الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / بعد مئة عام.. الأكراد بين الواقع وحلم الدولة

بعد مئة عام.. الأكراد بين الواقع وحلم الدولة

احمد صبري

لتفادي انفجار حقول الألغام فإن الاستدارة نحو الحوار وحل القضايا العالقة مع بغداد وفق رؤية لعلاقة جديدة هي من تؤسس لبناء الثقة والشراكة والعيش المشترك بعيدا عن الإملاءات الخارجية التي تتقاطع مع تطلعات العراقيين عربا وأكرادا في بناء وطن موحد، تسوده العدالة، ويحكمه القانون الذي يضمن حقوق الجميع.

لم تؤسس العلاقة بين بغداد وأربيل على مدى المئة عام الماضية وتحديدا منذ غزو العراق واحتلاله عام 2003 وحتى أزمة الاستفتاء، ولم تؤد إلى بناء علاقة تحالفية وشراكة حقيقية بين الطرفين، وظلت هذه العلاقة غير مستقرة، ومرهونة بقرار العامل الخارجي الذي وضع القضية الكردية في متاهات، وأفشلت بسببه خمس محاولات لإقامة دولة كردية
وبحسب ما صرح به رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني فإن تجربة المئة عام مع بغداد كانت فاشلة، ولم تستجب لطموحات ومشاغل الشعب الكردي.
وقبل أن نستعرض مسار التجارب الخمس لإقامة الدولة الكردية، نتوقف عند تجربتين كادتا أن تضعا بغداد وأربيل على المسار الصحيح، وتؤسسا لمرحلة جديدة لولا العامل الخارجي الذي أجهض التجربتين:
الأولى كانت عام 1970 عندما اتفقت القيادة العراقية مع القيادة الكردية على حل واقعي نال موافقة جميع الأطراف وصدور بيان الحادي عشر من مارس/آذار الذي رسم مسار وأفق العلاقة بين الطرفين عبر الشراكة وتحديد مناطق الحكم الذاتي للأكراد التي لم تعمر طويلا وانتهت بالفشل.
فيما كانت التجربة الثانية عام 1991 بعد حرب الخليج الثانية عندما عرضت القيادة العراقية على الوفد الكردي برئاسة البرزاني والطالباني صيغة مطورة وموسعة للحكم الذاتي للأكراد مع ضمانات بالالتزام بمفرداتها، غير أن هذه المحاولة فشلت أيضا بسبب الضغوط الأميركية على الوفد الكردي التي أكدت لهم أن واشنطن بوارد إسقاط النظام، ورأت في اتفاق الأكراد معه ما يقوي النظام ويعرقل المحاولات الأميركية لإضعافه ومن ثم تغييره.
وللتاريخ فإن الوفد الكردي ـ الذي زار بغداد عام 1991 ضم جميع الأحزاب الكردية ـ بقي في بغداد نحو ثلاثة أشهر بانتظار موافقة قياداته على الصيغة الموسعة للحكم الذاتي التي اقترحتها بغداد حينذاك، والسبب كما راج في تلك الفترة أن القيادة الكردية كانت تريد ضمانات دولية لاتفاقها مع بغداد، وعندما التقيتُ البرزاني وأجريت معه حوارا نُشر في مجلة ألف باء العراقية عندما كنت أعمل بها سألته عن سبب تأخير توقيع الاتفاق مع بغداد والمعلومات التي أشارت إلى مطالبة الأكراد بضمانات دولية لأي اتفاق مع العراق؟ أجابني بالحرف الواحد: إن صدام حسين هو ضمانة الأكراد في أي اتفاق مع الحكومة العراقية، ونشر نص الحوار في المجلة المذكورة، ومردّ هذا التأكيد هو أنّ الحل ينبغي أن يكون عراقيا، وأن اللجوء إلى العامل الخارجي ربما لا يحقق للأكراد ما يصبون إليه بسبب النفوذ والمصالح والأطماع الخارجية.
وشهدت المئة عام خمس محاولات لقيام دول كردية في القرن العشرين ولم تعمر أي منهما طويلا.
وأول دولة كردية أسسها الشيخ محمود الحفيد في مدينة السليمانية عام 1922وعاشت سنتين فقط قبل أن تزحف القوات العراقية مدعومة من بريطانيا لإجهاضها، فيما تكررت المحاولة الثانية عام 1923 واستمرت حتى العام 1929 واتخذت من منطقة ناجورنو كاراباخ وطنا لها وهي منطقة مهمة تقع بين أرمينيا وأذربيجان.
وشهد العام 1929 التجربة الثالثة بتأسيس جمهورية لاجين برئاسة وكيل مصطفاييف، ولكن لم يكتب لها النجاح، وانهارت بسرعة فلجأ مصطفاييف إلى إيطاليا.
وعند انتهاء الحرب العالمية الثانية مستغلة ضعف الحكومة الإيرانية ودعم الاتحاد السوفييتي للأكراد أسست المعارضة الكردية جمهورية مهاباد حظيت بدعم من الاتحاد السوفييتي حينذاك، وهي التجربة الرابعة
وانهارت مهاباد سريعا بفعل تحالفات الشاه مع بريطانيا والولايات المتحدة، وتخلي ستالين عن الأكراد مقابل صفقة نفط مع الشاه، فغرقت مهاباد في بحر المصالح الدولية المتشابكة من غير أن تجد دولة واحدة مساعدة.
واالتجربة الخامسة: هي آرارات بعد إعلان إحسان نوري باشا ثورة في مناطق جبال آرارات التركية عام 1930 باسم “ثورة آغري”.
والسؤال: هل تتوقف القيادة الكردية عند هذه الدروس التي شهدتها خلال المحاولات الخمس التي تدفعها للبحث عن خيار جديد يجنب العراق وكردستان مآسي وحروبا سيكون الخاسر فيها العراق وحدته ومستقبله، لا سيما أن دول الجوار الكردي تقف بالضد من تكرار التجارب، وتؤسس لمرحلة جديدة قاعدتها الثقة والشراكة في إطار العراق الموحد، لأن الرهان على الخارج طبقا لمواقف دول الجوار وحتى الدول الكبرى غير مضن ومتوافر في الوقت الحاضر، رغم أن العامل الخارجي خذل وأفشل حلم الدولة الكردية، لأن الواقع وليس الآمال ما ينبغي أن يدركه الأكراد في أي خطوة يخطوها في ظل حقل الألغام الذي يسيرون فيه، ولتفادي انفجار حقول الألغام فإن الاستدارة نحو الحوار وحل القضايا العالقة مع بغداد وفق رؤية لعلاقة جديدة هي من تؤسس لبناء الثقة والشراكة والعيش المشترك بعيدا عن الإملاءات الخارجية التي تتقاطع مع تطلعات العراقيين عربا وأكرادا في بناء وطن موحد، تسوده العدالة، ويحكمه القانون الذي يضمن حقوق الجميع.

إلى الأعلى