الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / خطبة الجمعة: الهِجْرةُ غُرَّةٌ فِي جَبِينِ التَّارِيخِ
خطبة الجمعة: الهِجْرةُ غُرَّةٌ فِي جَبِينِ التَّارِيخِ

خطبة الجمعة: الهِجْرةُ غُرَّةٌ فِي جَبِينِ التَّارِيخِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، سَهَّـلَ لِهِجْرَةِ رَسولِهِ صلى الله عليه وسلم المَسَالِكَ، وجَعَلَهَا نُورًا أَضَاءَ الأَمْصَارَ وَالمَمَالِكَ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى رَبِّهِ وَامتَثَلَ، وَدَعَا إِلَى هَجْرِ المَعَاصِي وَالآثَامِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوهُ وَآزَرُوهُ، وَعَلَى كُلِّ مَنِ اهْـتَدَى بِهَدْيِهِ، وَاسْـتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فـ ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ “، وَاعلَمُوا أَنَّ المَحَطَّاتِ المُهِمَّةَ فِي التّارِيخِ مَنَارَاتٌ تُؤَرَّخُ بِهَا الأَحْدَاثُ، وَيُحْسَبُ مِنْ خِلالِهَا الزَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُسلِمِينَ مِنْ وَقْفَةٍ مَعَ التَّارِيخِ فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفُوا عِنْدَهُ هُوَ تَارِيخُ نَبِيِّهِمْ وَسِيرَتُهُ صلى الله عليه وسلم ، تِلْكَ السِّيرَةُ الَّتِي تُجَسِّدُ وَعْيَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِعَنَاصِرِ الزَّمَنِ، وَعْـيَهُ بِالمَاضِي الَّذِي حَدَّثَ القُرآنُ عَنْهُ، وَوَعْـيَهُ بِحَالِ قَوْمِهِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ رُؤْيَتَهُ الثَّاقِبَةَ لِلْمُستَقْبَلِ الَّتِي تَسْـتَنِدُ إِلَى استِحْضَارِ سُنَنِ التَّارِيخِ وَمَا فِيهَا مِنْ عِبَرٍ. فَحَرِيٌّ بِنَا – أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ – وَنَحْنُ نَمُرُّ بِذِكْرَى الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ نَقِفَ وَقْفَةَ إِجْلالٍ لِنَقْرَأَ دُرُوسًا مِنْ تِلْكَ المَرْحَلَةِ فِي ضَوْءِ وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، فَحَدَثُ الهِجْرَةِ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَادِيًّا أَوْ عَابِرًا، بَلْ لَهُ أَثَرُهُ العَمِيقُ فِي مَسِيرَةِ التَّارِيخِ، بِمَا حَمَلَهُ مِنْ مَعَانٍ جَلِيلَةٍ، وَدُرُوسٍ وَعِبَرٍ عَظِيمَةٍ، لا تَنْقَطِعُ دَلالَتُهَا، وَلا يَجِفُّ يَنْبُوعُهَا، فَهَلِمُّوا بِنَا نَسْـتَبِينُ مِنْ أَحْدَاثِ هِجْرَةِ رَسُولِنَا الكَرِيمِ مَا يُجَدِّدُ حَيَاتَنَا وَيُصْـلِحُ مَسَارَنَا.

أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ فَهْمَ مَنْهَجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالاقتِدَاءَ بِهِ يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ مَنْهَجِهِ قَبْـلَ الهِجْرَةِ وَمَنْهَجِهِ بَعْدَهَا، وَهُمَا مَنْهَجَانِ مُتَكَامِلانِ، عُنْوَانُهُمَا الصَّبْرُ وَالأَنَاةُ وَالحِكْمَةُ وَالمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، إِنَّ مَا قَبْـلَ الهِجْرَةِ لَيْسَ مَرْحَلَةً انتَهَتْ مِنْ تَفْكِيرِ المُسلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ سُلُوكُ الرَّسُولِ فِيهَا سُلُوكًا انتَهَتِ الأُسْوَةُ فِيهِ أَوْ نُسِخَ العَمَلُ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ دَرْسٌ مِنَ الدُّرُوسِ وَمَنْهَجٌ مِنْ مَنَاهِجِ البِنَاءِ، فَالرَّسُولُ أَسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ رِسَالَتِهِ، ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ” ، لَقَد تَعَامَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَقْوَامٍ حَادُوا عَنِ النَّهْجِ السَّدِيدِ، فَضَلُّوا جَادَّةَ الطَّرِيقِ، وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ، فَهُمْ يَتَخَبَّطُونَ فِي أَنوَاعٍ شَتَّى مِنَ الضَّلالاتِ، ضَلالٍ فِي المُعْـتَقَدِ، وَضَلالٍ في المَنْهَجِ، وَضَلالٍ فِي الفِكْرِ وَالتَّصَوُّرِ، عَكَفُوا عَلَى أَصْـنَامٍ فَعَبَدُوهَا، وَنَحَتُوا أَحْجَارًا فَأَلَّهُوهَا، وَصَنَعُوا آلِهَةً فَعَظَّمُوهَا، وَغَلَتْ بِهِمْ قُدُورُ العَصَبِيَّةِ فَاسْـتَأْصَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَشَمَخُوا بِأُنُوفِهِمْ حَسَدًا وَكِبْرًا، قَدْ عَاقَرُوا الخُمُورَ، وَأَلِفُوا الفُجُورَ، وَافْتَخَرَتْ نِسَاؤُهُمْ بِالسُّـفُورِ، فَهِيَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، حَتَّى غَطَّتْ هَذِهِ السُّحُبُ الجَاهِلِيَّةُ عَلَى مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَرَمِ وَالأَنَفَةِ وَالإِبَاءِ. فِي هَذِهِ البِيئَةِ الجَاهِلِيَّةِ القَاتِمَةِ، أَبلى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ بَلاءً حَسَنًا فِي سَبِيلِ نَشْرِ دِينِ اللهِ تَعَالَى فَلَمْ يَثْنِ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِهِ صلى الله عليه وسلم ، بَلْ لَمْ يَتَسَرَّبِ اليَأْسُ إِلى نَفْسِهِ أَوْ يُحَاوِلِ الانْعِزَالَ عَنِ المُجْـتَمَعِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، أَوِ البُعْدَ عَنْ أَهْـلِ مَكَّةَ وَهُمُ الَّذِينَ آذَوْهُ هُوَ وَأَصْحَابَهُ، قَالَ تَعَالَى: ” وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ” ، بلْ أَخَذَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، ويُرْشِدُهُمْ إِلَى الحَقِّ وَالمَبَادِئِ الكَرِيمَةِ حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ظُلُمَاتِ الجَهْـلِ إِلَى نُورِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ، فَبَدَّدَ دَيَاجِيرَ الجَاهِلِـيَّةِ بِنُورِ الحَقِّ المُبِينِ، وَأَنقَذَ الغَارِقَ فِي بِحَارِ الظُّلُمَاتِ إِلَى نُوْرِ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، فَيَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ مَا أَعْظَمَهَا، وَمِنَّةٍ مَا أَجَلَّهَا، وَصَدَقَ اللهُ حَيْثُ يَقُولُ: ” لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ”

عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ النَّاظِرَ إِلى مَنْهَجِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الهِجْرَةِ لَيَرَى مِرْآةً عَكَسَتِ الإِسْلامَ أَمَامَ نَاظِرَيِ الإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا بِمَا تَمَثَّـلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مِنْ مَبَادِئِ هَذَا الدِّينِ وَتَعَالِيمِهِ؛ فَضَرَبُوا أَرْوَعَ صُوَرِ البَذْلِ وَالعَطَاءِ وَالتَّضْحِيَةِ وَالفِدَاءِ، ظَلَّتْ عُنْوَانًا لِهَذَا الدِّينِ وَقُدْوَةً لِجَمِيعِ أَتْبَاعِهِ يَحْـذُونَ حَذْوَهَا وَيَسِيرُونَ مُقْتَفِينَ نَهْجَهَا ، لَقَدْ سَبَقَ الإِسْلامُ جَمِيعَ الأَعْرَافِ وَالنُّظُمِ فِي تَأْصِيلِ المَحَبَّةِ وَغَرْسِ المَوَدَّةِ وَنَشْرِ الإِخَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، وَالاعتِرَافِ بِحُقُوقِ الإِنْسَانِ وَالتَّعَايُشِ مَعَ الغَيْرِ، وَعَدَمِ السَّعْيِ إِلى تَأْجِيجِ الفِتَنِ؛ ذَلِكَ لأَنَّ الإِسْلامَ أَقَامَ الرَّوَابِطَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى أَسَاسِ الإِيمَانِ بِاللهِ،وَلَمْ يُقِمْهَا عَلَى جِنْسٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى:” إنما المؤمنون إخوة ” وَلِذَلِكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، كُلُّكُمْ لآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ،لا فَضْـلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى )) ، لَقَدْ مَزَجَتِ الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ مُخْـتَلَفَ الأَجْـنَاسِ وَالأَعْرَاقِ وَالقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ فِي ظِلالِهَا، ذَلِكَ لأَنَّ دَعْوَةَ الإِسْلامِ دَعْوَةُ سِلْمٍ وَسَلامٍ، وَمَحَبَّةٍ وَوِئَامٍ، وَإِخَاءٍ وَصَفَاءٍ، وَتَعَاوُنٍ وَتَنَاصُحٍ، فَصَفَتِ الحَيَاةُ وَأُقِيمَتِ الحَضَارَةُ، وَعُمِرَتِ الأَرْضُ وَسَعِدَ الإِنْسَانُ، فَلِمِثْـلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ.
فَاتَّقوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَاسْـتَلْهِمُوا مِنَ الهِجْرَةِ مَبادِئَ تَسْـتَنِيرُونَ بِهَا فِي حَيَاتِكُمْ، وَمَنْهَجًا تَبْـنُونَ بِهِ مُستَقْبَلَكُمْ.
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***

الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِدِينِهِ المُبِينِ، وَقَصَّ عَلَيْـنَا قِصَصَ المَاضِينَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْـنَا رَسُولَهُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلى الله عليه وسلم وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ قَرَّتْ عُيُونُهُمْ بِالهِجْرَةِ بَعْدَ إِتْمَامِهَا، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ خَيْرُهَا وَسَنَاهَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا جُمِعَتْ فَضَائِلُ الخَيْرِ فِي الأَرْضِ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الهِجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ لَمْ تَكُنْ رِحْـلَةً عَادِيَّةً، بَلْ هِيَ رِحْـلَةٌ مِنْ كَمَالٍ إِلَى أَكْمَلَ، وَمِنْ مُسْـتَوًى رَاقٍ فِي العَمَلِ إِلَى أَرقَى، رِحْـلَةٌ لِصِيَاغَةِ الهَدَفِ فِي أَجْـمَلِ صُوَرِهِ وَأَبْهَى حُلَلِهِ، رِحْـلَةٌ لإِكْمَالِ مَشْرُوعِ إِصْلاحٍ لِلإِنْسَانِيَّةِ، تَنْفِيذًا لِلتَّوْجِيهَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ، فَمَا أَحْوَجَ المُسلِمِينَ اليَوْمَ إِلَى جُلُوسٍ مَعَ ذَوَاتِهِمْ وَمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ، يَسْـتَعْرِضُ كُلُّ وَاحِدٍ حَالَهُ، وَيَعْرِضُهُ عَلَى المَنْهَجِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ الَّذِي أَوْضَحَ مَعَالِمَ النَّجَاحِ، فَإِنْ وَجَدَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ سَائِرًا عَلَى الطَّرِيقِ بِلا عِوَجٍ حَمِدَ اللهَ وَرَجَا الفَوْزَ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ عَادَ إِلَى رُشْدِهِ وَثَابَ إِلَى صَوَابِهِ، فَالمُؤْمِنُ يَتَّبِعُ الحَقَّ حَيْثُ كَانَ، وَيَحْرِصُ عَلَى الاستِفَادَةِ مِنَ الحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ، قَالَ تَعَالَى: ” لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ” وَيَقُولُ فِي شَأْنِ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ: ” الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ” فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ مِنَّا مَاذَا قَدَّمَ لِنَفْسِهِ فِي العَامِ المُنْصَرِمِ؟ وَهَلِ استَعَدَّ لِعَامِهِ هَذَا استِعْدَادًا يَلِيقُ بِطُمُوحَاتِهِ، وَيَرْقَى إِلَى تَطَلُّعَاتِهِ، فَالحَيَاةُ لَيْسَتْ خَـبْطَ عَشْوَاءَ، وَلا يُجْدِي فِيهَا العَبَثُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ” أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ”
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَخُذُوا مِنْ ذِكْرَى الهِجْرَةِ مَا يُزَكِّي أَخْلاقَكُمْ، وَيُقَوِّي أُخُوَّتَكُمْ وَاتِّحَادَكُمْ، وَاستَفْتِحُوا عَامَكُمُ الجَدِيدَ بمَا نَدَبَ إِلَيْهِ نَبِيُّـنَا الكَرِيمُ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ كَفَّارَةً لِسِتِّينَ شَهْرًا، أَوْ عِتْقَ عَشْرِ رِقَابٍ مُؤْمِنَاتٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ)).
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا: ” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ”
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصْلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعْمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوْفِيقِكَ، وَاحْفَظْهُ بِعَيْنِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي ثِمَارِنَا وَزُرُوعِنَا وكُلِّ أَرْزَاقِنَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ “

إلى الأعلى