الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الاستفتاء.. مقاربة للدعوة والادعاء

الاستفتاء.. مقاربة للدعوة والادعاء

علي عقلة عرسان

في خضم الحرب ـ الكارثة، في سوريا، منذ سبع سنوات، مارس الأكراد، بدعم كامل شامل تام، تصفية عرقية ضد العرب، تطهيرا عرقيا، وتمييزا عنصريا، كان ضحاياه مدنيون وعشائر عربية.. وحصل ذلك في أماكن كثيرة، منها “عين العرب، وتل أبيض، وقرى محافظة الحسكة، وحتى في عفرين”.. فقد طردوا المواطنين العرب من قراهم، وهجّروهم، وكانوا مع المعتدي على الوطن، ضد الوطن والمواطن، وحاربوا تحت الراية الأميركية.

في عام ١٩٦٨ استقر حكم حزب البعث في العراق، بعد أن أقصي عن السلطة بعد تسلمها في ٨ شباط/فبراير ١٩٦٣، ومنذ عام ١٩٩١ بدأ الأكراد في شمال العراق بالتمتع بالحكم الذاتي الذي أعطتهم إياه تلك السلطة. وابتداء من عام ٢٠٠٣ بدأ تمددهم السلطوي في العراق، إلى أن تسلموا وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية، وفرضوا الفيدرالية، ونصبهم حلفاؤهم الأميركيون متنفذين، وما زالوا. أي أنهم ظلوا تحت حكم العرب العراقيين ٢٢ سنة، من ١٩٦٨ إلى ١٩٩١، وحكموا عربا عراقيين، أو تحكموا بهم من ١٤ سنة، من ٢٠٠٣ إلى ٢٠١٧. وكانوا يعملون على مشروعهم الانفصالي، وتكوين دولة، منذ أنشأ لهم ستالين، “جمهورية مهاباد”، في شمال غرب إيران، عام ١٩٤٦، تلك التي دامت أحد عشر شهرا، في ظل قوات ستالين، التي احتلت تلك المنطقة، وسقطت تلك “الدولة” سقوطا مدويا، بانسحاب السوفييت من تلك المنطقة. حيث أعدم شاه إيران رئيسها قاضي محمد، في ٣١ آذار/مارس١٩٤٧ وهرب مصطفى البرزاني، مع مجموعة مقاتلين معه من المنطقة، إلى شمال العراق. واستمر المشروع، ووطَّد مصطفى البرزاني علاقاته بـ”إسرائيل”، منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، وساهم ومن جاء بعده بإضعاف العراق، لتحقيق الانفصال، وتشكيل نواة “الدولة الكردية”.
فعن أية مظلومية يتحدث الكرد، ويحمِّلون مسؤوليتها لغيرهم، لتحقيق أهداف معروفة؟! إذا كان الأمر يتصل بإعطائهم دولة، إثر تمزيق الدولة العثمانية، وتنفيذ اتفاق سايكس ـ بيكو في المنطقة.. فليس العرب من فعل ذلك، بل كان العرب ضحايا ذلك. وإذا كان قد نالهم حيف في زمن الدولة العثمانية، والاستعمار، وحروب النصف الأول من القرن العشرين.. فقد نال العرب مثل ذلك الحيف وأكثر، وقسم وطنهم، وغرس في قلبه “خنجر إسرائيل”، وشرد شعب، هو الشعب الفلسطيني، وما زال مشردا ومضطهدا، ويلاحق من الصهيونية ومن إسرائيل وحلفائها.. تلك الدولة العنصرية التي يتحالف “أكراد” معها، والتي أيدت وحدها، الاستفتاء الانفصالي، في شمال العراق، الذي يصر الكرد على إجرائه في ٢٥ أيلول/سبتمبر الجاري ٢٠١٧ على الرغم من عدم دستوريته، ومن اعتراض كل دول العالم عليه؟! وعلى الرغم مما يشكله من موقف خطير، وطعنة في الظهر للعراق، ولدول المنطقة، وللعرب الذين يجمعهم والكرد تاريخ طويل، وعلاقات وطيدة، وعقيدة واحدة؟!
ويبدو أن ذلك الإصرار، ينطوي على ابتزاز مدروس، بتواطؤ خفي مع أطراف دولية، تبطِن غير ما تُظهر، وترسم خططا لتمزيق دول عربية، وإضعاف الأمة والدين/الإسلام.
