السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مشوار الإصلاح في مصر

مشوار الإصلاح في مصر

أحمد مصطفى

أظهرت البيانات الاقتصادية المصرية للسنة المالية 2016-2017 نموا ملحوظا في جميع القطاعات، والتي جاءت بدعم من الإصلاحات التي اتخذتها الحكومة. وانعكس نمو الاحتياطيات وتراجع العجز التجاري مع التحسن في أداء الناتج المحلي، على شهية المستثمر الأجنبي الذي ارتفعت قيمة تدفقاته إلى 13.3 مليار دولار، متجاوزة المستهدف عند 10 مليارات دولار، ليرتفع بذلك صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 14.5 في المئة…

تشير الأرقام الرسمية المصرية إلى أن دفاتر الاقتصاد الكلي آخذة في الانضباط بشكل جيد، وتمتدح المؤسسات المالية الدولية ما تتخذه مصر من إجراءات أدت إلى تحسين حسابات اقتصادها وأرقامه الرئيسية رغم ما لتلك الإجراءات من تبعات اجتماعية صعبة على غالبية المواطنين. ويلحظ من يزور مصر أن هناك إنجازات حقيقية تتم، خاصة على صعيد البنية الأساسية وربما تكون مشروعات الطرق والبناء أكبر محرك للاقتصاد في الداخل. كما يلحظ أيضا ما يعانيه المصريون من ضغط الظروف الاقتصادية، خاصة مع ثبات الأجور وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. ومن المهم الإشارة إلى حقيقة مهمة وهي أن الإصلاح الاقتصادي في مصر ضرورة طال أمدها ـ وإن جاء متأخرا ـ فأفضل ألا يأتي على الإطلاق. وصحيح أيضا أن هذا التأخر لعقود في الإصلاح الحقيقي في مصر يجعل تبعاته على المواطن أشد وطأة.
بداية، لم تكن مصر بحاجة لشروط صندوق النقد الدولي لمنحها قروضا كي تبدأ عملية إصلاح هيكلي مستحقة منذ عقود لكن ارتباط إجراءات الإصلاح بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي يعطي تكئة مهمة للمعارضين للحكم في مصر ـ وهؤلاء سيعترضون على أي أمر أيا كان طالما أنهم ليسوا هم من في السلطة. لذا من الأفضل إغفال ذلك حين النظر إلى مشوار الإصلاح الاقتصادي في مصر. ولا يعني ذلك أن عملية الإصلاح تضغط على المواطن العادي إلى حد الخنق أحيانا. ولعل أهم ملمح في الإجراءات هو تعويم الجنيه المصري (أي تحرير سعر صرفه مقابل الدولار الأميركي والعملات الأخرى) ورفع الدعم عن السلع والخدمات. وذلك ما أدى إلى زيادة السعار بشكل هائل وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 30 في المئة. إلا أن ذلك أدى بالفعل إلى تحسن هائل في أرقام الاقتصاد المصري في الأشهر الأخيرة، خاصة على صعيد تفادي الارتفاع الهائل في عجز الموازنة والميزان التجاري والتراجع الحاد في حجم الاحتياطيات النقدية.
في الربع الأخير من السنة المالية المنتهية في يونيو، انخفض حجم العجز التجاري بنسبة 50 في المئة على أساس سنوي، ليهبط العجز بذلك خلال عام بنسبة 8.4 في المئة إلى 35.4 مليار دولار مقارنة بالسنة المالية السابقة. وزادت الاحتياطيات النقدية والتدفقات الاستثمارية الأجنبية بعد عملية التعويم، حيث استطاعت الحكومة أن ترفع من حجم الاحتياطي الأجنبي إلى 36.14 مليار دولار بنهاية أغسطس من نحو 19.6 مليار دولار سجلت في شهر التعويم.
أظهرت البيانات الاقتصادية المصرية للسنة المالية 2016-2017 نموا ملحوظا في جميع القطاعات، والتي جاءت بدعم من الإصلاحات التي اتخذتها الحكومة. وانعكس نمو الاحتياطيات وتراجع العجز التجاري مع التحسن في أداء الناتج المحلي، على شهية المستثمر الأجنبي الذي ارتفعت قيمة تدفقاته إلى 13.3 مليار دولار، متجاوزة المستهدف عند 10 مليارات دولار، ليرتفع بذلك صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 14.5 في المئة إلى 7.9 مليار دولار في العام المالي الأخير. كما أن تعويم الجنيه المصري ضغط الفجوة بين سعر الجنيه في السوق الرسمي والسوق الموازي، ما ساهم في جذب المزيد من تحويلات المصريين في الخارج والتي ارتفعت قيمتها بنحو 1.8 مليار دولار في يوليو الماضي لتتجاوز عتبة الـ14.5 مليار دولار. ولعل ذلك يساعد الحكومة على الدفع بالناتج المحلي الإجمالي لنمو أكبر، إذ ما زال بالكاد متجاوزا 4 في المئة. وإن كانت نسبة النمو هذه تعد إنجازا بعدما توقف النمو تقريبا عند ما بين 1 و2 في المئة منذ اضطرابات 2011. وتحتاج مصر لزيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي لأكثر من 7 في المئة كي تتمكن من حل مشكلة البطالة المرتفعة وضبط حسابات الميزانية بشكل جيد.
كل تلك الإنجازات تؤكد أن عملية الإصلاح “المالي” تسير بشكل جيد في مصر، إلا أن عملية إصلاح “اقتصادي” شامل تتطلب أكثر من خطط ضبط الدفاتر والأرقام الكلية. صحيح أن ذلك الإصلاحي المالي مهم وأساسي لكي تتمكن الحكومة المصرية من التعامل مع المؤسسات الدولية والأسواق التي يرتبط بها الاقتصاد المصري، بما في ذلك أسواق التمويل والاستثمار، إلا أن كل هذا لا يشعر المواطن العادي بالتحسن الذي تتحدث عنه المؤسسات الدولية ويمتدحه الخبراء والمحللون. وإذا كان قدر كبير من هذا الإصلاح المالي تضمن رفع الدعم عن الوقود والكهرباء وغيرها مثلا وتطبيق ضريبة القيمة المضافة على مبيعات التجزئة وإجراءات تقشفية أخرى أثرت بشكل أساسي على محدودي ومتوسطي الدخل فإن عدم وجود شبكة أمان اجتماعي لهؤلاء الأكثر تضررا فاقمت من التبعات السلبية على قطاع واسع من المصريين.
بالطبع جزء من عملية الإصلاح المالي التي تعتمدها الحكومة هو ضغط ميزانية “الدعم الاجتماعي” بما في ذلك معاشات التقاعد والضمان الاجتماعي لغير القادرين. لكن مثل هذه الإجراءات، والتي ستستمر لوقت إن كان لعملية الإصلاح أن تؤتي ثمارها، بحاجة إلى إجراءات مكملة وعاجلة تستهدف تخفيف عبء تكاليف المعيشة على الفقراء وغير القادرين. ولا يجب أن يرتبط ذلك بحملة انتخابات رئاسية متوقعة، بل إن يكون جزءا أصيلا من خطة الإصلاح.

إلى الأعلى