الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: معاهدة بدون الكبار ناقصة

رأي الوطن: معاهدة بدون الكبار ناقصة

في الوقت الذي تواصل فيه دول نووية كبرى في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إدانتها للتجارب النووية لكوريا الشمالية وكذلك لتجاربها الصاروخية الباليستية، تقدم هذه الدول مثالًا صارخًا لمدى الازدواجية والتناقض الفج بين مواقفها تجاه ما تسميه “السلوك المتمرد” و”التهديد السلمي” اللذين تمثلهما كوريا الشمالية، وبين مواقفها من الجهود المبذولة من بقية دول العالم للتخلص من السلاح النووي، وجعل العالم خاليًا من أسلحة الدمار الشامل والإبادة، وتسخير الجهود الدولية لخدمة التنمية، وصرف ما يخصص من الأموال والميزانيات لتطوير أسلحة الدمار والقتل والإبادة، لبناء الاقتصادات والقضاء على الجهل والفقر والأمراض التي تفتك بشعوب العالم.
طبعًا ليس لأحد بمقدوره أو من حقه الاعتراض على سعي الدول نحو تطوير وسائلها التقنية وكل ما يعينها على التقدم والتطور، ويوفر لها الوقت والجهد، واستخدام البدائل التي لا تمتلكها أو ليس في وسعها توريدها بالنظر إلى ارتفاع تكلفتها، وتأتي الطاقة النووية السلمية واحدة من الوسائل التي يمكن أن تضع الدولة الساعية إلى التقدم والتطور على هذه السكة، وتحقق خططها التنموية بالاعتماد على قدراتها، وعلى وسائل أقل تكلفة، والتحول نحو استثمار الطاقة النظيفة. إلا أن الإصرار على توظيف الطاقة النووية في مجالات لا تخدم التنمية ولا الأمن والسلم الدوليين، ولتمثل تهديدًا مباشرًا للبشرية وللعالم أجمع، فإن هذا يعني أن العالم لا يزال يعاني من صوت والعقل والرشد، ولا يزال تتملكه النزعة التسلطية والاستعمارية، والنزوع نحو الشر والتربص بالآخرين، والنزعة نحو السيطرة والسيادة لهذا العالم، واستلاب مقدرات الشعوب وثرواتها.
فالموقف الذي أبدته الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي تجاه معاهدة حظر الأسلحة النووية يمثل خرقًا كبيرًا للموازين الدولية، وإصرارًا على جعل العالم يدور في دوامة الخلل وازدواجية المعايير، والتنافس والاقتتال وتحويله إلى ما يشبه غابة يفتك فيها القوي بالضعيف.
والحجج والذرائع التي ساقتها الدول الأعضاء في حلف “الناتو” لعدم التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة النووية لا تبدو لأي عاقل مقبولة، خاصة وأن الجميع في هذا العالم يعلم يقينًا أن دولًا أعضاء في الحلف لا تزال تمتلك رصيدًا من الجرائم بحق البشرية جراء استخدامها السلاح النووي، وفوق ذلك لم تتوقف عن عمليات تطويره، وامتلاك أكبر قدر من الرؤوس والقنابل النووية، ولم تتورع أحيانًا كثيرة عن التلويح باستخدامه، فضلًا عن أن سياساتها هي السبب الرئيسي في حدوث الصراعات.
مجلس شمال الأطلسي، وهو هيئة صنع القرار السياسي للناتو، قال في معرض سرده للذرائع والحجج إن الدول المتحالفة لن تنضم إلى المعاهدة، وأنها “تتجاهل واقع البيئة الأمنية الدولية المتزايدة الصعوبة، وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى البقاء متحدًا في مواجهة التهديدات المتزايدة، وخصوصًا التهديد الخطير الذي يشكله البرنامج النووي لكوريا الشمالية، فإن المعاهدة لا تأخذ في الاعتبار هذه التحديات الأمنية الملحة”. وبالنظر إلى هذا الموقف بحججه الواهية نجد فيه هروبًا من الاعتراف بالدور لأعضاء في حلف شمال الأطلسي في إدخال العالم في سباق تسلح نووي، وما ارتكبته من مجازر بحق البشرية، علاوة على دورها في الصراعات والحروب، والحصارات والعقوبات الاقتصادية، بينما كان الواجب أن تكفِّر هذه الدول عن ما ارتكبته بأن تكون أول الدول الموقعة على معاهدة حظر الأسلحة النووية التي من المؤسف أن توقع عليها فقط حوالي خمسين دولة غير نووية، وأن تبدأ سياسة تصالحية مع الجميع بمن فيهم من تصنفهم بأنهم أعداء لها، لذلك ستظل هذه المعاهدة ناقصة، ووصمة عار أخرى في جبين الدول الرافضة للتوقيع، ودليلًا على بقاء مظاهر الخوف والتنافس وسباق التسلح والصراعات والحروب والجهل والفقر والمرض في هذا العالم.

إلى الأعلى