وهدف الابتزاز يندرج في خانتين:
١ – استغلال ضعف الدولة والعراقية وانشغالها بالحرب على “داعش”، وإقبالها على تحديات “إعادة إعمار العراق المدمر”، وإعادة اللحمة للشعب بكل فئاته.. واستغلال أهل الاستفتاء أيضا للهشاشة الاجتماعية، الناشئة عن تنامي الفتنة المذهبية “السنية ـ الشيعية”، وتصديعها للمجتمع العراقي، وإدخاله في صراعات داخلية دموية، وفي دوائر ودوامات من انعدام الثقة، والكراهية المقيتة.. لجعله يقدم تنازلات، وتعهدات، تفضي في نهاية المطاف إلى تقوية نفوذ الشمال، وتعزيز المطالبة بالانفصال، الذي سيبقى يلوَّح به، عند كل مطالب.

٢ – من جانب آخر، ينطوي الأمر على محاولة مجربة، لجعل الدول المتحالفة مع الأكراد، والداعمة لانفصالهم، والمعَزِّزة لقوتهم العسكرية بالسلاح والتدريب والخبرة.. وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن يقع تحت تأثيرهما، وكذلك الأمم المتحدة.. تتعهد بشيء سياسي للأكراد، يتعلق بتقرير المصير، وإقامة دولة كردية مستقلة، بعد وقت من تأجيل الاستفتاء، وذلك عبر الإعلان الملتبس من جانبها، والضغط، على بغداد، في المفاوضات التي يجريها البرزاني، وتسفر عن وعود ومكاسب ونفوذ وتعهدات.
وفي الحالات كلها، الربح الكردي مضمون.. فإذا تم الاستفتاء، وحقق نتائج عالية، يصبح ورقة بيد البرزاني والأكراد يلوحون بها للانفصال، وإقامة دولة، باسم حق تقرير المصير. وإذا ما تمت الاستجابة لضغوط دولية، ومراعاة للرفض العراقي، ورفض دول الجوار، وتم تأجيل الاستفتاء، فذلك يفضي إلى الحصول على ثمن كبير، يشكل رصيدا سياسيا لمستقبل الانفصال من جهة، تتضمنه تعهدات، والتزامات دولية، ووعود.. وفي الوقت ذاته يسفر عن مكاسب إدارية ومالية وسياسية تنتزع من بغداد بالتفاوض، تحت الضغط المراقبة والتعاطف الدولي.. وتعزيز المواقف، وانتفاخ جعبة الحجج، بشهادات وعود والتزامات.. تفضي مستقبلا لإقامة الدولة، والاعتراف بها.. ولسان حالهم، حول هذا، قال بصراحة: “أهمية الاستفتاء تكمن في كونها رسالة نهائية وحاسمة إلى الشركاء، بأن الخطوة الثانية والنهائية قادمة”.
وهذا، على أي وجه أتى، هو خطوة بل خطوات، نحو تحقيق الهدف الكردي، بإقامة دولة في “كردستان العراق”، تشكل نواة للدولة الكردية الأوسع، وملجأ لمن يناضلون من أجل المشروع في سوريا وإيران وتركيا، ومرجعية، ذات حضور، واعتراف دولي، وعلاقات تساهم في تحقيق خطوات، على طريق الدولة الأكبر والأشمل.
تلك سياسة ناجحة، مدروسة، تساهم بها دول ذات وجهين وأكثر.. بصرف النظر عن الأحكام الأخلاقية “إذ لا أخلاق في السياسة” كما يقولون، وذاك فيروس الظلم والغدر والعدوان، في عالم سياسي، ينأى بنفسه عن الأخلاق، المتداخلة عضويا: بالإنساني والروحي والديني والثقافي والحضاري؟!
قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس الأحد ١٧ أيلول/ سبتمبر الجاري: “إن الاستفتاء الذي يعتزم إقليم كردستان العراق تنظيمه في 25 أيلول/سبتمبر بشأن الانفصال عن العراق”، سيصرف الانتباه عن الحاجة لهزيمة “تنظيم الدولة الإسلامية، وإعادة بناء المناطق المستردّة”..
