الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / انقراض المؤلِف

انقراض المؤلِف

أ.د. محمد الدعمي

الحق يقال، فإن البدائل الحديثة اليوم قدمت لنا أجيالا شابة من النشء الذي يستثقل القراءة، ناهيك عن محاولة التأليف والكتابة. هذه أجيال لم تتدرب على تحدي الصعاب وتجشم عناء مشاغله النفس وتشغيلها عنوة، للأسف الشديد. وقد وصل هذا النوع مما يمكن أن أطلق عليه صفة “التقاعس” حدا، أن القراءة راحت تندثر…

بعد أن كانت القراءة جهدا ممتعا، ينصح به لبناء الإنسان ولتطوير وتقدم ملكاته الفطرية، غدت “القراءة” في العصر الجاري، عصر الرموز والشبكات الرقمية نشاطا مستثقلا من قبل أغلب الناس، كما حدث ذات الشيء لجدول الضرب الذي (في الحساب والرياضيات) كنا نحفظه عن ظهر قلب، وإن لم نفلح بذلك تورَّمت أيدينا بعصا المعلم أو بكف الأم أو الأب، وهكذا حتى يطمئنوا من عدم ارتكاب أي خطأ به. كان هذا النوع من التعليم التقليدي (المنتقد والمرفوض اليوم من قبل مدارس التنشئة والتربية والتعليم الحديثة) مفيدا من أوجه متعددة أغفلتها النظريات والمدارس أعلاه، ومن فوائدها التدريب على تحطيم قيود النفس إزاء التعلم والتدريب على تحدي الصعاب وكسر شوكة “اللاممكن”، وهكذا.
والحق يقال، فإن البدائل الحديثة اليوم قدمت لنا أجيالا شابة من النشء الذي يستثقل القراءة، ناهيك عن محاولة التأليف والكتابة. هذه أجيال لم تتدرب على تحدي الصعاب وتجشم عناء مشاغله النفس وتشغيلها عنوة، للأسف الشديد. وقد وصل هذا النوع مما يمكن أن أطلق عليه صفة “التقاعس” حدا، أن القراءة راحت تندثر، فلم تعد القراءة، نشاطا أوليا بالنسبة للنشء والشبيبة، إذ تم استبدالها بثقافة الصورة The picture culture : بمعنى اضطلاع الصورة الملونة والمغرية بما كانت تفعله القراءة قبل عشرات السنين الصورة تعتصر الموضوع الذي قد يتطلب من المؤلف أو المحرر عشرات الصفحات لنقله إلى المتابع، صورا ذهنية image: تحقق الصورة المطلوبة في ثوانٍ خاطفة فقط بمجرد إلقاء نظرة. وإذا كنا قد فطنا على عصر كانت تصدر الصحف فيه بلا صور ولا رسوم ولا كاريكاتير، بسبب صعوبة أو تعقيد متطلبات ذلك، فإن الصحف وآنية الإعلام اليوم “غير ممكنة” القبول أو التصحف قط، بلا صور ولا رموز ولا رسوم بيانية ولا جداول توضيحية: فيا له من تغير!
ثقافة الصورة هي ظاهرة أميركية غربية عامة، على أغلب الظن، إذ فطن مهندسو الإعلام الراسخون بالعلم بأن للصورة من القوة المختزنة ما لا يمكن لأي كاتب أو شاعر أن يرتقي إليه عنه بنفس الدقة، أبدا!
وقد عانيت شخصيا من هذا الإشكال نظرا لأني من خريجي المدارس التربوية والإعلامية القديمة التي غدت جامعة لغبار الزمن، تلك المدارس التي كانت لا ترتكن إلى الصور، فتعدها غير ضرورية باعتبار أن الحرف المطبوع والسطر المكتوب يحلان محل الصورة، اعتمادا على مواهب وعبقرية الكاتب: فلم أجهد نفسي في تزويد كتبي الجديدة بالصور التي يمكن أن تساعد القارئ على إدراك المعنى بالرغم من غصدارها بالإنجليزية وفي الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن تأسره بألوانها وأشكالها الخلابة. لذا ظهرت كتبي الأخيرة أشبه بكتب عصر الثورة الصناعية الذي تخصصت بآدابه: مجردة من الصور، معتمدة على قوة الكلمة ورسوخ الجملة.
وإذ أعترف بخطئي هذا بالإخفاق في مواكبة العصر الحديث، أي “عصر ثقافة الصورة”، فإني لأتوقع أن يأتي اليوم الذي يشهد اعتماد الصور المتحركة على أغلفة الكتب وعبر صفحاتها، بل وفي القريب العاجل.
ولذا، فإنه في حقيقة هجر الجمهور للكتاب خير إشارة وعلامة على فوز “ثقافة الصورة” على ثقافة الحرف المطبوع والسطر المكتوب اليوم، وليس غدا.
وإذا كانت هذه هي الحال المأساوية للقراءة اليوم، فلا يعجب المرء من اختفاء وتآكل مواهب الكتابة والتأليف في عصر قريب، عصر قد يشهد بقايا سني أعمارنا، بسبب استثقال نشاط القراءة المتزايد، ناهيك عن استحالة نشاط التأليف والتحرير الذي يليه على نحو خاطف السرعة. وهكذا سيحل الذكاء الصناعي محل الذكاء البشري على نحو متواصل وخاطف التقدم حتى يأتي اليوم الذي يوضع به “الإنسان القارئ” إلى جانب “الإنسان الكاتب”، والمبدع، “المؤلف”، في جناح الكائنات المنقرضة في القاعة الأخيرة من متحف التاريخ الطبيعي. والدعوة مفتوحة لأنصار الأرض والمحافظة على الحياة من تحديات الانقراض والاندثار لنجدة المؤلف والقارئ على حد سواء، قبل أن يحل الحاسوب محلهما الآن وللأبد!

إلى الأعلى