السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / هوامش عربية.. على الاستفتاء والانتخابات الكردية

هوامش عربية.. على الاستفتاء والانتخابات الكردية

علي عقلة عرسان

إننا، في ظل ما نراه، وما نتعرض له، وما نساهم به من فتك بأنفسنا، وإضعاف لقيمنا ومقومات وجودنا.. مطالبون بأن نقف أمةً، بوجه من يستهدفنا كأمة، بقوة رادعة، ومساحات تسامح واسعة.. لا تلغينا ولا تغلق علينا الفضاءات، لا سيما تلك التي فتحها تاريخنا في تاريخ الحضارات. إن مساحة المستقبل مفتوحة، ويجب أن تبقى مفتوحة أمامنا.. ولا شك في أننا نحتاج إلى وقفة شجاعة ودقيقة مع الذات، تجري فيها مراجعة ومحاسبة، نخرج بعدها أكثر تعافيا، وأقل عنجهية…

من مظاهر الحمق، تفكير وتدبير، يناقضان المنطق والمصلحة، ويؤكدان العَمَهَ والكِبْرَ والغرور، وبؤس الرؤى وخطأ الحسابات، في قضايا تتطلب سلامة التفكير وحسن التدبير ودقة الحسابات. كما تتطلب مراعاة الواقع والمحيط، في الجغرافية الطبيعية، والسكانية والسياسية. ومن ذلك في هذه الأيام، ما يرافق استفتاء الكرد في شمال العراق، وانتخاباتهم لتوكيد الفيدرالية في شمال سوريا وشرقها “الحسكة، والرقة، وعفرين”. وما يضج به الصوت، من تصريحات فيها من المكابرات والمغالطات والتناقضات، ما لا يقبله منطق، ولا يقره أحد، ممن لهم صلة مباشرة بالموضوع، تحت أي ظرف.. وفيه ما يشبه الاستغفال للمخاطب، أيا كانت صلته بذلك الموضوع.
ففي الوقت الذي يرفض فيه مجلس الأمن الدولي، ودول العالم ـ عدا الكيان العنصري الصهيوني في فلسطين المحتلة ـ الاستفتاء، وتعلن الدول المعنية مباشرة بالأمر: “العراق وإيران وتركيا، في بيان مشترك موقفا شديد الوضوح، في رفضه لهذا التوجه، واستعدادها لمقاومته حتى إسقاطه، لأنه يمس بأمنها القومي، وبوحدة أراضيها وشعوبها، وبسيادتها.. وفي الوقت الذي تصدر فيه تصريحات عراقية وغير عراقية تحذر من ذلك، وترفضه رفضا مطلقا، وأنموذجها تصريح مقتدى الصدر الذي قال إن الاستفتاء انتحار سينعكس على الشعب الكردي، وإن العراق سيقاومه.. ويرتفع الصوت بالدعوة للحوار، في إطار المحافظة على وحدة العراق أرضا وشعبا… في هذا الوقت، ومع هذه المواقف والتصريحات الشديدة الوضوح.. يرتفع صوت المجلس الأعلى لاستفتاء كردستان، بالقول: “إن لم يقدّم ما يضمن الاستقلال سيتم الاستفتاء في موعده”؟! وهذا منطق غريب عجيب، “يستكرد” السامعين والمتابعين والمعنيين؟! فرفض الاستفتاء، يعنى رفض الانفصال، وإقامة دويلة للأكراد في شمال العراق، فكيف يكون الشرط لتأجيله أو إلغائه، تأكيد نتائجه والأهداف التي يرمي إليها، واعتبارها قائمة، ومُقَرَّة ونافذة.. أو يهي بحاجة إلى بعض الوقت، وذلك لا يلغى تحققها المطلق، بنظر أهل التدبير والتفكير والتصريخ هذا؟!
