السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / ثقافة قانونية : “جريمة إساءة الأمانة”

ثقافة قانونية : “جريمة إساءة الأمانة”

تحدثنا في الحلقة السابقة ونحن بصدد الحديث عن جريمة إساءة الأمانة , أن المقصود بإساءة الأمانة أو ما تسمى بـ”خيانة الأمانة” هي : استيلاء الشخص الحائز للمال المنقول بناء على عقد من العقود التي حددها القانون ؛ وذلك بتحويله من صفته حائزا للمال لحساب مالكه إلى مدع بملكيته , حيث يقوم الجاني باختلاس المال الذي عهد إليه مالكه بحفظه لديه وفقا لعقد من عقود الائتمان ـ والتي سيأتي الحديث عنها لاحقا ـ واستيلاءه عليه وإدخاله في ماله الخاص .غير أن أركان جريمة إساءة الأمانة وفقا لنص المادة (296)من قانون الجزاء لا تتحقق فقط بقيام الشخص المؤتمن على المال باختلاسه ـ كما هو الشائع في أغلب القضايا ـ بل من الممكن أن تقوم الجريمة كذلك بقيام الشخص المؤتمن على المال بكتمه أو تبديده أو اتلافه ويكون مقصده من هذه التصرفات جلب منفعة لنفسه أو منفعة لغيره أو يكون القصد إلحاق الضرر بصاحب المال .
وقد حدد القانون لقيام جريمة إساءة الأمانة ـ على سبيل الحصر ـ العقود التي يتعين أن يكون تسليم المال إلى المتهم بناء عليها, فقد نصت المادة (296/1) من قانون الجزاء العماني على أن :”يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من عشرة ريالات إلى ثلاثمائة , بناء على شكوى المتضرر :
1ـ كل من سلم إليه نقدا أو أي منقول آخر على وجه الإعارة أو الوديعة او الوكالة أو الإجارة أو الرهن فأقدم بأي وجه كان على كتمه أو اختلاسه أو تبديده أو اتلافه قصدا لمنفعة نفسه أو منفعة غيره أو إضرارا بغيره .
ولهذا فقد تطلب المشرع أن يكون تسليم المال إلى المتهم إما أن يكون على وجه الإعارة أو الوديعة أو الوكالة أو الإجارة أو الرهن , وهذه العقود هي ما تسمى بالعقود المسماة . وعليه يترتب على هذا الحصر أنه لا يجوز للقاضي أن يضيف إلى هذه العقود ـ على سبيل القياس ـ عقدا لم يرد فيما بينها , وفي هذا الصدد قالت المحكمة العليا : “اشترط المشرع في المال موضوع إساءة الأمانة أن يكون مالا منقولا , وأن يكون مملوكا لغير المتهم , ويتعين أن يكون قد سلم إليه تسليما ناقلا للحيازة الناقصة بناء على عقد من العقود التي حددها المشرع على سبيل الحصر , أما إذا سلم شخص وكيلا عنه مبلغا من النقود أتعابا له نظير الجهود التي سوف يبذلها , فأنفق الوكيل النقود على نفسه , ثم لم يقم بالأعمال التي كلف بها , وكان ملحوظا في هذه النقود أن تكون المقابل , فإنه لا يرتكب بذلك إساءة الأمانة , ذلك بأن النقود سلمت إليه لكي تكون ملكا له , وقد صارت كذلك , فما يصدر عنه في شأنها لا تقوم به جريمة إساءة أمانة المؤثمة بالمادة 296 من قانون الجزاء ” الطعن رقم 228/2007 .وعلة هذا الحصر تقدير المشرع أن هذه العقود هي وحدها التي تخول ثقة كل طرف بالآخر , وتفترض على من يقع المال في يده أن يكون أمينا على ما ائتمن عليه , ويكون إخلاله بهذه الثقة خيانة وإساءة أمانة . وعليه فإن من تسلم مالا بناء على قرض وأخل بالتزامه بإعادة المال المقترض أو تخلف عن تسديد اقساطه لا يعد مرتكبا لجريمة إساءة أمانة , حيث إن التسليم في هذه الحالة لم يكن بناء على أحد العقود التي نص عليها القانون , ويعود في هذه الحالة للمدعي المطالبة بحقه عن طريق القضاء المدني لا الجزائي .

ناصر بن محمد الرحبي
مساعد المدعي العام
مدير إدارة الادعاء العام لدى المحكمة العليا
بريد إلكتروني : Nasser-opp@hotmail.co

إلى الأعلى