الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: الكوارث البيئية وضرورة مواكبة التغيرات المناخية

في الحدث: الكوارث البيئية وضرورة مواكبة التغيرات المناخية

طارق أشقر

فيما لم تتوقف محطات الإذاعة والتلفزيون والصحف السيارة ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي طوال الأسابيع الثلاثة الماضية عن نقل كل ماهو محزن ومؤلم من آثار العديد من الأعاصير والكوارث البيئية بمختلف مسمياتها، بدأ الكثير من المراقبين في مجال البيئة يتساءلون عن مدى إمكانية مواكبة الإنسان في عصر التكنولوجيا مع التغيرات المناخية في العصر الحديث.
في الواقع تتابعت الكوارث البيئية في الأسابيع الأخيرة وشغلت العالم بتداعياتها المحزنة، وبينها على سبيل المثال لا الحصر، “زلزال المكسيك” الذي أودى بحياة أكثر من مئتين شخص أمس الأربعاء، وقبله إعصار “خوسيه” الذي أربك الحياة في نيويورك الأميركية، وإعصار “هارفي” وخسائره المادية المتجاوزة لأكثر من مئة خمسة وعشرين مليار دولار بولاية تكساس الأميركية مع وفاة أكثر من ثلاثين شخصا، وإعصار “إيرما” بفلوريدا الأميركية وجزر الكاريبي وكوبا وما حققه من الخسائر الهائلة، وإعصار “ماريا” وما خلفه من الدمار الكثير في جزيرة جوادلوب الفرنسية.
ورغم أن الكوارث البيئية كالأعاصير والعواصف والأمطار الغزيرة المصحوبة بالرعد والصواعق والفيضانات، والزلازل والزوابع الرملية والبراكين والهزات الأرضية بمختلف مستوياتها، تصنف عادة بأنها من الظواهر الطبيعية المرادفة لوجود الطبيعة وكمحدد أساسي من محددات عمليات “التغير” التي تخضع لها الطبيعة نفسها دون تدخل من البشر.
إلا أن ما بدأ يحدث من تواتر وتكرار متتابع لتلك الظواهر أصبح يخيف العلماء كلا في مجاله “البيئي”، سواء كانوا علماء جيولوجيا مهتمين بتركيبة الأرض وطبقاتها ومثيرات كوامنها، أو علماء فضاء متابعين لحركة النيازك والشهب وخوفهم من خروجها من مسارها، محذرين من احتمالية وصولها إلى الأرض، أو علماء أرصاد جوية راصدين حركة الرياح ومستوى قوتها وضعفها، وكيف يمكن أن تتحول المنخفضات الجوية الصغيرة إلى ما يسميه الأرصاديون (بالعواصف القمعية)، وإلى أي درجة يمكن أن يؤثر سقوط أشعة الشمس على سطوح مياه البحار لتسخن مياهها وتتبخر مرتفعة إلى أعلى فتبرد حتى تتكثف، لتتحرر طاقتها الكامنة فيها، ثم تتحول إلى طاقة حركية تدير الأعاصير لتفعل بالإنسان في الأرض ما تفعل… هكذا يقول العلماء الضليعون في مجال الأرصاد الجوية.
كل هذه التغيرات يعتبرها العلماء أنها طبيعية، وتشكل جزءا من حياة الكون وحركته، وأن ما يحدث من “تغير” ينبغي أن يكون ضمن الحركة الطبيعية للكون منذ الأزل… ولكن مؤخرا وبفعل النمو السكاني الكبير بالكرة الأرضية، ونتيجة لتفتح آفاق الإنسان وشغفه بتحقيق المعجزات إبداعا وابتكارا من أجل الارتقاء بحياته، والخروج بها من نطاق المألوف إلى ما هو أبعد من الخيال، فتوسع في “الاستغلال الفائق غير الأمثل” لمختلف موارد الطبيعة دون اعتبار لتداعيات ذلك لاستغلال الهادف لإحداث المزيد من التنمية والتطور، بدأ العلماء والمراقبون أنفسهم يوجهون أصابع الاتهام إلى الإنسان نفسه كونه هو الذي تسبب في نقل عملية التحول في الطبيعة من تحول بفضل “التغير” التقليدي دون وسيط، إلى تحول بآلية “التغيير” بإضافة ياء أخرى وبوسيط ألا وهو الإنسان وأفعاله.
وعليه، ورغم أن بعض المنظرين في مجال التنمية الاقتصادية والتطور الصناعي ذهبوا إلى أن زيادة عدد الكوارث البيئية أصبح صفة ملازمة للمجتمعات الإنسانية المتطورة اقتصاديا وصناعيا بالدرجة الأولى، باعتبار أن توسعها الصناعي يسهم بشكل أو بآخر في تسريع عمليات التغيير المناخي، إلا أن أنصار أزلية التغير المناخي يرون أن الأمر ما زال طبيعيا وضمن إطار “التغير” الطبيعي بالياء الواحدة، وأن تطور الآلة الإعلامية وتوسع تغطياتها هو السبب في لفت أنظار الناس إلى تلك الظواهر الطبيعية.
ولكن كيفما كانت الأسباب “تغيرية” أو “تغييرية” تظل مواكبة المتغيرات المناخية ضرورية لمجابهة الكوارث الطبيعية التي يصعب منع وقوعها لقوتها الخفية، غير أن الحاجة إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بها، والالتزام بأفضل معايير الجودة العالية في عمليات الإنشاء والبناء، واحترام حريات البحار والمحيطات والأودية بعدم بناء المصانع والمؤسسات الاقتصادية في محارمها، كون تلك المساحات هي متنفسها الطبيعي عند وقوع الكوارث البيئية، كل ذلك يعتبر قليلا مما يمكن اتخاذه من أجل التخفيف من تداعياتها .. وفي كل الظروف يظل التعاطف والمشاركة الوجدانية مع ومن أجل ضحايا تلك الكوارث إمرا إنسانيا مهما.

إلى الأعلى