هذا الكلام، الذي ردّده الأمين العام للأمم المتحدة، بعد أن أعلنته الولايات المتحدة الأميركية موقفا من الاستفتاء، فقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان: “نقدّر تطلعات إقليم كردستان العراق المشروعة لإجراء استفتاء الاستقلال”، لكن إجراءه قد يصرف الانتباه عن الحرب ضد “داعش”. وقالت الوزارة: “واشنطن تعتبر أن من شأن إجراء الاستفتاء أن يشتت الانتباه عن الجهود المبذولة لهزيمة “داعش”، واستقرار المناطق المحررة”./المصدر: رويترز/ أسوشيتد برس.. هذا الموقف غير مقبول على الإطلاق.. ويستوجب طرح السؤال: هل لو تم ذلك، بعد القضاء على “داعش”، أو قبل أن يقوم “داعش” أصلا.. هل يكون مناسبا ومقبولا وقانونيا ودستوريا؟! أم أنه تقسيم للعراق، يجب أن يواجه بالرَّفض، في كل الأوقات والأحوال.. لا سيما من منظمة دولية تعترف بسيادة العراق، وبوحدة أراضيه، وهو عضو فيها.. ومن الولايات المتحدة الأميركية، التي دوَّختنا، بعد تدميرها للعراق واحتلاله و”فَدْرَلَته”، وبعد دعمها للمشروع الانفصالي الكردي، بكل الأشكال والوسائل والصيغ والأدوات والأسلحة والتجهيزات.. بأنها تحافظ على وحدة العراق أرضا وشعبا، وعلى سيادته؟! أليس هذا جوهر النفاق، أليس هو الكذب مموها بصورة ما.. أليس سياسة رخيصة ومكشوفة، وترمي بوضوح إلى إقامة كيان يعتمد عليها كليا، وتزعزع منه دول المنطقة؟!
تلك سياسات وخطوات تقوم على المكر والغدر.. وهذا معروف مألوف من الأميركيين، والصهاينة، ولكنه، بل هو غير مستغرب ـ بعد التي واللتيَّا، مما شاهدناه من مواطنينا وإخوتنا الأكراد ـ إذ هو بالوطن والشعب، من مواطنين في دولة واحدة. ويتم بتعاون، بل بتحالف مع أعدائه، وباستغلال لظروفه وضعفه وانشغاله في حروب وأزمات.. وذاك ابتزاز مدروس، مدعوم من قوى دولية، بهدف الوصول إلى نتائج، ومكاسب، وتحقيق مصالح، هي بالنتيجة للأطراف المشاركة فيها.
إن هذا الذي يقول الأكراد إنهم مصممون عليه، ويحشدون له، ويثيرون هم وأنصارهم، زوبعة إعلامية كبيرة من أجله، بالغ الخطورة، ولا يمكن إلا أن يقابَل بردود فعل غير عادية من حكومة العراق، ومن دول الجوار المعنية كليا به، لأنه يهدد وحدتها، ويمس بأمنها القومي.. فهو عمل تقسيمي للعراق، يهدد وحدة الأرض والشعب، وهو مخالف للدستور، ولإرادة الشعب، التي تجلّت في قرار مجلس النواب العراقي الذي رفض الاستفتاء.. وقالت المحكمة الاتحادية العراقية العليا بشأنه: “بعد المداولة ولتوفر الشروط الشكلية القانونية في الطلبات، أصدرت المحكمة أمرا ولائيا بإيقاف إجراءات الاستفتاء المنوي إجراؤه بتاريخ 25 أيلول بموجب الأمر الرئاسي المرقم (106) في 8 حزيران 2017 الصادر عن رئاسة إقليم كردستان لحين حسم الدعاوى المقامة بعدم دستورية القرار المذكور”.
ومن ثم فهو فعل متهور، ينذر بحرب أهلية، في ظل الحرب الدائرة منذ سنوات، لا تتوقف مخاطرها وأبعادها عند حدود العراق. لقد أعلن رئيس وزراء العراق حيدر العبادي: “أن الاستفتاء لعب بالنار”، وأن “من شأن إجرائه، أن يؤدي إلى نتائج خطيرة لا يمكن إزالة آثارها.. وتؤدي إلى تقسيم العراق، وتهديد السلم الأهلي، في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية التي يمر بها البلد.. هذا فضلا عن تهديده للسلم الإقليمي”، وأن الحكومة العراقية على استعداد للتدخل العسكري، في حال وقع عنف.. وفي رد فعل دول الجوار، قالت تركيا إن “المجلس القومي التركي والحكومة يجتمعان، بصورة استثنائية يوم ٢٢ لاتخاذ القرارات المتعلقة بإجراء الاستفتاء في شمال العراق، لأنه بنظرها تهديد للأمن القومي التركي. وأعلن رئيس وزرائها بن علي يلدريم، أن: “الاستفتاء على انفصال كردستان مسألة أمن قومي وسنتخذ الإجراءات اللازمة بشأنه”.. وهناك مناورات في ولاية “سيلوبي”، قرب “طوز خرماتو” العراقية. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية: “استفتاء كردستان أشبه بكارثة، تدفع باتجاه تقسيم دول المنطقة. وأنه سيُجر الفوضى على المنطقة”. وقال أمين المجلس القومي في إيران: “انفصال كردستان معناه، إغلاق كل المعابر معه”.
