الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : لو عرفوا “عدوهم” و”أنفسهم”

أصداف : لو عرفوا “عدوهم” و”أنفسهم”

وليد الزبيدي

تندلع الحروب أو يبدأون بإشعالها لكنهم لا يعروف مآلاتها، ولا يدرك الكثيرون النتائج الدقيقة التي ستتمخض عنها تلك الحرب، وفي الحروب الحديثة تبرز ظواهر وقوى وتحالفات لم تكن في الحسبان.
لم يدرك حكام الامبراطورية النمساوية ـ المجرية أنها في طريقها إلى التفكك والزوال بسبب الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت نفسه جاءت نتائج هذه الحرب لتنهي الامبراطورية العثمانية التي تواصل حكمها وسلطانها لخمسمئة سنة، وبينما كانت الحرب مشتعلة فإن أبرز السلاطين العثمانيين (السلطان عبدالحميد الثاني) كان تحت الإقامة الجبرية داخل قصر يلدز في سالونيك المقر الرئيسي ليهود الدونة والماسونيين والتي انبثقت منها قيادات الاتحاد والترقي، ولم يعرف السلطان بمجريات الحرب وتداعياتها إلا بعد تهديد البلقان لأراضي الدولة العثمانية واحتمالات وصولهم إلى سالونيك، فقرروا نقل السلطان إلى قصر علي بابا في اسطنبول، وقبل ذلك التاريخ كان السلطان الذي حكم الامبراطورية العثمانية لثلث قرن محروما من قراءة الصحف وممنوعا من معرفة ما يدور خارج أسوار القصر ـ السجن.
كان السلطان عبدالحميد الثاني يدرك أنه يدفع ثمن موقفه من زعيم الحركة الصهيونية ثيودور هيرتزل الذي زاره في العام 1902 وطلب منه الموافقة على إنشاء دولة لليهود في فلسطين ورفض ذلك، كما رده بقوة وطرده بعد عرض هيرتزل رشوة بعشرين مليون جنيه استرليني، ومنذ ذلك الوقت وضعت الصهيونية العالمية خطة للإطاحة بعبدالحميد الثاني وتم تكليف جمعية الاتحاد والترقي بالتنفيذ وتوجيه الإهانة له وعمليات الإذلال للسلطان حيث بقي قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته في العام 1918.
إنها لمفارقة غريبة أن تندلع حرب الامبراطورية العثمانية دون أن يعرف بذلك أبرز سلاطينها وهو على قيد الحياة، ويفارق الحياة في السنة ذاتها التي انتهت فيها السلطنة وتفككت بعد خمسة قرون من الحكم.
الأمثلة والشواهد كثيرة ويزخر بها التاريخ، تؤكد في مجملها أن الذين توهموا إحراز النصر في حروبهم قد ارتكبوا الخطأ الجسيم، ولم تكن حسابات البيدر دقيقة، بل إن هؤلاء القادة والزعماء قد عاشوا “وهْم القوة” الذي طالما أطاح برؤوس وتحطمت بسببه العروش وتساقطت التيجان وقطعت الرؤوس.
أسباب ارتكاب الأخطاء عديدة، لكن يقف في مقدمة ذلك تجاهل نصيحة قديمة جدا وضعها أحد أبرز مفكري الفكر الحربي وفنونه، إنه المفكر الصيني صن تزو الذي وضع أشهر الكتب في علم الحروب “فن الحرب” في حدود خمسمئة قبل الميلاد، وقال فيه من بين ما قال من كلام ثمين “إذا أردت أن تكسب نصف الحرب عليك أن تعرف عدوك، وإذا أردت كسب نصف الحرب الثاني، عليك أن تعرف نفسك”.
إن من أهم حسنات هذه القاعدة العلمية لمن يفكر بطريقة سليمة أنها تعيد الصواب لمن يتوهم القوة ويركبه الغرور، وقد يكون في مضمونها معرفة الذات أهم بكثير من معرفة الآخر، ولو حسب الكثير من القادة والزعماء حسابا لهذه المقولة الدقيقة لما انزلقت شعوب وأمم في أتون حروب ودماء ودمار.

إلى الأعلى