وفي الضفة السورية، التي تجري فيها “انتخابات محلية وتشريعية؟!”، في إطار “الفدْرَلَة” الكردية، “المفروضة” من عُشر سكان سوريا، والمرفوضة من السوريين، على المستويات الشعبية والرسمية كافة، تلك التي تتم بتواطؤ “أميركي ـ إسرائيلي”، مع من يتبعونهم، ويشاركون معهم في تدمير وطنهم، ويرمي إلى تمزيق سوريا، بعد أن تم تدميرها بجنون نوعي.. يرتفع صوتان غريبان عجيبان أيضا:
١ – الصوت الأول: صوت قيادات كردية عنصرية في سوريا يقول بأن الهدف من الانتخابات في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، هو تثبيت الفيدرالية، وتأكيدها وممارستها.. وليس الهدف هو الانفصال”؟! وفي هذا استخفاف بعقول الآخرين، لا يقبله حتى المجانين، وهو مردود على مصادره؟! أفلا يدركون أننا نرى، ونسمع، ونقرأ، ما يفعلون وما يقولون؟! ألسنا نرى درس العراق أمامنا، بكل ما فيه من دروس وعبر، ذاك الذي تم ويتم عبر خطط وخطوات دبرها ويدبرها الصهاينة والأميركيون مع الأكراد، الذين ساهموا في تدمير الدولة العراقية في عام ٢٠٠٣ بعمل مكشوف وسري، مع الأميركيين، وكيف انتشروا في بعداد على الخصوص، يخبرون العدو، ويحددون المواقع، عبر “أجهزة هواتف الثريا”، وعبر وسائل أخرى في معظم أرض العراق الجريح؟! إنهم يقبضون الثمن الآن، فقد فعلوا ما فعلوا منذ عام ١٩٩١ وحتى الآن، وقبل ذلك منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، حيث العلاقة مع “إسرائيل”، ويفعلون ما يفعلونه الآن، ليصلوا إلى المطالبة بالانفصال، وتشكيل دولة على حساب الدولة “العراق”، ابتداء بالفيدرالية، وانتهاء بالاستفتاء لإقامة الدويلة النواة، التي سيلتحق بها الكرد الآخرون، وفق برامج وخطط وتوقيتات وظروف ملائمة.. وذلك معلن بكل الوسائل، وفي كل الأماكن، وتحت كل الظروف.. وفي جبال قنديل المركز، وفي وسواها، تُحشَد قوى، ويتم تدريب وتسليح وتجهيز، لمقاتلين كورد من البلدان الأربع المعنية، بإدارة وقيادة وتوجيه الخزب الشيوعي، حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيا، وذي الأذرع العسكرية والأمنية، والتنظيمات، في الدول الأربع المعنية: “العراق وسوريا وإيران وتركيا؟! أليس أول الرَّقص “حَنْجَلَة”، كما يقول المثل السائر، الناتج عن تجربة وتحسن تفسير وتقدير؟!
٢ – أمَّا الصوت الثاني، فصوت البنتاجون، الذي أعلن، بعد أن تجاوز الجيش العربي السوري، في دير الزور، ضفة الفرات ليدخل أرض الجزيرة، ويستعيد بئرا نفطيا استولت عليه القوات الكردية.. أن الأميركيين “سيحمون حلفاءهم”، أي سيحمون البشمركة من الجيش السوري وحلفائه؟! ولم يكن هذا الإعلان الأميركي، يتعلق فقط بمناطق النفوذ التي تم تحديدها بين الأطراف الدولية ـ والأجنبية، التي تتقاسم النفوذ في الجغرافية السورية، وإنما لحماية البشمركة الكردية ومناطق سيطرتها على الأرض،. والسؤال: حمايتها ممن؟ ولماذا؟ وتحت أية ذرائع؟! إنها على المكشوف، حماية لمنطقة “الفَدرَلَة” الكردية، على الطريقة نفسها، وبالأسلوب ذاته، الذي حمت به “إقليم كردستان العراق”، في إطاري الحكم الذاتي والفيدرالية، وسلحته ودربته ووجهته واستثمرت فيه، مع “إسرائيل”، إلى أن طالب بالانفصال وتأسيس دولة على حساب العراق ووحدة أراضيه. اللعبة مكشوفة، والصهاينة يلعبون فيها الدور الرئيس، ويتبنى أهدَافهم الأميركيون، والدول الاستعمارية التي تحن إلى سيطرتها الماضية، ونهبها للشعوب.. لكن، كما يقال. “العين بصيرة واليد قصيرة”، منذ عشرات السنين، كنا نشم رائحة دخان نار تعسّ تحت الرَّماد، وأذكر، فيما أذكر، أنه في أحد أعوام الثمانينيات من القرن العشرين، وفي المركز الثقافي العربي في القامشلي، قلت، ردا على سؤال أحد العنصريين المتطرفين من الأكراد، سألني رأيي في دولة لهم في شمال سوريا، قلت: “هذه ستكون إسرائيل ثانية”؟! ونمى الفطر السام في جانب، وتضخَّم التسامح في جانب. وكان ما كان.. الغَصَّة في الحلق، والضعف أو التغافل في الخلق، ورُفِع المتصهينون العنصريون “أبطالا قوميين”، وتبنى “يساريون سوريون مفلسون” مشروعهم، بدعوى المظلومية، ونكاية “بالقومية العربية” التي وصفوها بالشوفينية.. فكان أن بقي العرب وقوميتهم الكبرى ضحية، وأصبحت العنصريات والتبعيات ديمقراطيات، واستفتاءات لإقامة دولة على حساب دول، وومارسة العنصرية والإبادات الجماعية وأشكال القتل والتهجير، ضد أصحاب الأرض والتاريخ، والتراث والخضارة.. العرب.