أمّا في سوريا، فإن الدولة أعلنت في وقت سابق رفضها للفيدرالية التي أعلنها أكراد سوريا من جانب واحد، مستغلين ما تمر به البلاد من ظروف أكثر من صعبة، وكل الأطراف السورية في السلطة والمعارضة ترفض تقسيم سوريا، و”الفدرَلَة”، وإقامة دويلات على حساب الدولة، ومن الطبيعي أن يكون هناك رفض لزعزعة أمن المنطقة من جديد، وإغراقها في حروب، تزيد من كوارث ما هي فيه من ويلات وكوارث بسبب الحرب المستمرة منذ سنوات. وفي تسريب إعلامي سوري مُغْفَل، قيل بوضوح: “لن يتمّ التسامح مع كلّ من يريد الاختباء وراء شعار محاربة الإرهاب، لبناء أرضية لمشاريع التقسيم”.. وهذ يشير إلى موقف.
من المؤسف أن الكرد ما زالوا يعزفون على وتر المظلومية، في العراق وسوريا، مع أن اللحن أصبح أكثر من ممجوج.. وما زال ادعاء المظلومية ذاك، سلاحا وذريعة وعنوانا.. ومن أسف أن بعض العالم يُقبل على مرتفِع الصوت ويسمَع منه. وقد كان التسامح أو الضعف، أو العجز، أو التهاون، الذي صيغ بصيغ تسامح. سببا في كثير من المآسي، والتمرد والتفكك.. ويقف خلف ذلك مئة سبب وسبب، منها ولوغ ظالمين، في دماء المظلومين، وادعائهم بأنهم ضحايا الظلم، أو ظلم أقوياء فاجرين وابتزازهم، وإيهامهم بأن هناك غيره من يظلمهم.. والأمثلة كثيرة، ولا تنحصر في الأكراد، لكن من ذلك الذي يتصل بهم، وزاد من تمردهم وتوهمهم، ما كان ينبغي أن يعامل به المتعاملون مع العدو الصهيوني، ومنهم مصطفى البرزاني، الذي تعامل مع “إسرائيل” ضد دولته، منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، ويستحق أن يحاسب عليه وطنيا، وقد تبعه آخرون.. لكن ذلك لم يتم، وفق الدستور والقانون ومنطق العدالة الاجتماعية، ومنطق الدولة الواحدة.
وفي جانب آخر، مشابه ومتصل، لم يحاسَب أكراد سوريا، منذ ثمانينيات القرن العشرين، على مخالفات وطنية، وخروج على الدولة.. وقد علت أصواتهم بالمظلومية، ففي القامشلي وتوابعها، لم يحاسبوا عام ٢٠٠٣ على التمرد، ورفع العلم الأميركي في المدينة، وفي ملعبها البلدي.. في الوقت الذي كان فيه الأميركيون يجتاحون العراق بعدوانهم الوحشي، وكولن باول يهدد سوريا باجتياح عسكري، قائلا للسوريين: “تذكروا أننا أصبحنا جيرانكم”؟!.. لقد استغل الأكراد ذلك الظرف، لتأييد الأميركي المعتدى والمحتل، والاستقواء بمن يهدد “وطنهم” بالعدوان والاحتلال..؟!
إن ضعف الدولة “في سوريا وفي العراق”، أو انشغالها، أو ابتزازها، أو تهديدها، أو التواطؤ مع أعدائها ضدها، لا سيما “الولايات المتحدة الأميركية، وإسرائيل” ودول أوروبية مؤيدة لهما.. أو.. أو.. كل ذلك جعل الأكراد يزدادون خروجا على الدستور والقوانين في كل من البلدين، ويدّعون المظلومية، ويجابهون من يحاول أن يحاسِبهم، بتهم منها الشوفينية، وبضغط يقوم به حلفاؤهم لصالحهم، بل وبتهديد، وتدخل وتدمير.
