الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / القرارات للشّعب وليست على الشّعب

القرارات للشّعب وليست على الشّعب

إذا كانت سلامة اللغة لا تقتصر على حسن النطق والكتابة والقراءة ما لم يؤخذ بعين الاعتبار وضع المخاطب، كما أنّ القول برفاهية الفرد يبقى كلاما فارغا ما دام الإنسان يفتقر إلى قبر الحياة، فإنّ سلامة القوانين ومصداقيّة القرارات وجدوى التصريحات الرسميّة تظلّ مشكوكا فيها ما لم تستجب لمتطلبات الجمهور العريض بدلا من إشباع رغبات حلقة ضيّقة من الأثرياء.
على كلّ، إنّ ما نرمي طرحه في هذا النص يتعلق بقرار مجلس الوزراء في الأيام القليلة الماضية. قرار يمكن القول إنّه بمثابة خطوتين إلى الوراء بعد النجاح في دفع خطوة إلى الأمام. إذ كبّلت مؤسّسة حماية المستهلك في مساعيها وقيّدت تحرّكاتها، من خلال تضييق شبكة نفوذها الرامية إلى حماية المستهلك من بعض العابثين في المجال التجاري في عين النهار وسواد الليل، بعد أن كسبت هذه المؤسّسة شعبية كبيرة استمدت سلطتها وقوتها وشرعيتها من أولي الأمر ـ حفظه الله ورعاه ـ فأصبحت بذلك بساط التلاحم الاجتماعي بين التاجر والمستهلك، فاضطرّ التاجر بموجبه إلى توسيع هامش العناية بالمستهلك، وهو أمر بات يحسب له التاجر ألف حساب، لا على سبيل المجاملة والمداهنة وإنّما بصدق، وتلك عين الحقيقة.
لقد لاقى القرار اعتراضا كبيرا من المستهلكين الذين طالما أقاموا الثّقة على هيئة حماية المستهلك لوقوفها إلى جانبهم أيام العسر ضدّ بعض التجار الذين لا يهمّهم كيف يكسبون..! نعم عمّ الحزن ربوع نحو أربعة ملايين شخص، حين أدركوا أنّ عمل الهيئة وتشريعاتها وأسسها ستقتصر من الآن فصاعدا على ثلاثة وعشرين سلعة غذائية فقط، فهل المستهلك يطلب اقتناء الطعام فحسب؟ وغرابة ذلك أنه وجد من بين تلك السلع ما لا يعني شيئا بالنسبة الى المستهلك إذ بمقدوره شراؤها دون إشكال، ولكنها وجدت لتحل محل ما هو أساسي في الحياة . هذه القائمة التي استعرضت في القرار تسمى دوليا بقائمة الاغاثة في وقت المجاعات فهي سلة بها مجموعة من الغذاء التي يحتاجها الانسان في وقت الضرورة والشدة ولا تتناسب والوقت الحاضر مطلقا.
عجيب أمر هذا القرار لمجيئه في وقت غير مناسب: قبيل الشهر الفضيل، حيث يطلق الحبل على الغارب لرفع الأسعار دون حسيب أو رقيب. لسنا بحاجة إلى الطعام فحسب وإنّما إلى السيارات وقطع غيارها وإلى البناء والتشييد وبعض من الكماليات والمفروشات، وغير ذلك من الأمور التي سوف تحدّد بعد ذلك مصير أموالنا لاضطرارنا إلى اقتنائها لم ترد في القائمة المذكورة. وتدرك الهيئة العامة لحماية المستهلك هذه الحقيقة، وتقدر الحاجات الأساسية للإنسان ولذا كانت تأمل ضمّ سلع أخرى مهمة إلى شبكة مراقبتها، نظراً لما تعرفه هذه السّلع من أسعار خياليّة ترتفع بين الفينة والأخرى ليرتفع معها ضغط دم المستهلك، فإذا بها تفاجأ بمفارقة خارج أفق الانتظار، حين قُلصت أدوارها وقُزمت تشريعاتها وحُجّمت خطواتها.
فكيف للهيئة أن تشرف على ثلاثة وعشرين سلعة فقط..!!؟ ليبقى ما سواها عرضة لمبدأ العرض والطلب؟ أي منطق يقبل ذلك في ظلّ احتكار المنتجات والسلع وفي ظلّ التضخم الراهن الذي يصارع الدول فنعزز من شأنه ونحتويه في عقر ديارنا ليعود بالضرب إلى ذوي الدخل المتدني وما أكثرهم في هذا البلد؟ وهل نغترّ بإعلان نتائج بوسطن كونسلتينج جروب السنوي الرابع عشر لإدارة الثروة العالمية، القائل بأنّ السلطنة تحتل المركز العاشر عالميا في نسبة الأسر الغنية؟ ساذج من يقبل هذه الدّعاية الفارغة التّي لا تمتّ إلى الواقع بصلة، إذ الثّراء المذكور في هذا الإعلان يرتبط بحلقة ضيّقة من أرباب الأعمال ولا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في عدتها.
لمّا كانت قوّة المؤسّسات الوطنيّة في مدى الاهتمام بوضع المواطن الحقيقيّ فإنّه لا يوجد لديّ أدنى شكّ في أنّ ما حصل من تجديد سحابة عابرة، إذ أتوقّع تراجع السلطات عن القرارات المذكورة وتبديلها بالتّي هي أحسن، ولصالح مواطن لا منبر خطاب له، ولا قبر حياة به يحتمي غير هذا البلد. و”مَظْلمَة بني الأعمام أشدّ مضاضة” وفي ذلك فليفكّر أصحاب القرارات أنها لنا وليست علينا.

خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan05@yahoo.com

إلى الأعلى