الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة

العين .. الثالثة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

التشويه ،،الإرادي وغير الإرادي ،، لمسارنا الديمقراطي

بعد ثلاثة أيام فقط، ستشهد البلاد استحقاقا انتخابيًّا جديدا، بتوجهات حديثة وغير مسبوقة تعطينا صورة عن طبيعة المرحلة السياسية التي تتجه إليها البلاد في عهدها المتطور الجديد الذي يتم تأسيسه منذ عام 2011، وهي انتخابات غرفة تجارة وصناعة عمان وفروعها المنتشرة في المحافظات، حيث ستتم الانتخابات وفق ثلاث مراحل مهمة، الأولى، انتخاب أعضاء الغرفة وفروعها عبر الاقتراع السري لاختيار أعضائها، والثانية انتخاب رؤساء الفروع بالاقتراع السري من قبل الأعضاء المنتخبين وعددهم (11) عضوا لكل فرع بدلا من أن يتم تعيينهم من قبل رئيس الفرع المنتخب، والثالثة، انتخاب رئيس الغرفة ،، الأم،، من قبل رؤساء الفروع في اقتراع سري كذلك بعدما كان يتم تعيينه بمرسوم سلطاني، وهذا الاستحقاق الانتخابي جديدا في نهجه وعصريا في مساره، فكيف يتم تطبيقه؟ والتساؤل يوحي منذ الوهلة الأولى بوجود خلل كبير لا يمكن السكوت عليه.
وهو كذلك فعلا، لكننا، لن نجده أي الخلل الكبير في التوجه السياسي، ولا في طبيعة النهج الديمقراطي المختار، وإنما دائما نجده إما في الفراغ التنظيمي أو طبيعة التنظيم الذي يؤطر نهجنا الديمقراطي، وقد اعتقدنا أننا قد استفدنا من تجاربنا السابقة في انتخابات مجلس الشورى والمجالس البلدية، لكن يبدو أن نفس الأخطاء تتكرر معنا في كل التجارب، وكأننا لم نستفد من الأخطاء أو تكرارها، وكأن كل مسار ديمقراطي جديد لا ينبغي أن يبنى على إيجابيات وسلبيات التجارب التي سبقته في بلادنا، وهذه قضية كبيرة، وهي فعلا كذلك، وهذا ما تواجهه الآن انتخابات الغرفة وفروعها ، فرغم عدم صدور التشريع الجديد الخاص بالغرفة وفروعها، كنا نتوقع أن يكون عملية تنظيم سير الانتخابات في ثوبها الجديد المطور أكثر احكاما لتجاوز سلبيات الانتخابات في مجلس الشورى والمجالس البلدية، وإذ بها تغرق فيها إلى القاع رغم ان التطور الذي مس جوهر العملية الديمقراطية كان كبيرا، ويسجل تاريخيًّا كمفصل زمني مهم جدا، وكان يجب أن يحمل معه الممارسة الانتخابية،، ترشيحا وترشحا،، إلى مستوى الجوهر السالف الذكر، وينبغي الاعتراف، بأن بعض الإجراءات التنظيمية لهذا الاستحقاق الجديد تفرغ هذا النهج الجديد من محتواه كثيرا، فهي ـ دون تعميم ـ لم تأت لتضع حدا لقضية شراء الأصوات، كما لم تحاول جذب النخب الاقتصادية المرموقة وذات الثقل الكبير، اقتصاديًّا وتعليميًّا، مما تولد عن ذلك بروز ظاهرة الشراء فوق السطح الانتخابي دون خجلا أو استحياء، وكأننا هنا ندفع بالمترشحين إلى تطبيق سياسة الأمير ميكافيللي،، الغاية تبررها الوسيلة،، من أجل الوصول إلى العضوية اولا والرئاسة ثانيا، فليس مهما كم سأدفع اكثر من المنافس الآخر، الأهم هو الوصول كغاية مستهدفة من قبل فعل غير مجرم قانونا، وهذا ما يعتد به البعض، فلا يوجد الان اية فقرة قانونية أو تنظيمية تمنع شراء الأصوات، فانظروا ما يحدث من مزايدات ومساومات على شراء الأصوات، إننا بذلك نغرس ثقافة،، الصوت المدفوع الثمن،، في تجربتنا الديمقراطية والسبب؟ القانون التنظيمي وليس الخيار الديمقراطي، مما قد يصبح كل شيء له مقابل مدفوع، وقد نشهد امتدادا هذه الثقافة إلى حياتنا العامة إذا لم نسرع في وضع الأطر التشريعية والتنظيمية التي تحاربها، والا، فهل نريد مثل هذه الأمراض الاجتماعية تنتشر في مجتمعاتنا؟ السماسرة يروجون الآن لفكرة ،، كم ستدفع أكثر،، والفراغ القانوني يولد أسواقا للمضاربة بالأصوات، وهذا سيكون على حساب القيم، مما نشهد في هذه التجربة انهيارا جديدا لمنظومة القيم، وهو انهيار سيكون متواليا ومتدحرجا إذ ليس هناك ما يضمن الوفاء بالصوت أصلا، حيث يمكن ان تتم عملية البيع لأكثر من منافس، ولمن يدفع أكثر، وكذلك، لأن الانتخابات تتم بواسطة الاقتراع السري وبصفة شخصية أي دون توكيل على عكس المرات السابقة، فمن يعرف من المترشحين صدق البائع من عدمه؟ إذن تظل الديمقراطية في هذه الحالة خروجا سافرا عن مضامينها وأهدافها، والسبب غياب القانون، وفراغ اللوائح التنظيمية التي لم تنص على تجريم شراء الأصوات، وهذا ما يدعونا إلى المطالبة بتضمين القانون الجديد فقرة خاصة بذلك، بل فقرات قانونية وليس فقرة واحدة، فعلاوة على التجريم يتم كذلك تغليظ العقوبة على البائع والمشتري، ونشر اسمائهم في لوائح الاستبعاد، كوسيلة ردع قوية تحتمها عملية القضاء على ظاهرة الشراء بعد أن تكررت معنا في عدة تجارب سابقة، ودون ذلك لا يمكن للمسار الديمقراطي الجديد ولا أية مسارات قديمة أو حديثة أن تذهب نحو غاياتها السياسية ما لم نوجد لها البيئات الديموقراطية المناسبة لها، والغرفة أنموذجا، إذ إننا نرى من وحي تطور انتخاباتها وشموليتها أنها تفتح لنا أفقا مستقبليًّا حالما، سوف يراعي الجغرافيات الوطنية ونفسياتها، ما هو طبيعته؟ هذا ما سنتناوله في مقالنا بعد غد الأربعاء عشية هذه الانتخابات، وكذلك من بين المسائل المهمة التي ينبغي الحرص عليها مستقبلا، اشتراط الحوارات الاقتصادية بين المترشحين للغرفة وفروعها حتى يتضح للقاعدة الانتخابية من هو الأصلح والأكفأ بالعضوية والرئاسة، وهذا الشرط جوهري ويتناغم مع الأفق السياسي الذي قد يتولد عن تطور جوهر انتخابات الغرفة وفروعها.
نكرر عدم التعميم، لكننا، نحذر من تجاهلها، ومن تركها تتوغل في الثقافة والممارسة العامة، لأنها لن تمس جوهر القيم فقط، وإنما سوف تفرز لنا نخبا قيادية تترك وراءها علامات استفهام كبيرة، فما بني على باطل فهو باطل، لكن المشكلة أن القانون لا يعتبرها باطلة، وبالتالي، فهي جائزة قانونا، وجوازها يؤسس جيلنا الجديد على ضبط كل أفعاله وفق بوصلة الثمن المدفوع ومسبقا وليس من أجل المصلحة العامة وبالمجانية، وهذه خطورة إضافية جديدة نقدمها على ما سبق تقديمه، وخطورتها كذلك تبني عملية الشراء من قبل بعض المترشحين المتحفظين والرافضين لها، أي أن الدائرة تتسع بتزايد الطموحات وحب الفوز، لأنهم وجدوا أنفسهم أمام تيارا قويًّا يدفع بهم للدخول لهذا السباق إذا ما أرادوا التنافس من أجل الفوز، فهل سنترك هذه الظاهرة تحصد القيم بصورة متدحرجة كما تسقط كتلة الثلج من أعلى قمة الجبل؟

إلى الأعلى