لقد وصلنا اليوم إلى ما أوصلنا إليه ساستُنا، وسياساتُنا، وتنظيمات ذات ولاءات لغير الوطن والأمة، وأوصلتنا إليه ولاءاتنا المريضة، وأولياتنا القطرية الضيقة، وثقافة ينخرها سوس من المدعين، والجهلة الذين نصبوا أنفسهم مثقفين، والمتطرفين اليساريين الذين أفسدوا القيم والنظم، بتعالم وتطاول هما الجهالة الجهلاء، وبسياسات وتوجهات وادعاءات، هي الفطور السامة، في دٍمَن النفوس. والنتيجة أننا وصلنا إلى هذه الحال، الأشد بؤسا من أية حال، بأيدينا وبأيدي أعدائنا التاريخيين، والطامعين بنا وبثرواتنا وخيرات أوطاننا، أولئك الذين ما زلنا نحبوا على رُكبِنا وأكواعِنا، وحتى على رموش أعيننا، لكي نرضيهم، فيرضون عن قهر بعضنا لبعض، وقتل بعضنا لبعض، وتدمير أوطاننا، وقوانا، وقيمنا، وديننا وعلاقاتنا، وحتى قوميتنا العربية.. نعم.. نعم.. قوميتنا العربية، المتسامِحة حتى الغفلة، قمنا ونقوم بتدميرها بأيدينا.
لا يعنيني الآن الكلام عن تاريخ وجود الأكراد في جزء من الأرض العربية السورية، المسماة “الجزيرة، تلك المقابِلة للشامية”، في الجغرافية الطبيعية والبشرية، أي ما يقع من أرض عربية ـ سورية وبشر، شرق نهر الفرات وشماله.. ولا يعنيني الحديث عن متى وفد الأكراد إليها، ولا أين كانوا قبل ذلك.. فنحن وإياهم أصبحنا تاريخا مشتركا، وعقيدة دينية واحدة، بعد اعتناق من اعتنق منهم الإسلام منذ عام ٦٤٤م، وكذلك من بقي منهم زرادشتيا يعبد النار.. فكثير من الأكراد معنا في الأرض العربية منذ قرون، نعيش معا بأمن وسلام.. إنما ما أشير إليه هنا، وفقط بمناسبة سُعار الانفصاليين، والمستقوين بالصهاينة والأميركيين، وبإلماحة عابرة جدا، أنه في عام ١٩٢٥م، وبسبب ثورة سعيد بيران، الكردي، على كمال أتاتورك في تركيا، هاجر الكثير من الأكراد من تركيا، ومنحهم الفرنسيون الجنسية السورية.. وساعد في ذلك ساسة سوريون، منهم أكراد مسؤولون.. وسكن أولئك في مناطق منها “زلو ـ أي أرض الزّل، وهو نبات”، في شمال سوريا، وهي القامشلي اليوم التي كانت تحمل اسم “زلو” السرياني حتى عام ١٩٢٠ تقريبا، وتم ذلك التوطّن بتسامح فذٍّ من العرب السوريين، كعادتهم مع الأقوام والهجرات الكثيرة، التي دخلت هذه الأرض العربية الطيبة، سوريا.. أرض العرب منذ الآراميين والكنعانيين والسريان، جذور العرب الغربيين في المنطقة قديما، وأرض القومية العربية، منذ الأمويين، وأرض التسامح والتعايش، وقلب العروبة النابض، بحق وصدق.
إن ما نحن فيه اليوم، وما وصلنا إليه، مما هو مؤلم، ومؤسف، وفتاك قتال، يستدعي منا، نحن سكان الوطن العربي جميعا، ممّن صبغتهم الثقافة العربية ـ الإسلامية بصبغتها، ولا سيما من يقولون بالقومية العربية، على أرضية القاعدة الإسلامية التي حددها القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾ – سورة الحجرات
مطالبون بأن نواجه السؤال، في ضوء الوقائع والممارسات والنزوات والنزعات الغُصابية التي نشهدها، والقوى التي تغزونا وتقتلنا وتنهبنا: “هل القومية العربية نوعٌ من “شوفينية” ظاهرة أو باطنة، فاعلة أو كامنة.. هل هي كذلك، وتشكل خطرا على الآخرين، ونزوعا مؤذيا يؤدي إلى تصاعد النزاعات والحروب، كما يلغوا اليوم العنصريون اليوم، وكما يمارسون، ضد العرب الضحايا؟! وضد من يستهدفونهم ” بالاجتثاث؟! ومن يتطاولون عليها، من دون وجه حق، ويشهرون عليها سكاكينهم، مناصرين أعداء العروبة والإسلام؟!
