الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عام مضى .. وعام قادم

عام مضى .. وعام قادم

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
مع بداية هذا العام علينا أن نجدد حياتنا ونغير ما بأنفسنا من عللٍ وخللٍ ونقصٍ إلى ما هو أفضل وأجلّ لنبدأ عامنا هذا بتوبة صادقة نصوحاً مع ربنا تبارك وتعالى فهو ينادينا ويطلب منا التوبة، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التحريم ـ 8)، والله تعالى يحب من أذنب وجدد التوبة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة ـ 222).
عام كامل مضى من أيام أعمارنا وذهب من سنين آجالنا .. كم فيه من أوقاتٍ أُهدرت وصلوات ضُيعت وواجبات تُركت ومعاصٍ اُرتكبت ونحن تُفرحنا الأيام إذا مضت وانقضت لأننا مددنا الآجال، وسوّفنا الأعمال، وبالغنا في الإهمال، علينا أن ننتبه من غفلتنا وأن نستيقظ من غينا وأن نقف وقفة صدق مع أنفسنا فإن في قوارع الدهر عبر وفي حوادث الأيام مزدجر وهذه الدنيا إنما هي دار ممر والآخرة خير وأبقى، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء ..).
ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه وترتيب حياته وبناء ذاته على أشعة من الأمل والتوفيق واليقظة، ولا تؤودنك كثرة الخطايا فإن لك رب رحيم .. غفور .. ودود، مهما حدث منك فما عليك إلا الرجوع والإنابة إليه (قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ـ 53)، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً).
يا الله لك أن تتأمل أيها العبد .. منادي الإيمان يهتف لك أن عودوا إلى ربكم عودوا إلى خالقكم عودوا إلى الغفور الرحيم .. تأملوا عباد الله إلى فرحته تبارك وتعالى بعودتكم إليه تفوق كل وصف من هذا اليوم لا بد أن نتخذ قراراً فاصلاً بين عامين .. عام قد مضى أودعنا فيه أعمالنا، وعام جديد نبدأ فيه حياة جديدة ونقلة جديدة كاملة من حياة إلى حياة وفاصلاً بين عهدين.
إن دخولك أيها المسلم لعام جديد يعني زوال عام حوى أكثر من ثلاثمائة يوم مضت من عمرك.. بمعنى أنك ابتعد عن دنياك واقتربت من قبرك وفي ذلك إذ أن بنهاية الأعمار، إن المتأمل في كتاب الله ـ جلَّ وعلا ـ يجد وصفاً صادقاً لهذا (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد ـ 20).
لا بد أيها المسلمون أن نستقل بقاءنا على هذه الحياة، وأن نكون أصحاب همم عالية ومطالب غالية وأن نكون من المسارعين إلى الخيرات، لقد كان سلفنا الصالح، يتقربون إلى الله بالطاعات، ويسارعون إليه بأنواع القربات، ويحاسبون أنفسهم على الزلات، ثم يخافون ألا يتقبل الله أعمالهم، فهذا الصديق ـ رضي الله عنه ـ كان يبكي كثيراً، ويقول:(ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا) وقال: والله، لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد)، وهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قرأ سورة الطور حتى بلغ قوله تعالى:(إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) فبكى واشتد في بكائه حتى مرض وعادوه، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياماً يُعاد، يحسبونه مريضاً، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء! وقال له ابن عباس ـ رضي الله عنهما: نصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح وفعل، فقال عمر: وددت أني أنجو، لا أجْر ولا وزر! وهذا عثمان بن عفان (ذو النورين) ـ رضي الله عنه ـ كان إذا وقف على القبر بكى حتى تبتل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير!، وهذا علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ كان كثير البكاء والخوف، والمحاسبة لنفسه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، فهلّا استجبنا لواعظ الله في قلوبنا؟ وهلّا حفظنا حدود الله ومحارمه؟ وهلّا انتصرنا على عدو الله وعدونا، قال تعالى:(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وقد كتب عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ إلى بعض عماله:(حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة، عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته، وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة)، وقال الحسن:(لا تلقي المؤمن إلا بحساب نفسه: ماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضي قدماً لا يحاسب نفسه)، وقال أيضاً:(إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة همته)، وقال الحسن:(المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة).
إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟ ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبداً، وقال ميمون بن مهران: لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك، وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجعل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات وإجماماً للقلوب، وكان الأحنف بن قيس ويجئ إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه ثم يقول: حس يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم.
إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله، قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل: أتعرف تفسير قول: إنا لله وإنا إليه راجعون؟!، فمن علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسؤول، فليعد للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة. قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم، وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله تعالى عنه :(ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل واحدة منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل) ـ أخرجه البخاري.
فالذي ينبغي للمسلم أن يحاسب نفسه ماذا قدم لها فيما مضى من عمره، قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)، كيف يفرح العاقل بقطع الليالي والأيام؟ دون اعتبار ولا حساب لما كان فيها، وما يكون بعدها فإن اللبيب الموفق من اتعظ بأمسه، واجتهد في يومه، واستعد لغده. طوبى لِمَن لم تشغلْه دنياه عن الاستِعداد للدَّار الباقية، وهنيئًا لِمَن جعل دنياه معبرًا للدَّار الآخرة وميدانًا للتَّنافس في الصَّالحات الباقية، قال الرسول (صلَّى الله عليْه وسلَّم):(مَن كانتِ الآخرة همَّه، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبِه، وأتتْه الدُّنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همَّه، فرَّق الله عليْه ضيعتَه، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلاَّ ما كُتِب له) ـ رواه أحمد وغيره.

إلى الأعلى