الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فلسفة التغيير والحداثة وروح المجتمع

فلسفة التغيير والحداثة وروح المجتمع

محمد بن سعيد الفطيسي

”علينا أن نعترف أنه من المستحيل تماما أن نلحق بكل شيء يحدث في عالمنا المتغير بسرعة، ولكن يمكننا أن نتعلم الكثير من الأشياء المفيدة عن هذا العالم، والسؤال المهم هنا هو: كيف يمكننا المضي بالشكل الأمثل لتحقيق هذه المهمة؟ كيف يمكننا تجهيز أنفسنا بالمعرفة والثقافة والإدراك المعرفي الأكثر أساسية عن العالم من حولنا؟”

ــــــــــــــــــــ
إن التغيير هو النجم اللامع على مسرح الأحداث العالمية هذه الأيام، فالجميع كما هو واضح يستقبله بالتصفيق ورحابة الصدر، بل وفي اغلب الأحيان تفتح له الأبواب والنوافذ دون استئذان، لأن المجتمع البشري بطبيعته يلحظ التغيير ويرد عليه بشكل عاطفي جدا، سواء إيجابا أو سلبا، وبالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي الذي تعيشه البشرية، إلا انه – وللأسف الشديد ـ ما زالت الغالبية العظمى من التجمعات البشرية غير قادرة على المقاومة الإيجابية والحد من الأعراض السلبية الناتجة عن السرعة العالية التي يخترق بها تلك المجتمعات الإنسانية.
ففي عالم سريع التغير، (تفقد المعرفة بسرعة حداثتها، بل بسرعة كبيرة بحيث نصبح كل يوم جاهلين بأشياء كنا نعرفها بشكل جيد، ونتيجة لذلك نحن كلنا نعيش نفسيا في عالم الماضي، فالعالم الحقيقي اليوم يختلف عما نحن نظن)، وهو ما يدفعنا لتوجيه السؤال التالي: هل يمكننا حقا في ظل هذا التسارع التاريخي الذي تمر به الحضارة الإنسانية ان نعي حقيقة بعض المعارف التي فقدت هي بنفسها حداثتها، وبطريقة ربما تحولت فيها إلى قديم مستهلك لا يمكن الاقتناع به؟ وهل فعلا ان ما نؤمن به كمسلمات إنسانية في ظل هذا التغيير الارادي واللا إرادي يمكن لها أن تعمم كمفاهيم وقيم تتماشى وقيم مجتمعاتنا الإسلامية والعربية؟
كما علينا أن نعترف انه من المستحيل تماما ان نلحق بكل شيء يحدث في عالمنا المتغير بسرعة، ولكن يمكننا ان نتعلم الكثير من الأشياء المفيدة عن هذا العالم، والسؤال المهم هنا هو: كيف يمكننا المضي بالشكل الأمثل لتحقيق هذه المهمة؟ كيف يمكننا تجهيز أنفسنا بالمعرفة والثقافة والإدراك المعرفي الأكثر أساسية عن العالم من حولنا؟ وبمعنى آخر، هل نقبل ان تدفعنا تيارات التغيير والعصرنة والحداثة العابرة للقارات، إلى عوالم ما زلنا نجهل حقيقتها؟ أو ربما لا ندرك أسرارها !!
وحيث كان من المفترض ان تدفعنا مشروعات الحداثة المعاصرة والتغيير إلى عالم أكثر استقرارا وأمنا، بل وكان من المفترض ان تحفزنا تلك الاتجاهات الإنسانية الحديثة إلى رقي ونهضة مجتمعاتنا الإسلامية وبطريقة لا تفرض علينا التغيير عن بعد، أو “بالريموت كنترول”، فإن ما نشهده في واقع بعض المجتمعات العربية اليوم هو تجارب تحديث استهلاكي، تعوزها الأصالة والإبداع والروح النقدية، وهو ما يتطلب تجاوز أنماط التحديث السطحي إلى ضرب من الحداثة العقلية والفكرية نابعة من رؤية شاملة للوجود، حداثة متأصلة في الوعي العربي ونابعة من عقيدتنا وثقافتنا الإسلامية الشاملة، تجيب عن تساؤلات الواقع العربي وتستجيب لطموحات الإنسان العربي.
