الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : تبريراتكم غير مقنعة .. يا معالي وزير التجارة والصناعة

العين .. الثالثة : تبريراتكم غير مقنعة .. يا معالي وزير التجارة والصناعة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عندما تختزل تبريرات إطلاق يد كبار التجار في معظم السلع وكل الخدمات تقريبا، تختزل في التزام السلطنة بأطر منظمة التجارة العالمية، وبقدسية آليتي العرض والطلب، وبوعود لضمان أسعار عادلة للمستهلكين (مجرد وعود) هل ينبغي أن يقنعنا ذلك؟ خاصة بعد اكتشافنا جرائم كبيرة ارتكبها بعض التجار تجاه مجتمعنا، ولم يسلم منها حتى أطفالنا، وبعد أن رفضت هيئة المستهلك الآلاف من طلبات كبار التجار رفع الأسعار طوال ثلاث سنوات الماضية لعدم وجود مبررات موضوعية، ونحن هنا لا نعمم على الكل، لكن ما اكتشف يزلزل ثقتنا في الكل، ويسحبها كذلك من اية رقابة حكومية، والاهم هنا، كيف تضعون العربة قبل الحصان؟ فالمسألة ببساطة تكمن في فقدان الثقة شكلا ومضمونا، لماذا؟
لأن تلك الجرائم الكبيرة قد وقعت في عهد رقابة الوزير التاجر، والتاجر وزير، ولأن اكتشافها قد حدث في عهد الهيئة العامة لحماية المستهلك، اي استقلال الرقابة عن سلطة التاجر وتاجر السلطة، وأصبحت الرقابة في أيادي وطنية أمينة، فمن ينبغي أن نختار العهد القديم أم العهد الجديد؟ أنكم يا معالي الوزير بتبريراتكم لقرار مجلس الوزراء وبوعود اسعار عادلة، تضعون بذلك العربة قبل الحصان، فكيف للحصان أن يسير بالعربة؟ كان ينبغي العمل اولا على وضع العربة بعد الحصان لا قبله، بمعنى أنه كان على الحكومة اولا تحقيق وعود الأسعار العادلة وإيجاد بيئة تنافسية وتنوع سلعي بعيدا عن الاحتكار، وكان عليها اولا كذلك إقامه الجمعيات التعاونية التي تم عرقلتها بحجة الخوف من فشلها، لكنه تأكد لنا العكس، وهو الخوف من نجاحها، وذلكم هو الحصان الذي سوف يقود عربة العرض والطلب في مناخات تنافسية صحيحة، لو انجزت الحكومة تلك البنيات الأساسية اي اهتمت بداخلنا اولا قبل أن تفاجأنا بإطلاق يد التاجر مجددا وفق مبررات خارجية، ولو انجزت ذلك اولا، فلن تكون معارضتنا قائمة على مبرر موضوعي، وعندها فقط، أطلقوا الاسعار لتسبح في فضاءات العرض والطلب كيفما تشاؤون ووقتما تريدون حتى لو طالت عنان السماء، لأنه سيكون امام المستهلك ،، المواطن، خيارات عديدة في السوق، وهذه الخيارات ستكون كفيلة بخلق التوازن الطبيعي للأسعار، لأن تجارنا سوف يضطرون لمنافسة اسعار الجمعيات التي ستكون عندئذ عنصر جذب المستهلكين، وهذا لن يسمح به كبار تجارنا، وقد نجحوا فعلا، بدليل قرار مجلس الوزراء، وبدليل تعطيل مسار الجمعيات التعاونية حتى الان، فهل عرفتم لماذا نرفض قرار مجلس الوزراء ؟ لأنكم وضعتم العربة قبل الحصان، إذن، لا أحد ضد حرية الاقتصاد من حيث المبدأ، لكن اية حرية تتحدثون عنها في ظل الاحتكارات وفي ظل عدم الانفتاح على خيارات أخرى لصالح المواطن المستهلك، وهنا ينبغي ان نتوجه بحديث خاص لخبرائنا الاقتصاديين، ونقول لهم رجاء كل الرجاء لا تشوشوا على الرأي العام بدفاعكم عن الحرية الاقتصادية، اصمتوا، فصراخكم يعمل تشويش مزعج، لأن الرأي العام لا يزال يعتقد بانكم لا تزالون تنتمون للجسد الاجتماعي العام، ولم تعملوا بالخلفيات التي اشرنا اليها في مقالنا السابق، و(نكرر) أنكم تدافعون بعيون مغمضة من أجل مصالحكم الخاصة إما تطلعا في منصب حكومي رفيع أو للحفاظ على مكافاتكم السنوية التي قد تصل سنويا لأكثر من (مئة) الف ريال عماني غير مرتباتكم وغير المزايا المادية والمعنوية الاخرى، لأنكم تحملون تحت مسميات الخبراء مسميات اقتصادية كبيرة كرؤساء تنفيذيين لشركات كبيرة في البلاد، رجاء قولوا خيرا لصالح المواطن أو اصمتوا، واتركوا الحوار سجالا وبريئا في مرحلته الراهنة التي كشفت تباينا كبيرا في الفكر وفي الاداء الحكومي الى حد أننا نجد انفسنا تحت ضغط المطالبة بالإصلاح الحكومي وقد اصبحت مسألة حتمية وعاجلة، والا، فمن يقدم على وضع العربة قبل الحصان؟ وكيف لا يعتد بالظرفية الزمنية الراهنة الضاغطة حتى يفتح جبهة داخلية جديدة ؟ إذن، المرحلة ضاغطة لتفعيل بعض مواد النظام الاساسي خاصة فصل منصب رئيس الوزراء عن المؤسسة السلطانية، والحاجة والضرورة نفسيهما تحتمان إصلاح الخلل في علاقة السلطات التي تميل بصورة غالبة لصالح السلطة التنفيذية، وهذا ما سوف نتناوله في مقال مقبل، لأن القرار كشف لنا استمرار الحدود المفجعة للحكومة على حساب بقية السلط بما فيها مجلس الشورى، لقد طال انتظارنا في سلطة تنفيذية مقيدة وليست مطلقة، سلطة لها شرعية ديموقراطية، فجدلية من يصنع من؟ المجتمع يصنع الحكومة أم الحكومة تصنع المجتمع، قد أصبحت تحتل مركزية فكرية عالية المستوى، لو كان المجتمع يصنع الحكومة، لما جاء هاجس وزراءنا خارجيا بصورة خالصة بعد أن تم الزج بالعديد من التجار في السجون، والتساؤل الذي يطرح مقابل التلويح بالمبرر الخارجي، هو ماذا عن التزامات دولتنا الاجتماعية الداخلية؟ لا يمكن القبول بالمبرر الخارجي على حساب المبرر الداخلي، فذلك له معاني كثيرة .. ليس المجال هنا لذكرها، لكننا ندعو لقراءة تجارب الدول الاخيرة التي راهنت على الخارج ضد شعوبها، ماذا حدث لها ؟ وتأملوا في استدراك الرئيسيين الاميركي والفرنسي للبعد الاجتماعي واهتمامهما بالبعد الداخلي حتى لو كان على حساب الحرية الاقتصادية – تناولنا ذلك في مقال سابق – إذن يكمن جزءا رئيسا من المشكلة في رؤية وزراءنا السياسية نحو الخارج أكثر من الداخل، وجزءا مماثلا من المشكلة تكمن في نظرتهم للجانب المادي الضيق لحقوق المواطن دون الحقوق الاخرى المهمة التي تشكله كانسان ينتمي الى عالم يسمو فوق الكائنات الاخرى، وذلك عندما ركز وزراءنا على حقوق البطن ومن منظور محدود جدا، وما عداها تطلق يد التجار مجددا ليعودوا كما كانوا قبل عام 2011 دون رقابة على الأسعار من قبل حماية المستهلك بحجة التزام بلادنا الخارجي، وماذا عن التزاماتها الداخلية (نكرر) ؟
القضية لا يجب أن تختزل في الارز والسكر والفول والحمص .. اي البطن، وإنما في كينونة الإنسان في عصر تتزاحم فيه الأساسيات والضروريات، منها ما تتعلق ببطنه ومنها بفكره ومنها بسكنه ومنها بحقوق جماعية تخدم الفرد والجماعة، وباختزالها كما ورد في قرار مجلس الوزراء يفصح عن ممارسة نهج لم يعد صالحا حتى في الدول ذات الثقل السكاني الكبير والذي من خلاله تحرص الدول على ضمان سعر مناسب للفول والعدس .. لكي يكون في متناول أكثر من (60) مليون، قارنوا بين سكاننا وسكانهم، وحتى حقوق البطن بالمفهوم الضيق لم يطرح حديثا في عصر التعليم الاليكتروني، إذن، شتان بين الالتزامين، وشتان بن الفكرين، ربما يكون كذلك وراء جنوح الاعتداد بالبعد الخارجي ارتباط المصالح الشخصية بالكونية لا المحلية، والعجب العجاب، اقتصاديونا عندما يتفلسفون بالنظرية الاقتصادية الرأسمالية بعيدا عن بيئاتها المواتية في بلادنا، كنا نتمنى لو أنهم دافعوا عن الحرية الاقتصادية في ظل وجود بيئة تنافسية حرة، ودافعوا في الوقت نفسه عن وضع الحصان قبل العربة، فذلك ضمانة للاستقرار الاجتماعي وضمانة لمصالح التجار في الوقت نفسه، وما عدا ذلك، فإننا نسير في الاتجاه المعاكس، كما كنا نسير سابقا حتى انفجر الصمت .. ولم يكن نتوقعه من نصب نفسه متخصصا ومراقبا لما يجري تحت السطح وفوقه .. وهنا تظهر لنا الحاجة العاجلة لضرورات اصلاح الحكومة – وفق اقتراحنا السابق – وكذلك إصلاحات سياسية أخرى تخلق التوازن بين مجموع السلط .. للموضوع تكملة بعد غد عن موقف مجلس الشورى من قرار مجلس الوزراء.

إلى الأعلى