأرجلهم وعصبت أعينهم وتمت تصفيتهم بدم بارد.
ويكمن التناقض في:
أولًا: إن هؤلاء دخلوا أو تم تجنيدهم تحت كذبة “الجهاد” ومساعدة الشعب السوري، وكانوا قبل ما يقارب الشهر أو الشهرين حلفاء وأعوانًا وينادي بعضهم بعضًا بالأخ “المجاهد”، فإذا بالشعب السوري يقع ضحية إرهابهم وجرائمهم، وبعد أن تلقوا ضربات موجعة من قبل الجيش العربي السوري ما لبثوا إلا أن انقلبوا على أنفسهم وارتد بأسهم بينهم شديدًا.
ثانيًا: إن هؤلاء الإرهابيين ومن غرر بهم دخلوا سوريا من أجل “الجهاد” و”الشهادة” و”الفوز بالجنة”، و”جهادهم” و”فوزهم” بالجنة المزعومان لا يتحققان إلا بقتل الشعب السوري بأطفاله ونسائه وشبابه ورجاله ومسنِّيه بالعمليات الانتحارية والسيارات المفخخة وقذائف الهاون والاستهداف المباشر. والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان مقاتلة الجيش العربي السوري وقتل الأبرياء السوريين “جهادًا” وسببًا في “الشهادة” و”الفوز بالجنة”، فما حكم اقتتالهم وتصفية بعضهم بعضًا؟ هل يدخل في “جهادهم” و”استشهادهم” المزعوميْنِ ومن ثم “الفوز بالجنة” المزعوم؟ أم يعد قتلا عمدا له عقوبته الدنيوية والأخروية؟
ثانيًا: انقلاب تنظيم ما يسمى “الجبهة الإسلامية” وتنظيم ما يسمى “جيش المجاهدين” على تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية في العرق وبلاد الشام” “داعش” بزعم أن ما يسمى “داعش” تنظيم متطرف و”عميل” لطهران ودمشق رغم أن هذه التنظيمات الإرهابية خرجت من رحم تنظيم القاعدة الإرهابي الأُم أو أعلنت ولاءها له، يعني أن هناك تخبطًا حقيقيًّا وقلقًا كبيرًا تعيشهما قوى المؤامرة والداعمة للإرهاب في سوريا، كما أن هناك حالة ارتباك واضحة جراء تبعثر المجاميع الإرهابية وسيطرة الأهواء والأحلام على كل مجموعة ورغبتها في تحقيقها على طريقتها الخاصة، لا سيما وأن مؤتمر جنيف الثاني العتيد على الأبواب، وبالتالي لا تزال أيدي القوى الداعمة للإرهاب خالية من أي ورقة تفاوض بها، فجاء القرار سريعًا بالتخلص من عصابة إرهابية وهي “داعش” وتصعيد عصابة إرهابية أخرى على حسابها وهي “الجبهة الإسلامية” و”جيش المجاهدين”.
ويكمن التناقض هنا في: أولًا: اعتبار ما يسمى “داعش” تنظيمًا متطرفًا من قبل القوى الداعمة للإرهاب، واعتبار ما يسمى “الجبهة الإسلامية” و”جيش المجاهدين” تنظيمين “معتدلين”، والسؤال الذي يطل برأسه هنا: هل هناك إرهاب متطرف وإرهاب معتدل وإرهاب خيِّر وإرهاب متواضع وإرهاب جميل وإرهاب قبيح ليتم بهذه الأوصاف وصف تنظيمات تجمعها بنية واحدة وهي الإرهاب ويجمعها هدف واحد وهو التدمير وإبادة البشر وإعدام الحياة؟ ألم تشترك تلك التنظيمات الإرهابية جميعها في قتل الأبرياء السوريين وتنفذ إعدامات ميدانية بحقهم وبحق عناصر من قوات حفظ النظام؟ ألم تدمر تلك التنظيمات الإرهابية المستشفيات وتستهدف دُور العلم ومخازن الحبوب والقمح، وتحرق المزارع؟ ثانيًا: لو كان الادعاء بأن ما يسمى تنظيم “داعش” الإرهابي عميلًا لطهران ودمشق، لما طالت الأزمة السورية إلى الآن ومرشحة للاستمرار في ظل تواصل الضخ المالي وتجنيد التكفيريين والمرتزقة من قبل القوى الداعمة للإرهاب، ولما قام الجيش العراقي بعملية عسكرية لتطهير محافظة الأنبار من ذلك التنظيم الإرهابي. لكنه أسلوب اعتدنا عليه حين يشعر المتآمرون بعبء لا يقدرون عليه يحملونه الحكومة السورية، وذلك في إطار السياق المستمر في نسج الاتهامات الباطلة وحبك الفبركات بهدف إلصاقها بسوريا. والسبب واضح من هذه الأكاذيب وهو محاولة حرف مؤتمر جنيف الثاني عن مضمونه وهو محاربة الإرهاب باتهام طهران ودمشق بأن لهما علاقة بالإرهاب عبر تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية في العرق وبلاد الشام” “داعش”.
ثالثًا: الادعاء بمساعدة الشعب السوري وهو ادعاء باطل بالمقارنة مع الفعل الحاصل والمتفاوت بين القتل والتهجير والتجويع وبين المتاجرة بدمائه من خلال التصريحات الكاذبة والقرارات والعقوبات الظالمة، ونهب كل ما يحميه من أنياب الجوع والفقر، وتدمير كل ما يحميه من شر البرد والحر والتشرد.
رابعًا: التوصيف غير المنطقي للقوى ذات المصلحة من التدخل، فبينما يوصف رياك مشار نائب رئيس حكومة جنوب السودان السابق وأنصاره بالمتمردين، يوصف الإرهابيون في سوريا بـ”المجاهدين” و”الثوار”، وهو توصيف حسب المصلحة، فرياك مشار “المتمرد” بسيطرته على أماكن الثروات وتوتيره الأجواء يهدد المصالح الغربية هناك، أما “الجهاديون/الإرهابيون” في سوريا فهم يحققون المصلحة بل هم أدوات التنفيذ والتحقيق، وبالتالي لا يستقيم وصفهم بـ”الإرهابيين”.

إلى الأعلى