إن هذا يستدعي فتح ملفات ضخمة تتصل بالحروب ومشعليها، والقوميات ونزوعاتها، والتعصب وتاريخه ودعاته وممارساته، كما يستدعي الخوض في نقاش وتحليل حول القوميات بشكل عام، ومواجهة عللها بوجه خاص، ومواجهة السؤال: هل يمكن القضاء عليها، أم أن المستحسن هو أن تقوم بينها جسور ثقافية ومعرفية، لتزيل المعرفةُ الجهل والحقد والكراهية، وليزيل التعارف والتعاون والأزمات والحروب!! ولتتأكد هويات ثقافية وروحية للقوميات، فيها التنوع والغنى الثقافي والحضاري، بما لا يجعلها مجرد تعصب عرقي مقيت، وجشع مادي، وقسوة تسلط، وهيمنة وإلغاءً أو إقصاءً، من أي نوع.
وبعد، هل القومية العربية أفلست، وعليها أن تلملم أوراقها، وأن تنسحب خارج التاريخ والحاضر، بعد أن تُحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة، خلال هذا القرن والقرن الذي مضى.. وأنّ على التيار القومي، بكل تشعباته وفروعه وألوانه واجتهاداته وتناحراته.. أن يخلي الساحة لسواه، بعد أن يعلن إدانة نفسه، ويكتفي من الغنيمة بالإياب؟!
إننا، في ظل ما نراه، وما نتعرض له، وما نساهم به من فتك بأنفسنا، وإضعاف لقيمنا ومقومات وجودنا.. مطالبون بأن نقف أمةً، بوجه من يستهدفنا كأمة، بقوة رادعة، ومساحات تسامح واسعة.. لا تلغينا ولا تغلق علينا الفضاءات، لا سيما تلك التي فتحها تاريخنا في تاريخ الحضارات. إن مساحة المستقبل مفتوحة، ويجب أن تبقى مفتوحة أمامنا.. ولا شك في أننا نحتاج إلى وقفة شجاعة ودقيقة مع الذات، تجري فيها مراجعة ومحاسبة، نخرج بعدها أكثر تعافيا، وأقل عنجهية، وأشد تواصلا مع الأصول والركائز التي حاولت دول وتنظيمات وتيارات أخرى، أن تهزها وأن تدخل من خلالها إلى بنية أمة لا يمكنها أن تقبل التهجين، ولا التخلي عن منظومات قيمها، وعن أصالتها وحقوقها وعقيدتها، ومعطى هويتها وتاريخها الحضاري العريق، ولا عن تسامحها الواعي لحقه، ولحق الآخر الشريك، في الوجود والمواطَنَة، على قدم المساواة والاحترام التام.
ولمن شاء من الأقوام، التعصب والتطرف والأخذ بعنصرية مقيته، أن يفعل، وأن يحصد نتائج ما يفعل.
وربما كان من الملائم، أن يقوم من أسكره التعصب القومي، وأعماه السند الصهيوني ـ الأميركي، عن رؤية مصالح شعبه ووطنه، وعن رؤية تاريخه النضالي والحضاري المشترك، مع إخوته العرب، ولا يعجبه أن يشاركوه السكنى في أرضهم، “العربية تاريخيا”، وفي دولة واحدة للجميع… ومن لا يرى من الكورد، ولا أعمم عليهم، ثم لا أعمم.. من يرى منهم في الإسلام دينا يرضاه.. أقول ربما كان من الملائم له ـ وليس للكرد، إقامة صرح في كل من مهاباد، وأربيل.. يضم تماثيل لكل من ماركس، وستالين، ومصطفى البرزاني، وعبدالله أوجلان، وتيودور هرتزل.. وأن يحاط ذلك الصرح، بنيران لا حصر لمشاعلها.. ويعكف على الصلاة هناك أربعين سنة، مع تقديم القرابين لكل تلك المقدسات، فلعلها تخرجه، بعد أربعين سنة من الصلاة والتقديس، من تصحّر العقل، وتيه المسارات، وسوء النيات والولاءات.
والله أعلم.. وهو سبحانه يهدي من يشاء، لما يشاء.

إلى الأعلى