وفي خضم الحرب ـ الكارثة، في سوريا، منذ سبع سنوات، مارس الأكراد، بدعم كامل شامل تام، تصفية عرقية ضد العرب، تطهيرا عرقيا، وتمييزا عنصريا، كان ضحاياه مدنيون وعشائر عربية.. وحصل ذلك في أماكن كثيرة، منها “عين العرب، وتل أبيض، وقرى محافظة الحسكة، وحتى في عفرين”.. فقد طردوا المواطنين العرب من قراهم، وهجّروهم، وكانوا مع المعتدي على الوطن، ضد الوطن والمواطن، وحاربوا تحت الراية الأميركية.
أمَّا انخراطهم في الحرب ضد “تنظيم الدولة، داعش”، فكان وما زال، وحسب تصريحاتهم، ومواقفهم وإعلاناتهم السياسية، حتى في أوساط المعارضين السوريين للنظام، أنهم “يحررون أرضهم”، التي لن يخرجوا منها، ولا يُبقون فيها أحدا غير الأكراد، ولن يسلموا فيها السلطة للدولة السورية”.. وتدعمهم واشنطن وتل أبيب في ذلك.
وهم حين لا يواجهون الدولة، في معارك وساحات ومواقف، فلكي لا يواجهوا أكثر من قوة في آن واحد، وذاك تكتيك جيد وناجح ومثمر، وقد حقق نتائجه. ومن المعروف أنهم أعلنوا “فيدرالية” على مزاجهم، وحكما ذاتيا من جانبهم، ومنعوا سوريين هاربين من الموت، من دخول مناطق يسيطرون عليها، وفرضوا على من دخل منهم، بطريقة ما، أن يكون له كفيل كردي؟!.. وكأنه يدخل إلى دولة غير دولته، وإلى أرض غير أرضه، وإلى وطن غير وطنه.؟!
تلك أمور ينبغي أن يتوقف المرء عندها، سواء أكان عربيا أم كرديا، ليتعظ منها، وليقرأ دروسها.. وهو يقارب هذا الموضوع من جوانبه كافة، الذي تفشّى فيه الكذب والافتراء، وبرز فيه التعاون مع أعداء الوطن والمحتلين لأرضه، وأسيئ فيه التقدير والتدبير من قبل أحزاب ومن قبل السلطات، في سوريا والعراق على الخصوص.
لقد بادر الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، بتحرك على هامش موضوع الاستفتاء، ودعا للتفاوض.. ويفتَرَض فيه، بوصفه رئيسا لجمهورية العراق، أقسم على صون وحدته وسيادته.. أنه يفعل كل ما يؤدي وحدة العراق، وليس لقيام دولة كردية، على حساب وحدته، وزعزعة أمن المنطقة كلها.. لكن لا نعرف، كيف سيكون وضع الرئيس معصوم وموقفه، ظاهرا وباطنا، بوصفه كرديا، وإلى أين سيكون ميله الذي يحكم توجهه النهائي: هل لدولة كردية على حساب وحدة العراق، أم لدولة عراقية واحدة موحدة، ورفضا للانفصال والتقسيم، وعلى حساب حلم بعض الأكراد؟! وأقول بعض، لعلَّ وعسى، واستنادا إلى تصريحات ومواقف قلة قليلة منهم، منها قول رئيسة كتلة التغيير الكردية، سروة عبدالواحد: “الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان تحركه مصالح شخصية”؟! على كل حال، قيل بوضوح على هامش مبادرة الرئيس معصوم، ودعوته للتفاوض: “إن المفاوضات ستكون حول الاستفتاء والاستقلال”، وهذا مؤشر ذو دلالة، في سياق ما يجري، مما أشرنا إلى بعضه، وفي حالة رئيس شبه فخري، حتى لا نقول “شبه معطَّل”.
ونتمنى أن يتغلب العقل، وتتغلب الحكمة، وأن تنتصر الأحوة التاريخية، والعلاقات الوطيدة، على نزوات، ونزعات، وتورمات، وأوهام.. وعلى ممارسات، تؤدي إلى أزمات، وكوارث وويلات.. يدفع ثمنها الطيبون البسطاء، ويجني مرابحها الماكرون الثعالب، والأقوياء.
والله من وراء القصد.

إلى الأعلى