واني على يقين من ان هذا الأمر ـ أي الحداثة والتغيير وفي مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ـ لا يمكن ان يتحقق لنا كشعوب مسلمة من خلال مشاريع تطبيع ثقافية واقتصادية وسياسية معلبة ومكتوب عليها من الخارج “صالحة للتصدير والاستهلاك العربي”، وإذا كنا نؤمن بحتمية التغيير وضرورة مواكبة التحولات العالمية والتوازن الثقافي القائم على إعادة صياغة منظومة المعارف العابرة للقارات على ضوء التغيرات الحاصلة في القاعدة الاجتماعية الدولية، فإن ذلك لا يمكن أن يجبرنا على تغيير قاعدة الهرم الثقافي الذي تقوم عليها مجتمعاتنا الإسلامية بطريقة القص واللصق، واقصد بقاعدة الهرم، مجموعة القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية والعربية الفاضلة، وذلك تحت مسميات وشعارات التغيير والحداثة.
نعم …. نحن هنا لا نرفض التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعوب والحضارات، ولا نرفض الأخذ والتعلم من الآخر، ولا ندعو للتراجع الحضاري والإنساني والتنموي ومواكبة التطورات العالمية، ولا ندعو لسلب الحريات والحقوق الشرعية التي كفلها هذا الدين العظيم، ولكن بشرط ان تكون تلك القيم والمعارف المستوردة من الخارج لا تتعارض والقيم الإسلامية التي تفرضها علينا عقيدتنا وشريعتنا وثقافتنا الإسلامية، كما لا يجب ان نندفع وراء تيارات التغيير والتغريب والعصرنة والحداثة دون تمحيص وغربلة لتلك المفاهيم والقيم، والتي نعتبرها التحدي الثقافي الأكبر والتهديد الحضاري الأخطر الذي يعصف بمجتمعاتنا الإسلامية اليوم.
ونستطيع أن نستنتج من هذا ـ كما يقول توينبي في كتابه مختصر دراسة التاريخ: “إن الطبيعة البشرية والتي تؤدي دورا كبيرا في بناء الحضارة، تتحرك تبعا للتهديدات الخارجية وفي بعض الأحيان الداخلية أيضا. وهذا ما جعل توينبي ان يعد التحدي احد العوامل الرئيسية في بناء الحضارة، كما هو الحال عند شبنجلر والتي سماها بمواجهة المصير، وهو ما يؤكد بأن التحدي الأكبر والذي يمكن أن يهدد نسيجنا الاجتماعي وثقافتنا الإسلامية واستقرار أوطاننا خلال المرحلة القادمة، هي تلك المشاريع التغريبية والتفكيكية ومشاريع التجزئة والطائفية والشعوبية، والأفكار الثقافية المعلبة والمفروضة علينا من الخارج دون تمحيص ولا غربلة تحت شعارات براقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وهذا ما يظهر أن للطبيعة البشرية أهمية كبيرة في الصراعات الدائرة داخل المجتمعات وخارجها، والتاريخ هو حصيلة التأثير المتبادل بين القوتين، وان كنا لا ندعو لتفكيك العقل وإلغاء المشاعر الإنسانية في مسائل الإصلاح والتغيير، ولكن التاريخ الإنساني يثبت كل يوم ان اندفاعات الحياة العاطفية واللا شعورية والمؤثرات الغريزية هي ما تولد الشهوات وجميع المنازعات التي تقوض حياة واستقرار الأمم والشعوب، وإنما بالعقل والمنطق والتخطيط واستشراف المستقبل تتفجر عجائب العلم التي تعين الإنسانية على التطوير الحضاري والارتقاء بالمجتمعات.
وعليه فإن عملية التغيير والإصلاح تبقى مسألة داخلية في الدرجة الأولى، ولا ينبغي ان توضع في إطار خارجي مفرغ من مضمون الخصوصية، وان كانت البيئة الخارجية بوضعها الراهن قد وفرت آليات جديدة يسرت على قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي تمثل الطرف الآخر في العملية السياسية التحرك والنشاط فإن ذلك لا يعني التحول إلى مشاريع ومقاربات معلبة ومستهلكة، (حيث يشعر عموم العرب بمقدار من الإحراج إزاء هذه الدعوة الملحة، فالأنظمة العربية تأبى ان تقوم على إصلاحات تدفعها إلى المغامرة بمستقبل وجودها، والناس في الموالاة والمعارضة لا يهللون لإصلاح يدعى إليه من الخارج، أو يتجاهل همومهم الوطنية والقومية الكبرى)، يقول تعالى { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} صدق الله العظيم .

إلى الأعلى